يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية – الحلقة الرابعة

 
الصدى - يوميات مخرج

(( بين سرقة حذاء المخرج … وسيارته الضفدعة كان الخوف ))

عندما انتهت المسرحية ( الغريب ) كانت الطامة الكبرى حين وقف الرفاق البعثيين بباب المسرح ينتظروني وحالما خرجت سالني احدهم ( كيف تجرأ على الاستهزاء بافكار السيد الرئيس …. من سمح لك بذلك ) , تجمّد الدم في عروقي وعرفت بانني ذاهب الى الجحيم لا محالة . حينها فقط ادركت حجم المصيبة التي انا فيها وان الامر لن ينتهي بسهولة , نشوة النجاح ما لبثت ان تلاشت من اعماق روحي وسكن بدلا عنها خوف شديد وهلع وقلق وتعقدت الامور بسرعة رغم تدخل ادارة المستشفى وفريق من اللجنة الدولية للصليب الاحمر وقد كانوا في حينها يدعمون المستشفى بصورة عامة وبرنامج العلاج التاهيلي بصورة خاصة وكان من ضمنهم المترجم العراقي ( ….. ) وهو ضابط في الاستخبارات العراقية انذاك وطلب من هذا الرفيق الحزبي ( ث ) أن يترك الامر كما هو والا يعقد الامور اكثر وبان ما حدث مجرد كلام مريض عقلي لا يعتدّ به . كانت مسرحية ( الغريب ) هي اخر رصاصة في نعش النظام المتسلط وربما هي اخر مسرحية تقدم في العراق , كان دور الغريب يمثل الانسان العراقي المغلوب على امر والمحطّم والغريب في بلاده وفي بلدان العالم الاخرى , فلقد هرب الكثير من العراقيين من ظلم وسطوة النظام انذاك وانتشروا في اصقاع الارض وفي ابعد الدول لئلا يرسل لهم من يغتالونهم هناك ,

اغلب المثقفين واصحاب الشهادة العليا وكثير من المواطنين هربوا ولم يفكروا في العودة للوطن الجريح , وكان دور الام والاب يمثل حالة التفكك الاسري الذي استشرى في العوائل العراقية نتيجة الفقر والمرض والحصار القاتل , وكان دور الثمل يمثل الانسان العراقي الذي رفض كل شيء وهرب من واقعه المتأزم الى عالم الكحول والتسكع على الارصفة كي يبعد انظار ازلام النظام عنه , كان دور الشرطي يمثل سلطة النظام وبطشه ضد المواطنين وكان متواجدا في كل مكان وفي كل زمان يراقب كل حركة ويسمع كل همسة . كانت الحوارات تمثل ما يدور ويحدث في الشارع العراقي هناك استخدمت طريقة النقد اللاذعة ممزوجة بالسخرية من هذا النظام المتهرىء والذي اصبح يحتضر , ربما لم ينظر الجمهور الى ماكنت اريد قوله في هذه المسرحية وكذلك الرفاق البعثيين لم يفطنوا الى هذه السخرية والنقد لما يحدث على ارض الواقع , لكنهم فطنوا فقط الى كلمة ( تباً للمستحيل … عاشت التكعيبية ) لانها تمسّ قدسية القائد الضرورة فلقد انتشرت في تلك الايام حِكَمْ واقول لهذا الرئيس كانت مدعاة لسخرية الشعب منه ومن افكاره ومن ضمن هذه الِحَم ( تباً للمستحيل …. عاش المجاهدون ) . تناسوا الرفاق البعثيين الامر في المستشفى ولكن في مدينتي كان الامر مختافا جدا ومرعبا كثيرا , فلقد تمّ استدعائي الى الفرقة الحزبية في مدينتي وتمّ استجوابي من قبل المسؤولين فيها ولكوني من الاشخاص الذين عليهم خط احمر بسبب اعدام ابن خالي من قبل النظام تمّ اخذ تعهد خطي منّي والحضور الى الفرقة الحزبية في أي وقت يتطلب الامر حضوري امامهم وعدم تكرار ذلك والا سيكون الامر غير ذلك .

الصدى  يوميات مخرج حلقة رابعةفعلا تمّ وضعي تحت المراقبة السريّة من قبل نفس الرفيق الذي اعترض على مقولة الممثل المريض الثمل وكان يتابعني خطوة بخطوة ويكون متابعا لكل شي افعله , كنت حذرا جدا وخطواتي احسبها قبل ان اخطو . كان الوضع في العراق حرج جدا وقوات التحالف مستعدة ومهيأة لغزو العراق بينما الجيش العراقي يعيش حالة من الانكسار بسبب كثرة الحروب التي اقحمه فيها النظام وتذمر المواطنين اصبح علنياً , هذا الوضع الذي كان يمرّ به العراق ربما أخّر في عملية اعتقالي وقلل ايضا من حالة المراقبة عليّ فاغلب الرفاق البعثيين ارتدوا الزيّ العسكري وحفروا الخنادق الترابية في الشوارع والمدن وبدات العوائل العراقية ( البغدادية ) تترك مدينة بغداد على مضض وتلتجىء الى المحافظات الاخرى البعيدة لان النظام جعل منها خندقا كبيرا وتجمعت فيها قوات الحرس الجمهوري وبدات ملامح المعركة تلوح في الافق وهذا النظام ما زال يصرّ على دخول المعركة مع قوات التحالف ويراهن على المبادىء والقيم التي اطلقها حين ذاك وكان يعتقد بانه سيكسب المعركة .

بدات المعركة بضربات موجعة جدا لهذا النظام وتعطّلت الحياة وشلّت الحركة بصورة واضحة في مدينة بغداد وهرب الناس منها , تعطلت الخدمات وانقطعت الكهرباء والماء وفقد البنزين فتعطلت حركة السيارات وانتشر الهلع والخوف بين صفوف المواطنين وبثّ النظام اشاعات كثيرة لكن كانت هناك اشاعة لم نتبين مصدرها وهي ان ( فدائي صدام ) سيخوضون المعركة في بغداد وعلى جميع المواطنين الالتحاق بهم ومساندتهم وفتح البيوت امامهم لان المعركة ستكون معركة المدن . في ايام قليلة من بدأ المعركة اصبحت بغداد شبه خالية من الناس فقط الرفاق البعثيين في الشوارع العامة والمدن ينتشرون حينها قررت مع عائلتي الهروب الى محافظة ديالي وفي ابعد مكان فيها قريبا على الحدود الايرانية لاننا قررن عدم العودة الى بغداد اذا بقي النظام فيها لان البعثيين توعدوا جميع العوائل النازحة بالموت والثبور في حالة العودة وانتصار النظام في المعركة . وضعت سيارتي الفولكس واكن في المستشفى حماية لها لما قد يحدث وكنا من هنا نراقب الاحداث ونسمع الاخبار المؤلمة على مدينتنا بغداد وما حدث فيها . انتهت المعركة بين النظام البعثي وقوات التحالف وسقطت مدينة بغداد كما باقي المدن العراقية بيد هذه القوات ودخلت فيها فقررت جميع العوائل البغدادية العودة اليها . كانت الاحداث مؤلمة جدا لان خفافيش الظلام انطلقت من السجون وانتشرت في شوارع المدينة تعيث فيها فسادا وظلما وحدثت ظاهرة ( الحواسم ) امام انظار قوات الاحتلال وبمساعدة منها فاصبحت مدينة بغداد الجميلة مدينة خراب وعصابات وراح الظلام يفرش عباءته الغليظة عليها وانتابها الاحتضار . كانت صدمة كبيرة لي وانا ادخل المستشفى التي اعمل فيها وراى مظاهر الخراب فيها وقد نُهبت من قبل اللصوص وبحماية قوات الاحتلال ومساعدتها , كل شيء فُقِدَ حتى البلاط وانتشر المرضى العقليين في الشوارع واصبحت هذه المستشفى الجميلة عبارة عن هياكل مهدّمة يلفها الظلام والخراب والنفايات .

سرق اللصوص كل شيء فيها حتى سيارتي الولكس واكن حينها تذكرت كيف سرق الممثل ( حسن …) الذي كان بدور الشرطي في المسرحية حذائي الخاص وقام باداء الدور المسرحي فيها وقول المريضة ( المحامية لــــ …. ) التي فقدت عقلها بسبب قسوة النظام ورائي وهي تردد هذا المقطع من مسرحية ( الغريب ) … (( هيهي مخبل … هيهي مخبل …)) …. (( كريم مسوّي مسرحية مخابيل …. ) وتنطلق بضحكتها العالية والمدويّة خلفي , ضحكت مع نفسي حدّ البكاء والالم يعتصر قلبي فقررت وبرغبة شديدة ان اكتب مسرحية ( الشيزوفرينيا ) تحكي معانات هذه المستشفى وهؤلاء المرضى الذين فقدوا حتى الامان بسبب معركة خاسرة لا ناقة لهم بها و جمل .

لا تعليقات

اترك رد