هل يجلب ترامب السلم لمنطقة الشرق الأوسط المضطربة .. ؟؟


 

لا زال ترامب يثير شهية الإعلام و الصحافة، و يثير مزيدا من الإستغراب و التهكم و أحيانا الإستهجان و ربما التعجب في كثير من قفشاته و تصريحاته و حركاته و سكناته و أفعاله و أقواله، و هو أصبح محط إهتمام أجهزة الإعلام، مع مزيد من التندر و ربما الفكاهة و السخرية لما يقوله و يفعله ..

سؤال يلح علينا جميعا، بالرغم من شكوكنا الكبيرة في نوايا ترامب و دوافعه و خلفياته، هل يتمكن ترامب من أن يعيد الأمن و الأمان و السلام إلى منطقة الشرق الأوسط المضطربة الهائجة المائجة، أنا شخصيا أشك في ذلك كثيرا، سواء من جهة النوايا أو التصريحات و التلميحات أو القدرة و المعرفة و الخبرة ..

ترامب ، بعد صولاته و جولاته و زياراته و قممه العديدة في المنطقة، عاد إلي بلده، و بعد أيام عديدة من تلك الزيارة، و لم يستجد أي شئ على الأرض إلا اللهم صدى الخلافات و الصراعات التي نشبت بين عدد من الدول العربية، في أعقاب ما قيل إنه تهكير لموقع وكالة الأنباء القطرية أو شئ من هذا القبيل، و الذي تسبب في تسريب تعليقات و تصريحات لأمير قطر لا تؤيد قرارات القمم العربية و الإسلامية ، و خاصة ما يتعلق منها بإيران و إسرائيل، بل إنها تشيد بإيران كونها دولة صديقة جارة مسلمة، و نحن لحد يومنا هذا لم يردنا ما يؤكد أو ينفي بشكل قاطع هذه التصريحات و التعليقات ..

و آخر ما إستجد بهذا الخصوص خبر مؤسف سمعناه خلال كتابتنا لهذه المقالة عن قيام السعودية و الإمارات و البحرين و مصر و اليمن بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، في محاولة كما يبدو لمحاصرة و معاقبة دولة قطر على أمور كثيرة، ربما أهمها موقفها من الأحداث في مصر و الإنقلاب الذي عزل مرسي و جلب السيسي، و موقفها من الأخوان و حماس و قناة الجزيرة، و مقف قطر و خلافها مع الإمارات بشأن اليمن، و ربما ستكون هذه مناسبة لنشر الغسيل الوسخ للطرفين و من ذلك مثلا موضوع الألعاب الأولمبية و ما يشاع عن إتفاقات و رشاوي دفعتها قطر و غير ذلك، و كما يبدو هذه أهم المؤشرات التي تدفعنا للبحث عن السلام في أعقاب زيارة ترامب، أم أن ذلك سيكون مزيدا من التشتت و الإضطرابات و الصراعات الداخلية، تضاف للسجل الدامي الذي عانت منه بلادنا العربية خلال الفترة السابقة، و منذ إحتلال العراق بشكل خاص ..

و الواقع، فأن ترامب لا و لن يختلف كثيرا كما نتوقع عن غيره من الرؤساء الأمريكان السابقين، الذي رفعوا شعارات السلام و الأمن و الأمان لدول الشرق الأوسط، و الدول العربية خاصة، و الذي نتج بالتالي هو العكس تماما، و كما يبدو أن السلام يتحقق لإسرائيل، و يستلب و يسرق من الدول العربية بأشكال مختلفة متعددة، فجيلنا يسمع عن إتفاقيات و معاهدات السلام منذ أيام نيكسون و جونسن و كارتر و بوش الأب و الإبن و كلينتون و أوباما، و لو نظرنا إلى خريطة العالم العربي لوجدنا أن سرطان الإضطرابات و الصراعات الداخلية و الخارجية هو الذي ينتشر و يتحقق و ينفذ على الأرض، لا سلام و لا هم يحزنون ..

بنفس هذا السياق، كتب رايان كوبر مقالة في مجلة ( ذا وييك ) نشرها قبل حوالي الأسبوعين، تحت عنوان ” ترامب لن يجلب السلام لمنطقة الشرق الأوسط ” ، يناقش فيها بشكل فيه بعض التندر و السخرية، معطيات زيارة ترامب الأخيرة للمنطقة و حضوره القمم الثلاثة و لقاءاته مع عدد من القادة العرب و المسلمين، و إن كان كل ذلك سيؤدي إلى أحداث جدية بإتجاه تحقيق الأمن و الأمان و السلام في منطقة الشرق الأوسط ..

يشير الكاتب إلى أن منطقة الشرق الأوسط كانت دائما محط إهتمام العديد من الرؤساء الأمريكان خلال العقود الماضية، و كانت برامجهم دائما تتضمن شيئا يتعلق بتحقيق السلام في المنطقة، لكن الملاحظ و المضحك و المؤسف أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل ..

و أنا أضيف هنا، هل كان هذا الفشل مخططا و مبرمجا و مقصودا يا ترى، أم أن تعقيد الواقع و الأحداث و العلاقات و التاريخ و الجغرافية في هذه المنطقة الخاصة كانت و لا زالت أكبر من مستوى فهم و إستيعاب أميركا، و ربما قبلها فرنسا و بريطانيا ..

يتابع كوبر بشئ من التندر و الإستهزاء فيقول، سادتي لا تهتموا و لا تقلقوا، ترامب وضع هذا الموضوع نصب عينه و موضع إهتمامه، و حسب ما يقول ترامب فأنه يستغرب أن أي من الرؤساء السابقين لم يفلحوا و لم ينجحوا في تحقيق هذا السلام المأمول، و أنه ، أي ترامب، سيتمكن و بسهولة بالغة من تحقيق ذلك، هذا على الأقل ما يقوله في تغريداته و تصريحاته الرسمية و غير الرسمية خلال و بعد هذه الزيارة ..

يؤكد الكاتب من وجهة نظره، أن ترامب بالرغم من زياراته و إجتماعاته و قممه الخاصة في المنطقة و حول العالم، و التي تتضمن العديد من الأهداف و الخطط و الفعاليات و البرامج، المعلنة منها و غير المعلنة، لكن الشئ الذي نستطيع الجزم به الآن، هو أن ترامب لن يستطيع أن يغير شيئا في الواقع الحالي في المنطقة، و لن يتمكن من تحقيق أي تقدم يذكر، كما يطمح هو و يروج لنفسه، و ربما يعود ذلك إلى عدد من الأسباب نذكرها هنا تباعا ..

فيما يتعلق باليمن، يشير الكاتب إلى أن أميركا تدعم تدخلا سعوديا عسكريا في هذا البلد تسبب في تحويله إلى أرض محروقة و بلاد مدمرة تماما، حيث تسببت الغارات الجوية السعودية في قتل الآلاف و جرح العشرات من الآلاف من المدنيين، مع تزايد و تعقد الأوضاع الإنسانية و الصحية و الإقتصادية للبلد و السكان و تدهورها لمستويات قياسية مخيفة، علما أن هذه الحال مستمرة منذ

حوالي السنتين دون تحقيق نتائج ملموسة على المستوى العسكري و الأمني، كما أصبحت معظم المدن اليمينة تعاني من نقص كبير في الأدوية و الماء و الطعام، و فقدان للكثير من الخدمات، و إنتشار للكوليرا و العديد من الأمراض المعدية التي أصابت ما يقارب من ٣٠٠٠٠ مواطن يمني، هذه الأوضاع شجعت القاعدة لتجد لها موطئ قدم في المناطق الشرقية من اليمن، بالرغم من كل ذلك فقد كافأ ترامب السعودية بزيارتها و توقيع عقود أسلحة ضخمة معها، و لا ندرى إن كان ذلك سيساعد في إحلال السلام في هذا البلد ..

في سوريا، هذا البلد الذي تستمر فيه الحرب الأهلية و الصراعات الداخلية منذ أكثر من ستة سنوات، و التي تسببت في تدمير الكثير من مدنه، و تشريد و تهجير الملايين من سكانه داخليا و خارجيا، و قتل و جرح مئات الآلاف من السكان المدنيين، و لا زال الحال غير قريب من الحسم مع بقاء كل من الطرف الحكومي بقيادة بشار الأسد، و المعارضة بأطرافها و تشكيلاتها المتعددة، غير قادرين على حسم الأمر و السيطرة على الأمور المتدهورة في البلاد، الرئيس ترامب إستجاب لهذه الفوضى المدمرة و ساهم فقط بإطلاقه ٥٩ صاروخ على قاعدة عسكرية في سوريا، لا غير ..

أما ليبيا، هذا البلد المنسي، و بعد سنوات من إقرار إدارة أوباما للتدخل الأمريكي فيها، لا زال البلد يعاني من تزايد حدة الصراع بين أجنحة مختلفة و متقاتلة و متصارعة، سواء تلك الحكومية أو الميليشيات المعارضة، أو المجموعات الإسلامية، و لا زال البلد يعيش وضعا مأساويا و إنفلاتا أمنيا و وضعا إقتصاديا و معيشيا و إنسانيا صعبا، منذ قتل الرئيس القذافي و لحد يومنا هذا ..

العراق، و هو برأيي لب الصراع و أساس الإنهيار الحاصل في المنطقة، فيشير الكاتب إنه بعد حوالي ١٥ سنة من قرار بوش المجرم الغبي بغزو العراق و إحتلاله تحت حجج واهية كاذبة، نرى اليوم أن القوات العراقية لا زالت مشغولة في محاولة لتطهير مدينة الموصل من إحتلال ما يسمونه بداعش، هذا القتال و المعارك المستمرة منذ حوالي السنتين، تسبب في تدمير المدينة و قتل و جرح الآلاف، و تهجير و تشريد مئات الآلاف، و في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة العراقية تصوير قدرتها على السيطرة على الأمور و على مجريات العمليات العسكرية، يجد العراقيون أنفسهم خلال الأيام السابقة محاصرون بالعديد من التفجيرات الإنتحارية هنا و هناك تدعي داعش مسؤوليتها عنها، و لا زالت الأمور في هذا البلد أبعد ما يكون عن الإستقرار و الأمن و الأمان و السلام الذي يحاول ترامب نشره و تسويقه هنا و هناك ..

بالنسبة لإسرائيل، و هي السبب الأساسي و الكلاسيكي للصراع في الشرق الأوسط، فهي لا زالت غير مبالية بالإذعان للقرارات الدولية و المطالب الأممية بوقف الأستيطان و التراجع عن إحتلال الأراضي الفلسيطينية التي يعود إليها السبب الرئيس للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أضف إلى ذلك فأن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لا زالت مستمرة في سرقتها و إستيلائها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بهدف توسيع المستوطنات، و عزل و محاصرة السكان الفلسطينيين، أما ترامب فأنه لم يفعل شيئا خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل، و لم يضف و لم يغير أي من الأمور على الأرض لمساعدة الفلسطينيين في معالجة هذه المشكلة المستعصية، و إحلال الأمن و الأمان و السلام في هذه المنطقة ..

إيران، التهديد و الخطر المتصاعد و المتنامي في المنطقة، و التي نجد شهيتها في التوسع و التدخل و الهيمنة تزداد و تمتد و تتمدد بل و تتمادى، و كما يقول الكاتب كوبر، يأتي منها أفضل الأخبار في المنطقة، و هو إعادة إنتخاب الرئيس المعتدل روحاني ، و تمكنه من الفوز على الجناح المتشدد و مرشحيه، و يشير هذا النصر للجناح المعتدل، رغبة أغلبية الشعب الإيراني و بشكل خاص فئات الشباب منهم أن تحل لغة الإعتدال و الدبلوماسية و الهدوء في التعامل مع الغرب بدلا عن التشدد و التصعيد، علما أن إيران كانت عنوانا للعديد من الملفات الأمنية و العسكرية التي يفترض أنها نوقشت و درست خلال زيارة ترامب مابين الجهات المعنية، نظرا للأخطار المتزايدة التي باتت تشكلها لعموم المنطقة ..

خلال السنوات السابقة، وجدت منطقة الشرق الأوسط نفسها في وسط صراعات و إختلافات في مستويات الإهتمام و وجهات النظر في قمة السياسة الأمريكية بسبب التغيرات في مستوى الإهتمام بموارد النفط و الغاز، و ظهور بدائل عديدة لها، إضافة للمستجدات التي أوجدتها مؤتمرات و دراسات البيئة و الإنحباس الحراري و غيرها من الدراسات و النشاطات المتعلقة بالبيئة، إضافة لظهور أقطاب إقتصادية و مالية و سياسية جديدة و مؤثرة في المنطقة و العالم مثل الصين و الهند، كل ذلك جعل من حلفاء أميركا يتوجهون تدريجيا إلى دول أوربا الغربية، و الإبتعاد نسبيا عن أميركا، بسبب إختلاف المصالح و الإهتمامات و الإتفاقيات المنظمة لذلك ..

مع تزايد حدة الصراع و إستمرارها لسنوات طويلة في المنطقة، و خاصة ما يتعلق بسوريا و العراق و اليمن و ليبيا، و إنغماس الدول المؤثرة و المستفيدة في هذه الصراعات بشكل ما، و بشكل خاص السعودية و إسرائيل و إيران، تجد أميركا أحيانا البدائل محددة و غير متاحة، و الإختيار أحيانا يكون صعبا بين إستخدام التدخل العسكري أو الوسائل السلمية و الدبلومياسية للتدخل و التأثير في هذه الصراعات، خاصة مع إختلاف و أحيانا تناقض المصالح و الإهتمامات و التوجهات بين الدول المعنية و الدول الثلاثة المؤثرة في المنطقة ..

بشكل عام ، فأن الأوضاع المحتدمة و المتأزمة في المنطقة تبدو أبعد ما يكون عن الإستقرار و الهدوء، بل إنها كما يبدو معرضة لمزيد من التأزم و التدهور خاصة بعد ما سمعناه عن الخلافات الأخيرة الحاصلة في مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لإقصاء قطر و محاصرتها و عزلها، تحت حجج و ذرائع مختلفة تبدو لحد الآن غير مقنعة و لا مفهومة و لا منطقية، علما أن منطقة الخليج العربي كانت تتمتع و تتميز بقدرتها على حفظ الهدوء و الإستقرار في دولها بالرغم من إشتداد الأزمات و الصراعات و الخلافات في الدول المحطية بها، لكن كما يبدو، و كما يتندر البعض أن الربيع العربي قد وصل إليها أخيرا، أو ربما الخريف العربي، و إن لم يسارع العقلاء و الحكماء لحصر هذه الخلافات و معالجتها فورا، فأن نتائجها لن تبق و لن تذر، و لا يمكن لأحد أن يتخيل حجم و تأثيرات و إمتدادات هذه الصراعات، خاصة مع وجود جار السوء إيران ، و هي تتأهب للإنقضاض و الهيمنة و التقدم خطوة أو خطوات في أي إتجاه كلما وجدت الوقت و الظرف مناسبا لذلك ..

المقال السابقالغَرب “السعيد” – ج٤
المقال التالىالقضاء على الارهاب
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد