الممثلة و المخرجة السينمائية السورية واحة الراهب


 

الممثلة و المخرجة السينمائية السورية واحة الراهب تحكي عن هموم الوطن والمرأة
أجد في الاخراج البوتقة التي تحتضن كل هواياتي الفنية كالكتابة والموسيقى والتمثيل و أعتبر الفن سوسة و داء من الصعب الافلات منه .

تعتبر واحة الراهب من بين رائدات السينما العربية ، فنانة متعددة المواهب ، ولدت بالقاهرة بمصر و عاشت في العديد من المناطق الدولية تبعا لعمل والدها في السلك ألدبلوماسي درست في أكاديمية الفنون الجميلة بدمشق وبعدها انتقلت الى باريس العاصمة الفرنسية لدراسة السينما، عملت واحة أيضا كممثلة في الدراما التلفزيونية السورية التي حققت نجاحات في كل الدول العربية ، كمسلسل “جواهر” وهو عمل مشترك مع دولة الامارات العربية ،و”حمام شامي” ، “بركان” .كما عملت أيضا تحت ادارة المخرج السوري محمد ملص في فيلمه “أحلام المدينة” ، كونها فنانة تشكيلية تشبعت بالفن بصفة عامة في المحيط العائلي الذي تربت فيه و عليه فقد ترجمت موهبتها في ديكورات أعمالها . تحمل واحة الراهب عشقا عميقا لبلدها و موطنها الاصلي وتكن اعتزازا خاصا لهويتها السورية.
من بين هواجس المخرجة، قضايا المرأة التي لا تكف عن النضال من أجل الرفع من معنوياتها، و نزع حقوقها المهضومة ، ليس فقط في بلدها سورية بل في كافة المجتمعات العربية التي مازالت تعيش في ظل الافكار البطرريقية المتعنة و تعاني من المواقف سلبية الصادرة عن بعض العقليات المتحجرة و المتخلفة التي لا تقبل بالمساواة بين الذكور و الانات.
من بين أعمالها كمخرجة سينمائية فيلم “رؤى حالمة ” و “هوى” . للتعرف عليها أكثر أجرينا معها هذا الحوار مشكورة :

للمرأة المبدعة بصمتها الخاصة واهتمامها بالتفاصيل والمنمنمات و المشاعر الانسانية المرتبطة بعالمها الداخلي الوجداني العميق .

اهلا بك واحة ضيفة على موقع الصدى؟ في البداية هل لنا أن نعرف كيف أصابك فيروس الفن كممثلة وكمخرجة؟
– الفن فعلاً كالداء الجميل المستحكم والمستعصي بالفنان لا يستطيع الفكاك منه، وحدثت إصابتي الأولى به منذ اكتشفني المخرج وليد قوتلي وأعطاني فوراً بطولة مسرحيته (لكع بن لكع) للكاتب الفلسطيني إميل حبيبيي ونجحت بشكل كبير ورغم ذلك كنت مصرة أن تجربتي هذه ستبقى كهواية وستكون الأولى والأخيرة وكان المخرج وليد يتحداني بأنني سأكررها لأن الفن سوسة أو داء –كما كان يقول -لن أتمكن من الإفلات منه، وكان محقاً فنجاح المسرحية ودوري وتشجيع الصحافة لي جعلني مصابة أبدية بدائه.

تعملين على أكثر من واجهة، فأي من الاماكن تشدك أكثر، أمام أو خلف الكاميرا؟
– لكل واجهة متعتها وصعوباتها، لكنني مازلت أستمتع بالتمثيل أمام الكاميرا ودراسة الشخصية وتقمصها وتجسيد معاناتها وأحلامها وصيرورتها أكثر من الوقوف خلف الكاميرا وحمل كل أعباء العمل على كاهلي، رغم أنني أجد في الإخراج البوتقة التي تحتضن كل هواياتي الأخرى الفنية كالكتابة والموسيقى وإدارة الممثل كوني ممثلة، والرسم الذي درسته قبل الإخراج السينمائي أحققه من خلال كوادري الإخراجية، كما وأجد مكاناً للتعبير عن نفسي وأفكاري ومشروعي أكثر خلف الكاميرا كمخرجة وككاتبة سيناريو، والآن ككاتبة روائية استطعت من خلال روايتي الأولى(مذكرات روح منحوسة)أن أعبر عن كل ذلك بهامش أكبر من الإخراج والسيناريو، وإن كانت لا تصل للجمهور الواسع الذي يصله العمل الفني.

 تعتبرين من اوائل السوريات اللائي خضن تجربة الاخراج السينمائي واستطعت أن تجدي لك مكانا متميزا بين زملائك الرجال، فهل تعرضت لمشاكل عند مزاولة عملك كمخرجة تسير طاقما غالبا ما يتكون من الذكور؟
– بالتأكيد .. فقد تعرض فيلمي الروائي السينمائي الأول الطويل (رؤى حالمة) إلى إضاعة سبع سنوات مع الرقابة التابعة للمؤسسة العامة للسينما بسورية في تعديلات تعجيزية كانت تتزايد بدل أن تنقص بشكل مقصود لم يكن ليحدث مع مخرج رجل كما سبق أن أخبرني أحد الزملاء، ورغم أن تقريرهم الأول أشاد بتميز السيناريو وببصمته الأنثوية الخاصة لكوني أنا ألفته بنفسي، ويبدو من غير المسموح للمرأة أن تقول أو تعبر عن الشيء نفسه الذي سبق للرجال قوله، وكذلك أن تتعدى أو تنافس على مهنة قيادية بقيت حكراً على الرجال لأجيال، وكنت المخرجة الوحيدة في مؤسسة السينما آنذاك التي كتبت وأخرجت فيلما روائياً طويلاً، مما اضطرني لإعلان الحرب الصحفية وفضح رقابة المؤسسة وبعض الزملاء المدعين، إلى أن تمكنت من تحقيقه بعد عشر سنوات.

يبدو أن الهم الكبير الذي يؤرقك كإنسانة وكفنانة هو الوضع الذي تعيشه سوريا ودماء الابرياء التي تهدر يوميا، فما هي الوسيلة الناجعة التي يمكن أن توظفيها للإعلان عن مواقفك والتنديد بالمؤامرة التي تعاني منها الشام الرائعة؟
– لقد كتبت سيناريو لفيلم روائي طويل بعنوان (مملكة الخوف) يعبر عن المأساة السورية، وسيناريوهين قصيرين وكذلك روايتي التي ذكرتها لك (مذكرات روح منحوسة) تحكي قصتنا السورية، ولكن بالنسبة للفن لا أحد يريد أن تطرح الحقائق ولا أن يتبنوا أو يدعموا القضية السورية، أحاول أن أوصل رأيي وقضية بلدي بكل الوسائل المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي والفني بالقدر الممكن، فالفن رسالة والفنان جزء من الشعب وهو لسان حاله المعبر عن همومه ومعاناته وأحلامه وطموحاته ولا يجوز له أن يكون مهرج السلاطين أو مرتزق على حساب قضايا وطنه ودماء شعبه.

لسينما المرأة نكهة خاصة تحمل في طياتها الكثير من الاحاسيس والبصمات لا يمكن أن يعبر عنها بصدق إلا هي، فما هو رأيك؟
– هذا ما قيل لي عن سيناريو فيلمي الأول والثاني، وأظن أن للمرأة المبدعة بصمتها الخاصة واهتمامها بالتفاصيل والمنمنمات والمشاعر الإنسانية المرتبطة بقوة عالمها الداخلي الوجداني العميق والنفسي المرتبط بتكوينها وتنشئتها وتربيتها، وغالباً هي الأقدر على التعبير عن قضاياها ومعاناة المرأة أكثر بحسب المثل القائل: ( يلي بياكل العصي مو متل يلي بيعدهم)، رغم أنني لا أؤمن بفصل الإبداع بحسب جنس المبدع وهناك الكثير من المبدعين الرجال المؤمنين بحرية المرأة وعدالة قضيتها قد عبر بصدق عن قضاياها تلك، لكني لا أجد خطأً في تخصيص سينما للمرأة ومهرجانات تحاول إيصال صوتها وإبداعها المغمورين والمحاربين من قبل العقلية الذكورية التي مازالت تسيطر على ثقافة وعلاقات ونمط حياة أغلب المجتمعات العربية وحتى العالمية بدرجة أقل بالطبع.

كمقيمة خارج البلد سوريا هل تشعرين بالراحة في عملك وهل تمتلكين القوة لإعلاء صوتك وايصاله للرأي العام العالمي؟
– وهل من راحة لمغترب أو مهجر عن بلده قسراً وهو شاهد على الويلات غير المسبوقة التي يعيشها من في الداخل ومن في الخارج من تهجير وقتل وجوع وحرمان؟! ومن الدمار والتفتيت والتقسيم الذي صار الطابع الطاغي على المشهد السوري والعالم أخرس يتفرج على نهايتنا وعلى موت الضمير الإنساني ؟!! كلنا في الهم سواسية ولكن بالتأكيد لدي هامش أكبر لقول الحقيقة وفضح الجريمة مما لدى من هم في الداخل الذين يعيشون مباشرة تحت وطأتها، وبالتأكيد لدي القوة لإعلاء صوت الحقيقة وأحاول بشتى الوسائل التعبير عنها بكتاباتي ولكن دوري الأكبر يكون بنشرها عبر اختصاصي الفني، وللأسف هناك تقصد عربي وعالمي برفض تبني مشاريع كهذه والتعتيم فنياً عن كل ما يتعلق بحقيقة القضية السورية إلا بما هو سطحي.

تعملين ايضا كفنانة تشكيلية بمعنى أنك متعددة المواهب، فهل هذا لا يشكل لك أي مضايقات كأم تحمل على عاتقها تربية الابناء وبيت له ما له من مسؤوليات وزوج له عليك حقوق؟ (نتكلم هنا بلغة عقلية الانسان العربي بشكل عام)؟
– بالنسبة للفن التشكيلي كما قلت لك استبدلته بكوادري الإخراجية التي تشكل لوحات متصلة ومنفصلة .. ناطقة ومتحركة ولها إيقاعها الموسيقي وتصل إلى أكبر عدد من الناس، وإن كنت أرسم من حين إلى آخر بعض اللوحات، أما مسؤولياتي العائلية فأنا متزوجة من المخرج مأمون البني وهو متفهم لظروف عملنا المشترك المتشابه، حين يكون لدى أحدنا عمل يعوض الآخر عن الغياب، وبالنسبة لابنتي الحبيبة والوحيدة ألما فقد أخرت إنجابها إلى اللحظة التي تأكدت فيها أني سأتفرغ لها، وأن لا شيء ولا حتى الفن الذي أعشقه أهم عندي منها ومن أمومتي، وبالفعل أعطيتها كل وقتي إلى أن كبرت الآن، وذلك ليس لأن المجتمع والعقلية العربية تتطلب ذلك بل لأني أنا مقتنعة ومؤمنة وسعيدة بعطاء كل وقتي وحياتي لتنشئة ابنتي بأفضل شكل والتمتع بهذه المهمة دون فضل مني أو ندم أو شعور بالغبن، وهي للآن اعتبرها أهم مشروع أنجزته في حياتي وأهم هدف أعيش لأجله.

بالتأكيد أن النساء قادمات وبقوة لخوض تجربة الاخراج السينمائي الذي كان ولسنوات قريبة حكرا على الرجال، فهل تعتقدين بان هذا قد يساهم في تحرير المرأة التي ما زالت تعاني من التهميش في العديد من الدول العربية والدفع بها الى الامام؟
– لاشك أنه يساهم ويفتح الباب أمام كسر احتكار الرجال لتلك المهن التي تتطلب القيادة والحزم، كما يساهم –خاصة إذا كانت المخرجة كاتبة سيناريو العمل أيضاً وصاحبة قضية ومبدأ- بتوصيل أفكارها والتعبير عن قضاياها ومعاناتها الحقيقية بمصداقية أكبر تساهم بإعادة تشكيل الوعي وتغير الذهنية المتخلفة والعادات والتقاليد البائدة وبتفكيك العقلية الذكورية التي تنخر بمجتمعاتنا وتفتتها، لكنه لا يحرر وحده المجتمع والمرأة دون ثورة في تغير المفاهيم والذهنية والثقافة السائدة، التي تكون أحياناً أقوى من تأثير القوانين والدين أيضاً التي كثيراً ما تلبسه لبوسها زوراً وبهتاناً، بالإضافة طبعاً إلى تغير قوانين الأحوال الشخصية الجائرة بحق المرأة والتي تعيقها عن الارتقاء نحو مكانتها الحقيقية.

ماذا عن الانتاج باعتباره من المشاكل التي يعاني منها أغلب السينمائيين؟
– الإنتاج هو المشكلة الكبرى التي يعاني منها كل السينمائيين فما بالنا إن كانت امرأة صاحبة مشروع سينمائي!! فبالإضافة إلى تجربتي الشخصية المريرة في هذا المجال لمست تجارب مشابهة عند الكثير من المخرجات العربيات إلا إن كانت هي منتجة لعملها، رغم أنها في أغلب تلك التجارب أثبتت تميزها وبصمتها الخاصة الناجحة والمتفردة، وهو ما يتطلب بذل الجهد وتوحيد القوى للبحث عن حلول توصل إبداعات المرأة وصوتها إلى العالم وكسر طغيان واحتكار الرجال لتلك الساحة، وخلق فرص للجميع نساءً ورجالاً لتحقيق مشاريعهم السينمائية اعتماداً على التميز والإبداع أولاً وليس على جنس المبدع، وذلك بخلق صناديق دعم وطنية تتحاشى أي تمييز ضد المرأة المبدعة، لأن للسينما وللمرأة الدور الأكبر في تغيير الذهنية المتخلفة ونسف العقلية الذكورية المسيطرة، لكون المرأة هي أكثر المتضررين من وجودهما وصاحبة المصلحة الأكبر في نشر وتحقيق الأفكار الحرة والديمقراطية، والسينما هي الوسيلة الأنجح في الوصول ليس فقط إلى الوطن العربي كله بل إلى العالم أيضاً، وهي التي تشكل ذاكرة الأوطان وهوية الشعوب وتعكس ثقافته وحضارته.

لا تعليقات

اترك رد