الشعر في العصر الاموي وامــارته – ج١

 

العصر الأموى ابتدأ سنة\ 41 هـجرية عندما انتقلت الخلافة الاسلامية من الخلفاء الراشدين وآخرهم الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما والذي حكم مدة ستة اشهر بعد مقتل ابيه علي كرم الله وجهه ثم اعلن تنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان بشروط معينة اولها حقن دماء المسلمين وثانيها ان تؤول الخلافة اليه بعد معاوية او لاخيه الحسين رضي الله عنهما . فاعلن معاوية الخلافة الاموية في الدولة الاسلامية واتخذ مدينة دمشق في الشام عاصمة لها وهي ثالث عاصمة للخلافة الاسلامية بعد المدينة المنورة والكوفة .

و بينت عندما تحدثت عن الشعر العربي في صدر الاسلام انه لحقه وهن و ركود خلال تلك الفترة بسبب انبهار الشعراء في القران الكريم والدين الجديد وانشغالهم به وموقف الاسلام من الشعر في هذا العصر واهتمام المسلمين بالقران الكريم بحيث طغى على كل شيء في حياتهم اليومية .

ازدهر الشعر مجددا في العصر الاموي واتسعت افاقه ومراميه وتحسنت اساليبه ورقت معانيه والفاظه تبعا لحالة العصر الجديد ومظاهره السياسية والدينية والقبلية والثقافية فقد ظهرت في هذا العصر خلافات و احزاب سياسية واخرى قبلية واخري مذهبية أي تعددت السياسات في هذا العصر وتحولت الى صراع عنيف بين بعضها والبعض الاخر حتى وصلت الى حد المقاتلة والتخريب في بعض الاحيان وقد خاض غمار هذه الاحداث الشعراء وتحزب كل شاعر الى فئته او جماعته وهذا امر طبيعي حيث ان الشعراء هم من افراد هذا المجتمع وصفوتهم وهم اصحاب الثقافة والفكر واولي الالباب واؤلي النهى فكان لكل حزب من هذه الاحزاب او جماعة من هذه الجماعات او فئة من هذه الفئات شعراؤه الذين يدافعون عنه وينشرون افكاره ومفاهيمه فقد كا ن الشعراء والادباء عامة يمثلون الصحافة المحلية في عصرنا هذا .

فقد ظهرت الاحزاب الساسية في المجتمع العربي واختلفت وجهات نظر كل حزب عن الاحزاب الاخرى اتجاه سياسة الدولة او الخلافة وكان هناك اربعة احزاب رئيسية :

الاول الحزب الاموي: وهو الحزب الحاكم و المناصر للدولة ومجريات سياستها وهم الخلفاء والمناصرون لهم وحاشيتهم وذوي الجاه والسلطان وما تبعهم من ابناء الشعب او المجتع عامة ولهم شعراؤهم وادباؤهم الذين يعيشون في كنفهم ويغدقون عليهم الاموال واشهرهم الاخطل التغلبي والفرزدق يقول الاخطل مادحا الخليفة عبد الملك :

نفسي فداء امير المؤمنين اذا
ابدى النواجد يوما صارم ذكر
الخائض الغرة الميمون طائره
خليفة الله يستسقى به المطر
من نبعة من قريش يعصبون بها
وما ان يوازي باعلى نبتها الشجر

وهناك الحزب العلوي الذين كانوا يرون ان الامويين اغتصبوا الخلافة الاسلامية ويعتقدون انه يجب ان تكون في البيت العلوي حصرا ومن شعرائهم الكميت الاسدي . يقول في مدح ال البيت و يذ م بني امية في هاشمياته :

فقل لبني امية حيث حلوا
وان خفت المهند والقطيعا
الا اف لدهر كنت فيه
هدانا طائعا لكم مط
اجاع الله من اشبعتموه
واشبع من بجوركم ا جيعا
بمرضي السياسة هاشمي
يكون حيا لاءمته ربيعا

والحزب الزبيري : وهم اصحاب عبد الله بن الزبير واخيه مصعب بن الزبير وهؤلاء نظرتهم ان الخلافة يجب ان تكون في قريش وليست حكرا على العلويين او الامويين و من شعرائهم الشاعر قيس بن عبيد الله الرقيات اذ يقول :

ايا المشتهي فناء قريش
بيد الله عمرها والفناء
لو تقضى وتترك الناس كانوا
غنم الذئب غاب عنه الرعاء
انما مصعب شهاب من الله
تجلت عن وجهه الظلما ء
ملكه ملك قوة ليس له
جبروت ولا به كبرياء
يتقي الله في الامور وقد
افلح من كان همه الاتقاء

اما الحزب الاخر فهم الخوارج وهم الذين خرجوا على علي بن ابي طالب رضي الله عنه اثر قبوله الصلح في معركة ( صفين ) حيث يرون ان الخلافة حق لجميع المسلمين لا فرق بين مسلم واخر امتثالا للاية الكريمة ( ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) بل تكون للاصلح و منهم الشاعر قطري بن الفجاءة والطرماح ومن قول الاخير:

لقد شقيت شقاءا لا انقطاع له
اذ لم افز فوزة تنجي من النا ر
النار لم ينج من روعتها احد
الا المنيب بقلب المخلص الشاري
او الذي سبقت من قبل مولده
له السعادة من خلاقها الباري

ولكل حزب من هذه الاحزاب او لكل جماعة من هذه الجماعات شعراؤهم والناطقون باسمهم وكانت الجماعات الثلاثة المذكورة انفا معارضة لسياسة الدولة الاموية و قد تطورت هذه الخلافات بينهم وبين الدولة الى حد النزاع المسلح والاقتتال .

واذا كان الاسلام قضى على العصبية القبلية وجعل الولاء لله وللرسول فان بعد وفاة الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه بدت بوادر العصبية القبلية تنبت بذورها من جديد . وكانت قد بدت للظهور مجددا في زمن الخلفاء الراشدين وبالأخص في خلافة عثمان وعلي بن ابي طالب رضي الله عنهما حيث تفاقم هذا الخلاف حتى بلغ ذروته اثناء الحكم الاموي اذ تغذت العنصرية القبلية وبدت الخلافات بين القبائل هذه مضرية وهذه يمانية وهذه عدنانية وهذه قحطانية وغيرها من الخلافات القبلية .

وكان للخلفاء الامويين يد في اذكاء هذه الفتن ذلك لغرض ابعاد الناس عن سياسة الدولة وانشغالهم في مثل هذه الامور وليؤمنوا المعارضة او شدتها وليحدوا منها فكان ان اشتد النزاع والصراع القبلي الى درجة خطيرة وكان لكل قبيلة شعراؤها الذين يذودون عنها ويردون على شعراء القبيلة المناهضة لها ويفخرون عليهم . وكان هناك رجعة ثقافية لدراسة تاريخ القبائل الى العصر الجاهلي والبحث عن مفاخر ومثالب كل عشيرة كي يستطيع الشاعر ان يرد على شاعر القبيلة الاخرى بما عنده من مفاخر لقبيلته ومثالب في القبائل الاخرى .

وقد ظهر اثر التعصب القبلي في الشعر كثيرا مما ادى الى ظهور الهجاء بين الشعراء ومنه ظهور شعر النقائض وكذلك ازداد فن الفخر فاخذ الشعراء كلٌ يفخر بقومه وقد ادت هذه الظاهرة الى انشقاق بين القبائل وشرخها او تعميق العلاقات بينها .

وكذلك تأثر الشعر الاموي بالتيارات الثقافية وقد اهتم بعض الشعراء والادباء في الناحية الثقافية والفكرية وكان من اسباب دفع هؤلاء الشعراء الا هتمام بالشعر وبما يحقق ما يصبون اليه وما يحتاجونه من معلومة تفيد هم في شعرهم وحركة النقد والاستشهاد بجيد الشعر وتاثر الشعراء الامويين بالثقافة الجاهلية والاسلامية لذلك جاء اغلب شعرهم سليم العبارة فصيحا سهل الحفظ مختلط المعاني وكثير من استشهد بشعر هذا العصر في اللغة وبلاغتها او نحوها وبيانها واعتمد عليه النقاد والادباء .

والاحوال المعاشية والاجتماعية ورفاهية العيش كان لها تاثيرا عظيما في الشعر الاموي و كذلك ظهور اللهو والترف فنشط الغزل الحضرى في الحجاز وخاصة في المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف وظهر الغزل البدوي( العذري) في نجد والبادية وبين قبائل عذرة وكذلك اتسعت معالم الشعر الخمري ومجالسه والشعر الوصفي نتيجة اختلاط العرب بالامم الاخرى كالفارسية والرومانية والهندية اضافة لما ورثوه من موروث جاهلي.

لم يسر الامويون على السياسة التي انتهجها الاسلام في القران الكريم ( ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) و ما سار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم او الخلفاء الراشدون من بعده في تسيير دفة الحكم وامور الدولة .

فقد انتهجت الدولة الاموية سياسة التعريب وتفضيل العنصر العربي على غيره من اتباع الدولة الاسلامية التي اصبح في داخلها ومن رعاياها الفارسي والرومي والهندي والافريقي والاوربي والتركي ومن كل العناصر الانسانية الاخرى فكانوا يسمون غير العرب ( الموالي ) ويعتمدون العنصر العربي في كل مفاصل الدولة ويفضلونهم على غيرهم من الاقوام أي ان الدولة الاموية دولة قومية عربية فيقدمونهم على الموالي الذين ينظرون اليهم نظرة فيها نوع من ريبة وخشية ومذلة ولا يستخدموهم في شؤون الدولة الا النزر القليل منهم والذي لا يجدون عنه بديلا عربيا . لذا عزف الموالي عن وظائف الدولة وتحولوا للعمل في الحرف و الصناعا ت البسيطة كل بمعرفته لتلك الحرف التي كان يأنف منها العربي او يستهجنها ويعتبر العمل فيها عيبا .

ومن المعلوم انه نبغ في العصر الاموي او قال الشعر فيه عدد من الشعراء كثير . فقد ذكر ان عدد شعراء هذا العصر او من قال الشعر فيه قد تجاوز عددهم مائتي وخمسين شاعرا منهم المخضرمون الذين عاشوا في عصر صدر الاسلام والعصر الاموي وقالوا الشعر في كل منهما . وقد انتقيت في هذا الكتاب كما في العصر الجاهلي والاسلامي كوكبة من الشعراء فترجمت لحياتهم وقد شمل هذا الاختيار كل مناحي الحياة في هذا العصر وكذلك كل الفنون الشعرية وجئت بالافضل والاسمى في الاختيار فيما يخص الاشخاص والقصائد المقالة والاغراض الشعرية وانواعها .

وقد ادى هذا التصرف الخلافي الى ظهور التباغض والتناحر والكراهية بين العرب وبين العناصر الاخرى من المسلمين الاعاجم وخاصة الفرس , وقد ظهر هذا جليا في الشعر اذ ظهر شعراء من الموالي تعصبوا لقومياتهم وافتخروا بها ثم كانوا وبالا على العربية ومستقبلها كالشاعر الفارسي اسماعيل بن سيار الذي راح يفتخر بالفرس ويفضلهم على العرب .

وعلى العموم اتسعت افاق الشعر في كل مدارج الحياة في هذا العصر بعد ركودها في عصر صدر الاسلام الاول ويمكن ان نقول ان الشعر في العصر الاموي كان في بداية ثورته وبداية شدة غليانه .

( يتبـــــع )

لا تعليقات

اترك رد