ابنة الوردفلي


 

أعمل ماسح أحذية، والناس دائما لا يأبه أحد لمن يجلس تحت أقدامهم مثل الجرو، أتشمم روائح كريهة من جواربهم، الكثير منها من لونين مختلفين ومع ذلك مصابة بالبلى،طبعا هذا مقزز،لكنني عقدت العزم أن أضع سترة واقية على أنفي،تقولون هذا يثير الزبائن،نعم حدث في مرات كثيرة تحاشى هؤلاء أن يأتوا إلى طاولتي،تمسكت بهذا القرار،إمعانا في الوجاهة ارتديت زيا أبيض،أنا فنان ماهر،مشكلتي في هذه الأنفة التي ترتسم على وجهي،أعلم أن حكاياتي مملة ،

في القديم كان جدي يمتلك بقرة وثورا،كانت له أرض تروى بالساقية،له حكاية آن لكم أن تسمعوها،ابنة الوردفلي الجملية كانت تحبه،باع البقرة وذبح الثور،فرت الأتان البيضاء،كل هذا حدث لأن جدي أهمل رعاية الماشية،أهل القرية لا تحب نساؤهم من يتعلق بابنة الوردفلي فالغيرة تأكل أكبادهن،كادت النسوة لها؛سرقن منديلها المعطر بأريج الليمون،والمزين بورد انتشى بقطرات الندى بحن بجمالها لساكن البيت ذي الواجهة البيضاء والذى تميزه النافذة الكبيرة ذات الاستدارة الواضحة.

يا لجمال ابنة الوردفلي!
ماتزال الحكاية في بدايتها،أنا لا أتعجل في السرد عندي خزانة تمتليء بالكثير،خرج جدي في الظلام،حين غاب القمر،يقال إنه قد أصيب بالتعب فمنذ بداية الخلق لا يتخلف عن أداء عمله الموكل به.

خدعت ابنة الوردفلي بأوهام صاحب البيت الأبيض الذي باتت هي وجدي أمام بابه،أدخلها إلى البيت؛ محتالا مع شروق الشمس، ومن يومها نسيت جدي،أما هو فقد ظل قبالة البيت الشتاء كله،ولما جاء الربيع،غادر المكان،

ابتلعته المدينة التي تطحن الغرباء،نفدت أمواله،بل يقال إن عتاولة السيدة ضربوه،عمل حمالا،وأحيانا خبازا،وفي الأخير امتهن هذه الحرفة التى توارثها أبي عنه،وها أنا بطبيعة الانتماء لهما أفعل نفس الشيء، الأبناء يحملون تراث الآباء.

مضت علي سنوات لست أذكرها،نقول المرويات :ارتدى جدي الطربوش الأحمر،يوم أن زار القرية للمرة الأخيرة سخروا منه،أنى له أن يضع هذا الطربوش وقد كان قبل يسحب وراءه البقرة والثور ويمتطي الأتان البيضاء؟

أما أبي فقد كان نذير شؤم يوم أن جاء القرية قالوا أتى وجولدا تعبث بسماء المحروسة،أنا بالفعل بحثت عن سيرة ابنة الوردفلي،حملت صندوق الأحذية،ظللت هنا ثلاثين عاما،جوار مجمع التحرير،تلصصت على القادمين إليه،كنت أبيت في مسجد السيد عمرمكرم،كنيسة قصر الدوبارة كثيرا ما أعطتني في ليالي الشتاء شوربة لحم،يعلمون تحفظي،كانوا يوصون بي صاحب المطعم فيرسل إلي السمك المشوي،الثياب كانت دافئة.

ظللت هكذا،حتى كان الطوفان الهادر،من كل مكان جاءوا إلي بملامح تشبه ابنة الوردفلي،نسيت أن أذكر هذا؛استطعت الوصول إلى صورة لها،بل تعرفت على بناتها إنها تقرب لي علي أية حال ؛لذا أوصت بي خيرا.

لكن الفأر الأسود عرف مكاني،طاردني من شارع لآخر،هربت منه إلى باب الحديد، ثم العتبة، وشارع طلعت حرب،الآن اعتكفت في الجزيرة الخضراء،قبالة صيدلية ملاك،ولأنني ماهر،نظفت كل أحذية القادمين،حفيداتها كن رائعات،طلبن أن أقص حكاية جدي، سعيدا بدأت السرد ،غبت يوما ويوما،البغال أتت تقودها الحمير، خسارتي الفادحة صندوق التلميع صار طرائق قددا.

في تلك الليلة كنت واقفا أحرس الميدان،فتاة جميلة أمسكت بيدي،تشبه ابنة الوردفلي،شعرها المرسل،خدها أشبه بتفاحة ،ليتني ظللت طوال الليل أحرس معها.

أنا اليوم تركت تلك المهنة،لا حاجة لأنظف أحذية ممزقة؛القلوب تحتاج طهارة.
الفتاة التي تشبه ابنة الوردفلي دمها غطى أرضية الجزيرة الخضراء وسط الميدان.

لا تعليقات

اترك رد