دور الضريبة في معالجة التضخم

 

إن معظم الدول حاربت الظاهرة ووجهتها من ظهورها ومازلت إلى الآن تحاول التخفيف من حدة أثارها السلبية والقضاء عليها وهذا على اعتبار أن التضخم ظاهرة تأثر عكسياً على اقتصاديات الدول فهل يمكن فعلا تخلص منه بشكل نهائي والقضاء على كل أثاره السلبية تماشيا مع استقرار النظم الاقتصادية وفي حالة عدم القضاء عليه فهل كان لابد من التعايش أولا والبحث ما إذا كان فعلا ظاهرة يمكن التركيز عليها والبحث فيها إن وجدت من أجل الوصول إلى حلول لمشاكل اقتصادية أخرى .

يشكل ارتفاع الطلب الكلي على حجم الإنتاج من السلع والخدمات عن مستوى التشغيل الكامل عبئا وعائقا على الدول لابد من اجتيازه، وهذا لن يأتي لها إلا بانتهاج سياسة جبائية رشيدة تراعي التوجه والنمط الاقتصادي. وحقيقة الأمر فان معدلات متوازنة للتضخم تتناسب وحجم النشاط الاقتصادي والمرحلة الاقتصادية لأي دولة أمرا طبيعيا،لكن أن تبلغ هذه المعدلات مستويات مرتفعة جدا دون تحديد وتشخيص أو محاولة معالجة أسباب هذه الظاهرة .. هذا مانعتقد انه يشكل خطرا حقيقيا على الاقتصاد ككل.

‌أ. التدخل بواسطة الضرائب المباشرة:

قد تكون الضرائب المباشرة علاجا لزيادة الطلب على العرض من خلال التأثير عليها (ظاهرة التضخم)، وذلك بالضغط على الطلب بفرض ضرائب متصاعدة على الدخول ذات الوجهة الاستهلاكية وتخفيض الضرائب على أرباح المؤسسات حتى نتمكن من الاستثمار وفتح فروع جديدة، وبالتالي يكون هناك تحقيق لهدفين: الأول مالي وهو زيادة الحصيلة الجبائية، والثاني اقتصادي من خلال التأثير على الدخول (الطلب الكلي)، ولا شك أن هذه العملية لها حدود لابد أن لا تتجاوزها متمثلة في حدود الضغط الجبائي حتى لا تزيد من حدة التضخم، خاصة بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية، فارتفاع نفقات إنتاجها قد يتسبب في إقصاء البعض منها، مما لا يسمح للمؤسسات الباقية التحكم في ثمن الأسعار.

إن الارتفاع الكبير لمعدلات بعض الضرائب المباشرة بالرغم من أنها لا ترضي المواطنين إلا أن دورها في محاربة التضخم يعتبر فعالا، لكن يشترط ألا يؤدي إلى تثبيط هممهم فتكون النتائج عكس ما كنا نتوقع.

‌ب. التدخل بالضرائب غير المباشرة:

تلعب بعض الضرائب غير المباشرة دورا تنظيميا خاصة تلك التي تمس الاستهلاك والتي تعتمد عليها معظم الدول النامية في تحقيق الجزء الأكبر من مواردها المالية في دلك أسعر مرتفعة في سوق السلع والمنتجات، نظرا لاندماج هدا النوع من الضرائب في الأسعار التي يتحملها المستهلك بصفة غير مباشرة ، كما يمكن لبعض الضرائب غير المباشرة أن تلعب دورا هاما في محاربة التضخم كالضرائب على رأس المال التي تكون أقل اندماجا في الأسعار، إذ يمكنها أن تمتص جزءا لا بأس به من القيمة النقدية الزائدة إذا ما لجأنا إلى رفع معدلاتها . فالضرائب المفروضة على الاستهلاك (كالرسم على القيمة المضافة)، بالرفع من معدلات هذه الضرائب يؤدي إلى إحداث تضخم، إذ يؤدي هذا الإجراء إلى عدة آثار سلبية واضطرابات شخصية للمواطنين نتيجة غلاء المعيشة “إذ يكون تهورا إذا رفعنا الضرائب على الإنفاق في حالة تضخم، حيث الزيادة في الأسعار التي تخلقها هذه الضرائب تقوي الاضطرابات الشخصية الناتجة عن الارتفاع في الأسعار لدى المستهلكين” .

لذلك فإن لجوء السياسة الجبائية إلى الضرائب غير المباشرة للحد من التضخم يلزم عليها التخفيض من معدلات هذه الخيرة لإعطاء نوع من التوازن في الأسعار، التي تصبح تتماشى مع القدرة الشرائية للمواطن، كما أن اللجوء إلى حقوق الجمارك يمكن أن يكون فعالا وذلك بتخفيض حقوق الاستيراد حيث يؤدي كل تخفيض على المواد الولية والمنتجات المستوردة إلى تقليص الطلبات المتزايدة على بعض السلع والمنتجات التي ارتفعت أسعرها في السوق نتيجة عدم توفرها، أما بالنسبة للضرائب على رأس المال

فيمكن أن تلجأ إليها السياسة الجبائية لمحاربة التضخم مثل حقوق التسجيل، حقوق التركة، حقوق الهبة…، إذ يسمح للدولة أن تمتص قيمة مالية معتبرة، إذ ينبغي أن تتميز الضرائب غير المباشرة بشيء من المرونة خاصة الضرائب النوعية أي تلك التي تفرض على شكل قيمة معينة من المال تؤدي على وحدة مهما كان نوها قياس، حجم، وزن أو عدد، كضريبة الخمور مثلا والمقدرة بـ:150 دج للهيكتولتر الواحد، والتي أصبحت رمزية لبقائها ثابتة لم تتغير، فهذه الضريبة نوعية تستدعي أن تتغير قيمتها في أوقات التضخم، في حين أن الضرائب القياسية على شكل نسبة من قيمة السلعة أثبتت نجاحها لأن حصيلتها تتغير بتغير قيمة السلعة، لترفع حصيلتها إذا ما ارتفعت أسعار هاته السلعة.

في الواقع أن التضخم ليس نتاج عامل واحد،إنما هو مؤشر عن اعتلال الاقتصاد بمجمله،وإذا كانت حالة الاقتصاد العامة متعافية لا يمكن أن يحدث التضخم أو يحدث لكن بشكل محدود،أما إذا كان الاقتصاد معتلاً فعند ذلك يحدث التضخم.. لذلك أتمنى أن ينظر الجميع للتضخم من منظار شمولي،بمعنى أن يتم النظر إليه من خلال واقع الاقتصاد وليس من خلال واقع السياسة النقدية فقط التي تراقب كمية النقود وعرضها ومعدلات الفائدة والسياسة الائتمانية والى غير ذلك.فالسياسة النقدية تسكن المرض ولا تعالجه وعندما يتم رفع سعر الخصم أو تخفيضه،أو تتبع سياسة ائتمان متشددة أو متساهلة فإننا نحاول بذلك تسكين المرض وليس علاج منطقة المرض،ومنطقة المرض تكمن في القطاعات الإنتاجية وحالة الاقتصاد بصورة عامة

السياسة النقدية وأدواتها :

تعريف السياسة النقدية بأنها تلك السياسة ذات علاقة بالنقود والجهاز المصرفي والتي تؤثر على عرض النقود إما بزيادة حجمها أو الإقلال منها

والسياسة النقدية المضادة إلى التضخم هي التي تقوم على تقليص كمية النقود انكماش في الائتمان المصرفي بواسطة الأدوات التالية:

1ـ سعر أو معدل الفائدة : وهو السعر الذي تتعامل فيه البنوك التجارية مع الأفراد أي ما هو يحصل عملية الأفراد مقابل مدخراتهم لدى البنوك التجارية .

تلتزم البنوك التجارية بالحد الأعلى لسنة الفائدة التي يحدده البنك المركزي وهو الوحيد الذي له الصلاحية (الحق) في تغير هذا السعر في حالة التضخم حيث يتم امتصاص الكتلة الزائدة من السيولة عن طريق أسعار الفائدة على الودائع لأفراد أفراد أو المؤسسات لإيداع أموالهم

2 ـ سعر أو معدل الخصم : وهو السعر الذي تتعامل به البنوك المركزية مع التجارية وهو أعلى بقليل من معدلات الفائدة حتى تستطيع البنوك التجارية تحقيق بعض الربح المادي.

3 ـ نسبة الاحتياط القانوني: وهي النسبة التي لابد أن يحتفظ بها البنك التجاري من كل وديعة تداع فيه وهي على شكل نقود سائلة لدى البنك المركزي ولا يحصل مقابلها على فائدة

4 ـ عملية السوق المفتوحة: ويتمثل ذلك في قيام البنك المركزي شراء أو بيع سندات الحكومة من البنوك التجارية بهدف الرفع من احتياطاتها النقدية لتمكينها من الاقتراض أما إذا أداع البنك المركزي الساندات إلى البنوك التجارية مما يؤدي إلى تقليص احتياطاتها النقدية وبتالي امتصاص الكتلة الزائدة = تساعد أدوات السياسة النقدية بتحكم في كمية النقود المعروضة إما بزيادتها في حالة الانكماش أو تقليصها في حالة التضخم إذن تعتبر وسيلة هامة من وسائل التحكم في التضخم

ثانيا : الطريقة الثانية لعلاج التضخم والتي تتمثل في السياسة المالية وأدواتها.

يقصد بسياسة المالية سياسة الحكومة في تحديد المصادر المتلفة للأدوات العامة لدولة وتحديد أهمية هذه المصادر من جهة وتحديد الكيفية التي تستخدم بها من جهة أخرى لتمويل الإنفاق العام بحيث تحقق الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية لدولة وأهم أدواتها هي :

1ـ الضرائب بكافة أنواعها : مثل ضرائب الشركات والرسوم الجمركية الغير المباشرة على السلع المحلية أو المستوردة وتحد سياسة الحكومة الضريبة وما يتناسب مع أهدافها العامة التي تعكس إستراتجية الحكومة .

فالجداول المختلفة لضريبة الدخل تعتبر من الأدوات الهامة التي يمكن أن تلعب دوراً مميزا في إعادة توزيع الدخل القومي بالإضافة إلى اعتبارها أداة هامة لحماية المنتجات المحلية والصناعات الوطنية الناشئة .

2 ـ الإنفاق الحكومي: فحجم الإنفاق الحكومي وكيفية توزيع مستوى النشاط في كل القطاعات الاقتصادية وما يرتبط به من نشاطات إنتاجية أخرى أي تحويل النفقات الحكومية عن طريق زيادة الضرائب أو لتقليل النفقات الحكومية بالقدر الذي يضر بنشاط الاقتصادي أو تأجيل ببعض مشروعات الاقتصادية.

3 ـ الدين العام : تعتبر السياسة الدولة اتجاه الدين العام من حيث حجمه ومعدلات نموه وسبيل الحصول عليه من الوسائل المهمة في تأثير على مستوى النشاط الاقتصادي , أما إذا كانت الموازنة العامة تتحقق فائض فإن حجم هذا الفائض يمكن أن يؤثر بصفة مختلفة على الاقتصاد الوطني .

توجد إجراءات أخرى معالجة لتضخم منها:

*الرقابة المباشرة على أسعار بوضع حد أقصى وحد أدنى لها و استخدام نظام البطاقات في توزيع السلع الضرورية

* إنتاج بعض السلع الضرورية على حساب بعض السلع الكمالية

* الرقابة على الأجور فهي ضرورية لإنفاق الأسعار والأجور وكذلك تخفيض القيود على الواردات يساعد في زيادة عرض السلع الأساسية وتخفيض الضغوط التضخمية ومن الإجراءات التي تساعد على علاج التضخم رفع الإنتاجية بشكل عام وزيادة حجم الادخار القومي

لا تعليقات

اترك رد