كيف تشكّلت الرؤية الغربية للعالم الاسلامي ؟!

 

? How the Muslim World Was Invented
The Complicated Origins of a Universal Idea
By : Anver A. Emon and Daniel Steinmetz – Jenkins
Foreign Affairs – Friday , June 2 , 2017

العالم الاسلامي الماثل أمامنا اليوم ليس فضاءاً عرقياً او دينياً او حضارياً واحداً ؛ انه اليوم مجموعة عوالم توحدها في الذاكرتين الغربية والإسلامية روايات أسطورية من الماضي ومفاهيم كرستها قصور الرؤية في الطرفين فضلاً عن نوعية العلاقة التي سادت خلال ظروف الموجات الاستعمارية الحديثة ، ثم الاحتلالات في مرحلة مابعد الحرب الباردة .

مامن خلاف في ان الرؤية الغربية للعالم الاسلامي تشوبها ضبابية كثيفة شكلها هذا المزيج من العوامل التي امتزجت فيها المصالح بالأحكام المسبقة ، اضافة الى ردود الفعل السلبية المتبادلة بين الشرق والغرب بشكل عام . لا احد ينسى عبارة كپلنغ المشهورة ” الشرق شرق ، والغرب غرب .. ولن يلتقيا ” . كانت هذه العبارة وأمثالها مصدر الهام لمفكر كبير مثل الراحل ادوارد سعيد أستاذ كولومبيا ومؤلف الكتاب ذائع الصيت ” الاستشراق Orientalism ” الذي حاول النبش في جذور الفكر الغربي المعاصر لاكتشاف مصادر التصورات المشوهة او الضبابية التي سادت هذَا الفكر منذ ثلاثة قرون على الأقل حيث شكلت فيه الحروب نمط اللقاء التاريخي الأزلي بين الشرق والغرب في العقل الغربي ، وفي ذات السياق فان اغلب المفكرين المسلمين قبلوا الوقوع في فخ التصورات الخاطئة وقدموا رؤيتهم لانفسهم الى العالم بشكل ردة فعل تبحث عن التميز والتفرد اكثر من بحثها عن الاندماج والمشترك .

تتغذى عقول الغربيين الصغار في مراحل الدراسة الاولى على الصور التي تقدمها إلياذة هوميروس ثم غزوات الإسكندر المقدوني للشرق ، ثم ملحمة قرطاج وهانيبال وغيرها من أشكال الصدام العسكري التي تمثلت ذروتها بعبور جيوش المسلمين مضيق جبل طارق ثم تستوطن في اسپانيا والپرتغال واجزاء من فرنسا وإيطاليا وتفرض هيمنتها لوقت طويل دام ثمانية قرون مهددة قلب العالم الغربي -المسيحي ؛ ولكن قلما ورد في الكتب المدرسية حديث عن أشكال التواصل الحضاري التي تمت على سواحل اوروپا الجنوبية الغربية بين العالمين من خلال المستوطنات الفينيقية والمصرية القديمة التي كانت قائمة على السواحل الجنوبية لليونان ومن خلالها انتقلت مجموعة من القيم والتقاليد العظيمة من الشرق الى الغرب مثل أنظمة الحكم التمثيلية وأرشفة القوانين ونظم الادارة العامة . كما قلما نجد في الكتب المدرسية الغربية ما يشير الى ان نظم الري الزراعي ومكننة انتاج الطحين باستخدام الطاقة المائية وتقنية الضخ من ارتفاعات واطئة الى اعلى ومكننة انتاج الغزل والنسج اضافة لمنتجات عظيمة في الفلسفة والمنطق والعلوم التطبيقية والطب والتي شكلت واحدة من اهم محطات انطلاق عصر النهضة ثم الثورة الصناعية الحديثة في اوروپا ومصدرها العقول المسلمة التي تواصلت مع الغرب عبر قنوات جغرافية متعددة .

لقد تم اخفاء هذَا التاريخ عمداً منذ القرن السابع عشر مع وصول موجة الحملات الاستعمارية الغربية أوجها بقيادة وتمويل اول أشكال الشركات الرأسمالية عابرة القارات مثل شركة الهند الشرقية البريطانية ونظيرتها الهولندية . رافقت هذه الحملات موجة من التبرير الاخلاقي تقوم على مفهوم تمدين شعوب بربرية وأحياناً كثيرة بهدف تحويلها الى المسيحية ارقى أشكال التدين وفق الرؤية الغربية الرائجة انذاك .

لقد تدارك الامر بعض من كبار علماء التاريخ وتاريخ الحضارات وعلم الاجتماع الانثروپولوجي أمثال الپروفيسور مارتن بارنال والپروفيسور جاك كودي والپروفيسور سيميل آيدين ، والأخير هو الذي سنقدم خلاصة لكتابه ” مفهوم العالم الاسلامي ” والذي يحاول فيه ان يقدم لنا صورة عن الكيفية التي تشكل من خلالها مفهوم ” العالم الاسلامي ” باعتباره كتلة ثقافية متجانسة وهو تصور خاطئ أنتجته المصالح وظروف الصراع بين الشرق والغرب اكثر مما أنتجته دراسة موضوعية . هذه الرؤية الخاطئة شكلت الخلفية التي تشكلت على اساسها المواقف والسياسات الغربية وعلى مستويات متعددة بدءاً من الثقافة الشعبية السائدة الى اعلى مستويات دوائر القرار السياسي .

لنتابع ….

دعا الرئيس ترامپ خلال حملته الانتخابية الى إغلاق الولايات المتحدة بوجه المسلمين حتى يمكن لممثلي البلاد دراسة الموقف وفهم مالذي يجري . وفق هذا الاعلان فان ترامپ يعتبر المسلمين تهديداً قادماً من الخارج ، وقد ترجم ذلك الى امر تنفيذي يحظر على مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة من دخول البلاد ، وقد شكلت إعلانات ترامپ وإجراءاته مصدر نقاش حاد .

هذا الموقف هو ثمرة مفهوم عام شائع لتعبير ” العالم الاسلامي ” وهو لايعني بالضرورة حقيقة تستند الى واقع ” تَدَيُّني ” موحد يسود العالم الاسلامي بقدر ماهو ثمرة لما يمكن تسميته مفهوم ” عنصري امپريالي ” للاسلام من جهة ، مقابل رؤية إسلامية معاكسة لهذه الرؤية العنصرية ، لكنها رؤية تنطلق من ذات الخأ الذي ساد الرؤية الغربية .

هذه الرؤية المتعاكسة تعود الى القرنين التاسع عشر والعشرين ، طورها مسلمون وغير مسلمين ، ومن خلالها ترسخ مفهوم محدد لعبارة ” العالم الاسلامي ” وهو مفهوم غير محدد من الناحية الجغرافية بل يتركز أساساً في ميدان المفاهيم الثقافية العامة لتمنح نكهة عنصرية لعبارات محددة مثل : الايمان ، الأجنبي والحداثة .

لقد حكمت الامبراطورية البريطانية معظم العالم ذي الغالبية المسلمة أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين وقد قام المستعمرون البريطانيون بالنظر الى هذا العالم الذي يحكمونه من خلال عدسات إسلامية . في الهند تم تأسيس مايسمى بالمحاكم الانگلو – محمدية والتي قامت بتطبيق قواعد الشريعة الاسلامية على مواطني الهند من المسلمين رغم تبايناتهم ، كما عملت هذه المحاكم على تكريس التمييز بين المسلمين وغيرهم من ابناء الهند .

قام المسلمون الخاضعون للحكم البريطاني بالتتوحد دون وعي خلف فكرة ان المسلمين ليسوا متخلفين وان الاسلام لا يتعارض مع المفاهيم الغربية . في هذا الاطار كتب الفقيه الهندي سيد أمير علي ، على سبيل المثال ، بان النبي محمد رائد من رواد التحضر وعن الاسلام باعتباره ديناً عقلانياً ويتماشى مع مفاهيم التنوير وقيم اليونان الغربية الكلاسيكية ، لكنها محاولات يتيمة .

هذا النمط من التعميم بشان مفهوم “العالم الاسلامي ” كان موضوعاً تناوله عدد من المصلحين الإسلاميين في أماكن اخرى من العالم بشكل مغاير خلال تلك الفترة من بينهم الإنكليزي المتحوّل الى الاسلام وليام هنري كويليام والمجتهد الپاكستاني ابو الأعلى المودودي . لقد شكلت القضايا السياسية والاجتماعية جوهر موضوعات بحث هؤلاء المصلحين اكثر مما شكلته الموضوعات الدينية الخالصة . لقد استدعى هؤلاء المفكرون فكرة عالم إسلامي موحد ( الأُمَّة ) واستحضار رؤية للمستقبل تستطيع فيه الأمة من رد الاذلال الذي تعرضت له على يد القوى الاستعمارية . وفق هذا النمط من التفكير القائم على فكرة ان ” العالم الاسلامي ” قادر على حكم نفسه فقد عمق هؤلاء المفكرون الإصلاحيون الخطاب العنصري الاوروپي الذي نظر الى العالم الاسلامي باعتباره نمطاً متجانساً يتميز عن غيره وفق معايير الدين والتراث .

لقد قدم عدد من المفكرين الغربيين اطاراً فكرياً ساعد المفكرين الإسلاميين على تقديم الوجه الاخر للصورة . ان مفكرين غربيين كبار مثل المفكر الفرنسي ارنست رينان وعالم السياسة الامريكي صامويل هانتغنتون والمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي قد ساعدوا في ترسيخ صورة نمطية إثنية { ليس بمفهوم العنصرية } ، حضارية وجيوسياسية لعالم إسلامي هو غير العالم الغربي استخدمها المفكرون الاسلاميون لبناء معالم هوية على ذات الخطوط .

على غرار ذلك فعل القادة المسلمون مثل السلطان العثماني عبدالحميد الثاني والفلسطيني الحاج أمين الحسيني والملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز والايراني آية الله الخميني الذين رسخوا رؤيتهم السياسية على فكرة ” القومية الاسلامية Muslim Nationhood ” .

السؤال الذي يتعين الإجابة عنه هو متى بالضبط تم بلورة هذا المفهوم كفلسفة ورؤيا ناضجة ؟!

تحت تأثير ضغط اثار الحرب العالمية الثانية ، وخلال الحرب الباردة ، تبنى المؤرخ البريطاني توينبي رؤية تقوم على ان الغرب يعيش مرحلة تحلل وان ذلك يشكل عامل حثٍ للمجتمعات الاخرى لمقاومة نزعة الغرب المادية والتدميرية ، وان الحضارة الاسلامية ، وفقاً لتوينبي ، هي الأكثر تاهيلاً لذلك بما تمتلكه من قيم ثقافية وفلسفية ودينية ، والتي تتعارض بشكل جذري مع تلك التي يتبناها العالم الغربي العلماني . لقد كان من اهم المعجبين برؤيا توينبي من أصبحوا يعرفون فيما بعد بالاسلاميين ؛ يمكن الإشارة هنا الى المفكر التركي سيزاي قراقوش الذي كان معجباً بمفاهيم المؤرخ البريطاني حول اعتبار الاسلام المنافس الأفضل للرأسمالية والاشتراكية على حد سواء .

لقد تورط المفكرون الاسلاميون في هذا المفهوم لانهم بذلك وضعوا الاسلام في موقف المواجهة مع مفاهيم العلمانية والاشتراكية بدلاً من البحث عن وسائل للتصالح او البحث عن أرضيات مشتركة معها ، بل انهم وضعوا الاسلام في مواجهة مع جانب من تراثه الثقافي والديني .

ان هذا التوجه لدى بعض المفكرين الإسلاميين لم يكن تطويراً اصيلاً لهوية تتشكل على اساس عناصر أصيلة ، بل من عناصر من تأثير المفكرين الغربيين مثل توينبي . ان مفاهيم مثل ( الأمة ) اي المجتمع المسلم ، و ( الخلافة ) اي الكيان السياسي الاسلامي الذي يرأسه الخليفة ، و ( الإمامة ) بمعنى المجتمع السياسي الاسلامي وفق المذهب الشيعي .. هذه المفاهيم تشكل العناصر الاساسية في الهوية الاسلامية الحالية .

اما في الغرب فقد تشكلت التصورات الغربية عن الاسلام من خلال إظهار الاحتكاكات التي وقعت بين الغربيين اللاتين والمسلمين القادمين من شمال افريقيا واسپانيا خلال الفترة التي سبقت المرحلة الاستعمارية الغربية الحديثة . لقد تركزت هذه الاحتكاكات كما تم إظهارها في صورة معارك وحروب عبرت عنها بعض الأغاني الشعبية وهي تصور بطولات جنود الملك شارلمان من اتباع الديانة المسيحية في كفاحهم ضد المسلمين . وهكذا تكرست صورة سلبية نمطية عن المسلمين والعرب في الذاكرة الغربية .

هذه الرؤية النمطية الغامضة عن ” العالم الاسلامي ” تظهر مجدداً في صيغة منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وعلى غرارها اللائحة التي تقدم بها السناتور تيد كروز والتي يدعو فيها وزارة الخارجية الامريكية لإعلان الاخوان المسلمين منظمة ارهابية . لقد استثمر اليمين الامريكي في هذا المفهوم النمطي عن ” العالم الاسلامي ” والذي هو من ثمار المرحلة الكولونيالية ليسبغ صفة سلبية على الاخوان المسلمين وغيرها من المنظمات الاسلامية باعتبارها واجهات للارهاب .

ان بعض حكومات العالم الاسلامي تساهم في تعميم هذه الرؤية للعالم الاسلامي ومرادفاته مثل مصر والسعودية التي عملت على شيطنة الاخوان المسلمين وإعلانها منظمة ارهابية ؛ هذا التعميم للفظة الاسلامي ساهمت في اعتبار العديد من المؤسسات التي تحمل هذه الصفة مثل مجلس العلاقات الامريكية الأسلامية كامتداد للتنظيمات الاسلامية الموصوفة بالإرهابية . لقد وصف مسؤولون رسميون في ولاية أوهايو هذه المؤسسة بانها منظمة تتشكل من أناس سيئين وانها ترتبط بالاخوان المسلمين . وهكذا اصبحت تسمية مثل الاخوان المسلمين مبرراً لاغراض سياسية سواء في الغرب او في الشرق الاوسط شانها شان عبارة العالم الاسلامي .

هكذا اذن فان توصيفات عن العالم الاسلامي تعود جذور تكونها الى القرن التاسع عشر اصبحت تشكل الرؤية الغربية في وقتنا الحاضر .

 

لا تعليقات

اترك رد