ثقافة الطفل .. كرة لا يدرك أي من لاعبيها أنها في ملعبه !

 
الصدى - ثقافة الطفل

ثقافة الطفل ليست مصطلحا ً للتنظير أو مجالا ً للبحوث الدراسية لنيل الشهادات العليا ، إنها من الخطورة بمكان حيث تعتبرها المجتمعات المتقدمة الخطوة الأولى والأساس لديمومتها ونجاحها . ففترة الطفولة هي الموسم المناسب لغرس بذرة الوعي والثقافة في الأنسان للحصول على ثمار مضمونة الفائدة في المستقبل ، ،ولكن وللأسف لا تعي المجتمعات المتأخرة إن إهمالها وتهميشها لهذه الشريحة المهمة من مكوناتها هو السبب الحقيقي في تقويض بنائها ، فتنشئة الطفل وتربيته وتثقيفه ليس أمرا ً مقتصرا ً على المجتمعات المترفة ، بل هو أول جرعة من جرعات العلاج ، والمجتمع الفقير هو أحوج ما يكون اليه بإعتباره مكانا ً مؤهلا ً للأمراض المجتمعية الفتاكة ، وما نراه اليوم في مجتمعنا العراقي من تراجع ثقافي ملحوظ وتفشي مريع للظواهر السلبية بين أفراده متمثلة بالسلوكيات الخاطئة أو الألفاظ النابية إنما هو ثمرة إغفال اللبنة الأولى في بناء هذا المجتمع وهي الطفل ، فالطفل العراقي عانى من عدم إحترام براءته فقد أدت الظروف العصيبة التي مر ويمر بها العراق والتي انعكست سلبا ً على الأسرة الى أن يعامل الطفل على إنه رجل صغير يحمل مع العائلة جانبا ً من همومها فيهجر عالمه قسرا ً وقد يترك المدرسة ويخرج الى الشارع ويعمل ويشقى وتصبح النقود وكيفية الحصول عليها أهم ما يشغل عقله الصغير وتغتصب أبسط حقوقه في أن يكون له عالما ً مختلفا ً صالحا ً للنمو السوي عقليا ً وثقافيا ً ، لذا فإن أي محاولة لإصلاح المجتمع وإعادة تأهيله لن تنجح ما لم تأخذ في الحسبان أهمية دورثقافة الطفل وضرورة النهوض بها وأعطائها حقها من الأهتمام والرعاية من مصادرها المتمثلة بالأسرة والمدرسة والوسائل الإعلامية والمؤسسات الثقافية ، وبما ان معرفة الداء نصف الدواء فقد كان الوقوف على الأسباب التي أعاقت هذه المصادر عن تأدية دورها ضروريا ً ، كانت أولى وقفاتنا

مع السيدة إيمان عبد الواحد ، ربة بيت ، جامعية وأم لثلاثة أطفال أصغرهم في الصف الثالث الإبتدائي قالت : عندما كنت صغيرة كانت في بيتنا مكتبة وكنت أرى والدي يقرأ كثيرا ً رغم انه رجل مسن فشدني ذلك الى حب القراءة والإطلاع كما إن الكتب المخصصة للأطفال مثل مجلتي والمزمار والقصص كانت متوفرة في المكتبات ولم تكن وسائل التكنلوجيا قد انتشرت بعد فكنا نجد في القراءة متعة وتسلية وفائدة أما اليوم فأنا أعاني مع أطفالي فالأنترنيت بتأثيره وجذبه أخذ حيزا ً واسعا ً من وقتهم فلا أكاد أجد الوقت الكافي لمتابعة دراستهم خوفا ً على مستقبلهم لذلك فأنا أرى أن على المدرسة الإهتمام أكثر بهذا الشأن لان الطالب يتأثر بالمعلم ويلتزم توجيهاته فغياب المرسم والمكتبة المدرسية وقاعة العرض والتي كانت متوفرة على أيامنا جعلت الطالب لا يعرف سوى الكتاب المدرسي .

أما السيد أحمد سرحان ، موظف وأب لخمس بنات كبراهن في الثالث المتوسط فقد أشار الى ان على وسائل الإعلام الإهتمام بالبرامج التثقيفية الموجهة للطفل فالمواطن العراقي وفي ظل هذه الظروف الأمنية المتردية أصبح ملازما ً لبيته خشية على عائلته لذلك فإن مسؤولية ثقافة الطفل تقع على عاتق الدولة .

الدكتورة ناهدة مجيد ، أستاذة جامعية قالت أن ثقافة الطفل هو تظافر لجهود الأسرة والمدرسة والمؤسسة وأن أي تقصير أو إخلال ومن أي طرف من هذه الأطراف في واجبه سيعرقل تحقيق هذا الهدف فالطفل الذي فتح عينيه على رؤية والده يقرأ كتابا ً وأمه تتصفح مجلة يصبح مشهد القراءة مشهدا ً مألوفاً لديه كما أن على وزارة الثقافة تفعيل دور دار ثقافة الأطفال في تبني مهمة تنشئة الطفل وتهذيب ذائقته وتعليمه على تذوق مفردات الجمال في الحياة رغم أنف الواقع المرير لأن الطفل هو المستقبل فمن خلال الأنشطة والبرامج الترفيهية والمسرحيات والأدب المقروء والمسموع والمرئي كل ذلك بامكانه أن ينمي ثقافة الطفل ويثير لديه الأسئلة وعدم الإعتماد على الأجوبة الجاهزة .كما أن على المدرسة الأهتمام بالثقافة الى جانب التعليم من خلال دروس النشيد والموسيقى والرسم واللغة العربية كذلك الأنشطة الترفيهية التربوية كالسفرات العلمية والندوات الثقافية المناسبة لأعمارهم والأهتمام بالمواهب وتسليط الضوء عليها وتوجيهها .

ثم إنتقلنا الى مصدر آخر لا تقل أهمية دوره في تنمية ثقافة الطفل عن دور الأسرة وهو المدارس وقبلها رياض الأطفال وكانت أول وقفاتنا مع الست ساجدة معلمة في روضة أطفال حكومية حيث تحدثت عن مشكلة التسجيل المفتوح بتوجيه من مديرية التربية نتيجة للظروف التي تمر بها البلاد ونزوح عوائل جديدة مما أدى الى زيادة عدد الأطفال في الصف الواحد مما أثر سلبا ً على نوعية الرعاية التربوية والتعليمية المقدمة للطفل كما أكدت على غياب الدعم المادي للروضة فالطفل في هذا العمر بحاجة الى ألعاب وألوان ومجسمات و وسائل إيضاح وشاشات للعرض تساعد على شد انتباهه وتحفيز حواسه للإستجابة والتفاعل مع المعلومة المقدمة له كما إن طرائق تربية الطفل تشهد تطورا كبيرا من المفترض مواكبته بالدورات التطويرية للمربيين أسوة بالبلدان الأخرى ألا إننا نعاني من عدم الإهتمام وعدم إدراك الدور الفعلي المهم لرياض الأطفال من قبل الوزارة والدولة ، كما أضافت إننا نحاول قدر الإمكان ورغم فقر إمكانياتنا أن نقدم ما نستطيع بحكم خبرتنا ولكي نؤدي دورنا ولكن تبقى النتائج أقل من المطلوب ما لم يقم كل مسؤول بدوره .
وفي إحدى المدارس الإبتدائية إلتقينا الست هدى ، معلمة اللغة العربية للصف السادس حيث أشارت الى أن من أهم معوقات قيام المدرسة بدورها التثقيفي هو الظروف الأمنية المتراجعة والتي أدت الى قصور دور المدرسة على الجزء التعليمي فقط بسبب قلة أو انعدام السفرات المدرسية العلمية الى المكتبات والمتاحف ودور السينما والتي كانت سابقا من أهم روافد ثقافة الطالب .

أما الست عبير الجبوري معلمة مادة الإجتماعيات في نفس المدرسة فقد رأت أن الطالب العراقي مثقف لكن ثقافته غير موجهة بسبب إنشغال والديه بإمور الحياة المعقدة ، كما أكدت أن مفردات الثقافة تغيرت بفعل التطور ودخول التكنلوجيا في معظم مفاصل الحياة ، لذا فإن ما يحتاجه الطالب هو التوجيه والتوعية سواء في البيت أو المدرسة .

كما شاركنا برأيه من دار ثقافة الأطفال الفنان الرسام ضياء الحجار رئيس الرسامين ثم المشرف الفني الأول للدار سابقا ، ورئيس الرسامين حاليا ً حيث أوضح قائلا ً : من خلال تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود من العمل في دار ثقافة الأطفال في العراق ومن خلال العديد من البحوث التي أجريتها حول هذا الموضوع أنتهيت الى أن العمر الحقيقي الفعلي المؤثر لدار ثقافة الأطفال هي السنوات العشر الأولى من عمرها والتي تغطي تحديدا ً فترة السبعينات كلها وبداية الثمانينات أما السنوات التي تلت والى اليوم فأن عمل الدار كمؤسسة خال من أي تأثير على حياة الطفل ، أما عن أسباب تراجع الدار وانعدام تأثيرها الإجتماعي فهي كثيرة جدا يأتي على رأسها عدم اهتمام قيادات البلد بالطفولة عموما ً وبالتالي تجاهل مؤسساتها ومنها دار ثقافة الأطفال ويترجم ذلك بضعف التخصيصات المالية وانعدام الدعم ، كما إن غياب القيادات المتخصصة أو ممن يتحلون بمؤهلات ثقافية واندفاع للتطوير وهذا ساهم في انعدام وضوح الرؤية لأهمية وخطورة دور المؤسسة التي يقودونها معتبرين دورها هامشيا ً ومحصورا ً في الترفيه عن الأطفال وهذا ما هو عليه واقع الدار اليوم إذ تكاد تقتصر أنشطتها على إقامة حفلات صغيرة يحضرها بضعة عشرات من أطفال الروضات و المدارس المجاورة لبناية الدار ، وطبع بضعة الاف من مجلتي ( مجلتي ) و (المزمار ) شهريا ً لا تكاد نسخها تغطي حاجة محلة من محلات بغداد ، فأين هذا مما كان عليه الوضع في السبعينات وحيث كان تعداد نفوس العراق عشرة ملايين نسمة خمسة ملايين منها أطفالا ً إذ وصل ما تطبعه الدار من المجلتين ربع مليون نسخة أسبوعيا ً فلو إفترضنا أن النسخة الواحدة يقرأها خمسة أطفال فذلك يعني بأن رسالة الدار التربوية والتثقيفية كانت تصل لكل أطفال البلد ، فأين منها السبعة آلاف نسخة شهريا ً اليوم وتعداد أطفال العراق 16 مليون طفل !

نقاط كثيرة وآراء عديدة إختلفت نوعا ما في تحديد الأسباب الجوهرية للظاهرة ولكنها إتفقت على وجودها وحجم خطورتها في تهديد مستقبل المجتمع ، لذلك لم نغفل عن أهمية مشاركة مفصل مهم وأساسي في هذه القضية وهو وزارة الثقافة والتي لن تتحقق أهدافها ما لم تضع الطفل وثقافته خطوة أساسية لن يكتمل دونها أي مشوار إصلاحي ولن يتحقق بإهمالها أي هدف نحو مستقبل أفضل ، القاضي مهند الدليمي ، وكيل وزارة الثقافة العراقية شاركنا برأيه في الموضوع قائلا ً : يرتبط هذا التراجع ـ إن وجد ـ بجملة ظروف جوهرية ليس أقلها الظرف الأمني الصعب ولا آخرها ما تعانيه ثقافة الطفل من مستلزمات ضرورية لتسيير أعمالها وبرامجها وخططها ، إن موضوعا ً كهذا يستلزم أن تكون ثقافة الطفل على تماس مع تقانات حديثة ، مطبعة ورؤية . فالأولى مهمة في وضع مطبوع الطفل في واجهة مقبولة ، والثانية مهمة في استنهاض قيم ثقافية تؤسس لمنظومة ثقافية تعني بشأن أدب الطفل ، ونعتقد أن دار ثقافة الطفل عبر تاريخها أسست الى مثل هذا لكنها تحتاج الى دعم إضافي على المستويات كلها .
وككلمة أخيرة يؤسفنا أن نعترف أن ثقافة الطفل العراقي تتراجع وتنضب بشكل كبير وإن روافد هذه الثقافة ومصادرها شحيحة في عطائها كما أن تراجع الوعي الإجتماعي وضبابية رؤيته لهذه الصورة المؤلمة وعدم تقديره لخطورة هذه القضية سيجعل من ثقافة الطفل مشكلة عصية على الحل فلابد من تضافر الجهود وتوجيهها توجيها مدروسا ً بشكل علمي وموضوعي يأخذ بالنظر كل الإعتبارات والظروف لإيقاف هذا التراجع ثم التفكير بتحويله الى تقدم فالطفل هو الثروة الحقيقية للمجتمع وإن تبديدها وإهمالها يؤدي حتما ً الى إفلاسه .

لا تعليقات

اترك رد