المغرب : الحراك والثوابت


 

يهيمن منظوران على واقع السياسة الإصلاحية بالمغرب منذ حوالي عقدين من الزمن ويعبران بدقة عن المشهد السياسي الراهن. المنظور الأول وهو الحركة الإصلاحية التي يريدها الشعب ويقودها الملك، والمنظور الثاني وهو الركود والذي تعبر عنه كل الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها والتي أصبحت خارج إطار الزمان والمكان. ولا يهمها سوى خرجاتها الإعلامية ومصالحها الضيقة وإيديولوجياتها الفارغة من كل برنامج يمكن أن يساعد في إكمال المسيرة الإصلاحية التي بدأت مع بداية القرن.

فبين المنظورين صراع قوي بين تطلعات مجتمعية مشروعة وواقع حزبي ميؤوس منه دخل عالما مظلما من الصراعات الداخلية التي أدت إلى انغلاقه وبعده عن المجتمع، بحيث أصبحت تدير من منطق إداري ومكتبي معزول عن الحركة الإصلاحية الواقعية.

لذلك فدينامية الإصلاح لم تحقق بعد كل مطالبها، ويستمر الإحتجاج والمطالبة بالإصلاحات بطريقة سلمية وحضارية ليتحقق الإصلاح الديمقراطي والتنموي المنشود في إطار الوحدة الترابية والوطنية واحتراما لثوابت الأمة ووجودها.

إنه صراع بين فكر متحرك إصلاحي وسكون أحزاب سياسية لم تعد قادرة على مجاراة تحديات المجتمع والعصر، وأثبتت عدم قدرتها على مجاراة الحراك المجتمعي الإصلاحي. أنه صراع بين عالمين مختلفين تماما.

فاستكمال بناء مؤسسات الدولة هو مطلب مجتمعي ديمقراطي يأتي نتيجة انتخابات نزيهة وإرادة شعبية، تهدف إلى بناء مجتمع يحترم كل أبناءه بمختلف انتماءاتهم السياسية والدينية والإيديولوجية والعرقية، فالمغرب كان ولا يزال بلد التعايش والتسامح والسلم والسلام.

فالحراك الذي يعيشه المغرب حاليا هو تتمة لثورة قادها المجتمع ضد الفساد السياسي وقصر عمل الحكومات المتعاقبة، فهو يعبر عن مطالب اجتماعية عادلة ويتشبت بمنطق السلمية الحضارية في الاحتجاج والمطالبة بحقوقه. فهي نتيجة صارخة للشرخ بين السياسي والاجتماعي، بين شباب الوطن والدولة العميقة.

إنه تعبير صارخ أيضا ومشروع عن رفض طريقة تدبير المشهد السياسي بالمغرب. فهو في الآن نفسه تراكم لسنوات طويلة من الإهمال والتدبير المشوه لمطالب عادلة، وأيضا نتيجة إنتاج وتفشي نخب سياسية وإدارية فاسدة لم تتعامل كما هو مطلوب مع التنمية الجهوية والمحلية وساد الفساد والزبونية والتدبير العشوائي.

فالحراك يرفع شعار القضايا العادلة ضد السياسات الفاسدة، إلا أنه لا يجب أن يخلط بين ما هو سياسي صرف وما هو اجتماعي صرف لأن المغرب بلد تتعايش فيه كل الإختلافات الممكنة، واحترام الخصوصيات، فالوطن للجميع ويتسع للجميع.

لا تعليقات

اترك رد