ثقافة الهواية

 

سبق وحاولت الكتابة عن هذا الموضوع، لكن الواقع الذي نعيشه، مع عدم وجود مناسبة معينة تساعد على طرحه، كانت عائق، قد يجعل من الموضوع سطحية مبتذلة.

انتشرت عدة مقاطع فديو في الايام الماضية تظهر مشاهد تمثيلية يؤيدها احد الهواة يعرف عن نفسه باسم “عبدالحي العراقي” نسبة الى الممثل التركي”كنعان جوبان” في مسلسل وادي الذئاب الذي يؤدي دورا بأسم “عبدالحي”.

عبدالحي العراقي معجب للغاية بالمسلسل المذكور وبالتحديد شخصية الممثل “كنعان جوبان” حيث يعتقد هناك شبه كبير بينه وبين الممثل، وهذا ما شكل له دافع لتمثيل مشاهد من المسلسل.

ممارسة عبد الحي هواية التمثيل بالرغم من قلة الامكانات، وضعف الانتاج والمهارات، قد جعل منه مادة ساخرة لصفحات مواقع التواصل الاجتماعي بين متهم اياه بالجنون والاخر الساذجة .

على الرغم من كون المذكور رسام ماهر نشر له العديد من اللوحات الفنية البديعة، لانريد انتقاد موقف المجتمع من ممارسة عبد الحي هواية التمثيل، بقدر ما نريد انتقاد موقف المجتمع من فلسفة وثقافة الهواية عامة.

الهواية: هي نشاط منتظم أو اهتمام يمارس في الغالب خلال أوقات الفراغ بقصد المتعة أو الراحة، وهي تشمل هوايات الجمع و الفنون حيث تؤدي إلى اكتساب المهارات والمعرفة، ولا يقصد بها تحقيق الأجر و إنما المتعة والاستفادة وتقسم انواعها الى ثلاث:

هواية فكرية ذهنية: مثل كتابة القصة والشعر والمقال، او تعلم اللغات والحاسوب وتبادل الافكار.

هوايات فنية مهنية: كالتمثيل المسرحي والتصوير والموسيقى والغناء والرسم، وأشغال الإبرة والتطريز، والتصوير.

هوايات حسية حركية: مثل الرياضة البدنية بأنواعها المختلفة، فضلاً عن أنواع الرياضات التأملية والذهنية ومراقبة النجوم، وإجراء التجارب الفيزيائية والكيميائية.

قبل ان ننتقل الى فوائد الهواية واهميتها للانسان، اود ان نستعرض بعض الهوايات التي كان يمارسها شخصيات مشهورة قد يستغرب عند سماعها اولئك الذين سخروا من عبد الحي لممارسته هواية التمثيل.

حيث يقال بان اينشتاين كان يعزف على آلة الكمان الموسيقية عزفاً رديئاً يستمتع به للغاية على رغم نشازه.

وان رئيس الوزراء البريطاني “ونستون تشرشل” يرتدي في عطلة نهاية الأسبوع لباس العمال الأزرق ويطلق عليه بالعامية اسم “العفريتة” ويبني بيديه سوراً من الطوب حول بيته الكبير في الريف الإنكليزي، ثم يزينه بالرسم عليه بالألوان المائية.

وقالوا ايضا بان الجنرال الديكتاتور الإسباني “فرانكو” كان يتشاغل عن همومه ومسؤولياته بالرسم من دون أن يمتلك موهبة فنية حقيقية تعينه على الرسم الإبداعي.

وغيرهم الكثير وحتى شخصيات غير مشهورة تمارس هوايتها وتستمع بذلك الى حد كبير، بالرغم من غرابة البعض وضعف امكانيات ومهارات الاخر، فالهواية لاتعني المهارة المطلقة او الحرفية.

للاسف ان الاستخفاف الحاصل من المجتمع اتجاة ثقافة الهواية، كالسخرية من هواية عبدالحي او غيره من الهواة، سبب كبير في عقم مجتمعاتنا من ولادة الابداع والابتكار، وسبب في حجم الفراغ الفكري والضعف العلمي والنفسي لدى شبابنا اليوم.

فالهواية ليست اثارة متعة وتسلية فقط، انما هدف ودافع، وتكريم وبناء للذات وباب للمعرفة والتعلم، والدراسات والابحاث تؤكد ذلك، والدول المحترمة تعمل به، فهناك من الدول تقوم بربط العلم بالهواية منذ الصغر في المدارس، حتى يكونوا مبدعين وتكون نتائج دراستهم عملية ابداعية.

في حين اصبحنا في مجتمع من التخلف يواجة ابسط هواية واكثرها بساطة يمارسها الفرد بالسخرية والاستخفاف، الامر الذي ادى الى ضعف الواقع الفكري والنفسي والمعرفي الذي نعيشه.

ولهذا وجب ان نشجع ونعمل على تنمية ثقافة الهواية لجميع فئات المجتمع، فالهواية لاتعرف عمر محدد، فوائدها لاتعرف الانتهاء، انها خليط من تقدير الذات واشباع حاجتها، والاتجاة بها نحو الكمالية والرقي، فضلا عن المنافع المادية التي يمكن ان تأتي من خلالها.

لا تعليقات

اترك رد