المطوع والبدوي ثقافة مجتمع لا ثقافة ديمقراطية


 

طرح برنامج “سيلفي” في أحد حلقاته ببدايات شهر رمضان موضوع عن الليبرالية واستحقاقات الديمقراطية وكيف ان الشعوب العربية، بحسب قول الفنان القصبي غير مؤهلة للديمقراطية بحكم اختيارات الشعوب العربية، وتحديدا الكويت بكونها تنتهي دائما وعبر الإقتراع الإنتخابي باختيار “المطوع” وهو التعريف الخليجي لمسمى رجل الدين، او اختيار “البدوي” وهو مسمى غني عن التعريف والشرح بحكم انتشار الثقافة البدوية والقبلية في غالبية الدول العربية والمغاربية بحكم انتشار حامل الثقافة البدوية وهو الإسلام.

الليبرالية مصطلح حديث النشأة، لم تعرفه الثقافة العربية او الإسلامية ولم تتعايش معه الشعوب، وقد تم تشويهه بقوة من قبل رجال الدين باعتبار الليبرالية داعمة للحريات الفردية وحقوق الإنسان ومن بينها حق الإلحاد والمثلية ، ومن قبل بعض المثقفين العرب والمسلمين لكونهم يرغبون بموائمة الإسلام مع الليبرالية او العلمانية وايجاد صيغة توافقية بينهما لكي لا يحدث الصدام الفكري والحضاري او لكي تتقدم شعوبنا المتخلفة عبر إجتراح طريق ثالث رمادي بين الأبيض والأسود والذي ثبت فشله منذ عصر النهضة العربية الأولى والثانية. وقد انتشرت مؤخرا احاديث بعض الدعاة مثل عدنان ابراهيم وغيره بأن العلمانية هي جوهر الإسلام، أو أن الديمقراطية هي الشورى ، وأن الليبرالية طبقها النبي محمد .. وبهذا التقديم السطحي للمصطلحات تم تهميش مبادئ وقيم ونضال الشعوب التى وصلت الي الليبرالية والعلمانية والديمقراطية.

العقل المسلم تاريخيا كما جاء في مشروع محمد اركون “نقد العقل المسلم” أنتج عقولا ولم نعد أمام عقل واحد. وبهذا ندخل في صلب مقال اليوم، فنحن أمام حقيقة تاريخية، حقيقة مأزق يمر به الواقع العربي منذ السبعينيات على كافة الأصعدة (الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية)، الأمر الذي نحتاج معه إلى توجيه أصابع الاتهام بالدرجة الأولى إلى العقل العربي ذاته. ومن هذا المنطلق بالذات علينا مساءلة العقل العربي، عن فاعليته وجدواه والبحث في أزماته ومشكلاته واستكشاف إمكاناته وحدوده .

فما أوصلنا الي فشل الديمقراطية كما قال القصبي ليس الديمقراطية، وما جعل من الليبرالية انحلال وتفسخ وارهاب ليس الليبرالية، وما جعل من العلمانية منهج لا يفهم منه سوى فصل الدين عن الدولة ليس العلمانية. وإنما ذلك مرده الي العقل العربي الذي انتج فهوما مقدسة وثابتة تختلف وتتعارض مع سياقات ثقافية وفكرية وفلسفية متطورة خدمت الإنسان والمجتمعات.

فما توصلت إليه العلوم الإنسانية المعاصرة من تقدم وتطور كان نتاج القطيعة الابستمولوجية مع العقل الديني وبداية تدشين العقل النقدي. لقد كانت لحظة تحول مفهوم العقل من عقل تقليدي نقلي تاريخي الي عقل صانع للمعارف والنتائج العلمية والمستجدات الفكرية والتغلب على الطبيعة، حيث لم تعد العلوم الكلاسيكية الدينية قادرة على استيعابها واحتوائها، الأمر الذي استدعى إعادة النظر في مختلف مفاهيم ومناهج ونتائج ومصطلحات التطور، ومن ضمنها الليبرالية.

ظلت الليبرالية الي اليوم مفهوما غامضا غير ثابت على معنى وفهم محدد، والسبب أنه مفهوم فلسفي اقتصادي في المقام الأول ثم مالبث أن تطور بل تغير وتبدل بحسب مقتضيات مصلحة الانسان. فظهرت الليبرالية السياسية والاجتماعية وصولا الي الليبرالية الجديدة. وحمل لواءها منذ البداية آدم سميث أحد رواد الفكر الاقتصادي الحديث وجون لوك فيلسوف القرن السابع عشر. وارتكزت على ان الإنسان هو محور الفكر الانساني، لأن الليبرالية نشأت من أجل منافع الإنسان كفرد ورفع مُعاناته من ذوي السلطة الدينية والدنيوية بعد انتهاك صريح وصارخ لقيمة الإنسان بإسم الدين والإقطاع والملكية.

في حين ان الإنسان العربي تعـود على الاجابات الجاهزة المسبقة، على “تعريف” جامع مانع للمصطلحات والوجود والانسان، ولأنها، اي الليبرالية، كمفاهيم ورؤى فلسفية فهي تستعصي على التقديس والتوقف عند لحظة زمنية او مكانية. ومع ذلك

يمكن القول أن الأساس الذي يتفق عليه الليبراليون بشتى تنوعاتهم وتوجهاتهم ومشاربهم هو “حرية الإنسان واحترام فرديته”. وفي ذلك يقول عبد الله العروي في كتابه (مفهوم الحرية) “الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى, الباعث والهدف, الأصل والنتيجة في حياة الإنسان, وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه”.

أما كيف تصل الليبرالية إلى تحقيق ذلك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فهي قد جعلت الإنسان حر في أن يجتهد ويشرع ويقنن حتى يحقق هذه الأهداف وقد انتج هذا الفهم، قوانين التعاقد الاجتماعي والمواطنة والديمقراطية .حتى وصلت بعض الدول الليبرالية الحديثة الي تبني ما يعرف ب الليبرالية الجديدة New Liberalism وهي خليط من حرية السوق اقتصاديا، والديموقراطية التمثيلية سياسيا، والحرية الفردية اجتماعيا.

لذا حين يضع أحدهم الليبرالية في قالب ديني فقط أو منهج تحرري، ثم يقول هذه هي الليبرالية، وما عداها ليست ليبرالية، أو ناقصة.. فهذا انحراف وأدلجة وتزوير للحقائق والتاريخ، وهذا ما يمارسه البعض في مجتمعاتنا لتحديد فهم قيم ومبادئ الليبرالية والعلمانية والديمقراطية بأنهم قيم غربية منحلة تدعو الي الإلحاد والكفر. بينما في الواقع هي قيم كونية لا تختص بشعب أو دول بعينيها بل غايتها الانسان والانسان الحر فقط.. وبهذا سقط الكثير من شعوبنا في هذا الفخ وتم انتاج العديد من البرامج الاعلامية التى تخلو من النظرة الواقعية لتجامل النظرة الدينية.

لقد استطاعت الليبرالية تعزيز الإيمان بالنزعة الفردية القائمة على حرية الفكر والتعايش واحترام كرامة الإنسان وضمان حقه بالحياة وحرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير والمساواة أمام القانون، على ان لا يكون هناك دور للدولة في الحريات الفردية او حتى في تحديد العلاقات الاجتماعية، فالدولة الليبرالية تقف على الحياد أمام جميع أطياف الشعب ولا تتدخل فيها أو في الأنشطة الاقتصادية إلا في حالة الإخلال بمصالح الفرد او انتهاك القوانين او الإضرار بالمواطنة.

وتقوم الديمقراطية الليبرالية على تكريس سيادة الشعب من أجل ضمان الحريات الفردية وللحد من الامتيازات الخاصة ورفض ممارسة السيادة خارج المؤسسات. ولهذا تفشل الديمقراطية اذا لم يتماهى المجتمع مع ثقافة الديمقراطية الليبرالية، بمعنى أن المجتمع الفاقد للقيم الليبرالية والمتمثلة بالحريات والمساواة والمواطنة وقيام الأحزاب السياسية، لن يستطيع بالضرورة تقديم نموذج ديمقراطي ناجح، ولهذا اصبحت الديمقراطيات العربية ديمقراطيات فاشلة تنتج كما قال القصبي المطوع والبدوي، لان ثقافة مجتمعاتنا هي ثقافة دينية قبلية لم تتغير، ثقافة تقوم على الهوية قبل الانسان، ثقافة تقف مع المجرم لانه من نفس المذهب او القبيلة، ثقافة تدعم الوصاية لانها امر بالمعروف، ثقافة ترى المرأة عورة وناقصة عقل، ثقافة ترى التفكير جريمة والفلسفة زندقة، ثقافة تجمدت على أقوال السلف وخير أمة، ثقافة خافت من الإصلاح الديني فخلقت الإرهاب الإسلامي.

1 تعليقك

  1. بهذا المنعتف ان اللبرالية لاتوافق مع ثقافة المجتمعات زات خلفيات متخلفة ترى الحرية هي ان تعمل م تشاء بل لا تعرف مضمونها الحقيقي بان الحرية هي قيمة انسانية يولد مع الانسان يحبون الديموقراطية و يرفضون العلمانية واللبرالية
    بما انهم كلهم مترابطات مع بعضهم البعض
    شكرا لك استاذ عبدالعزيز

اترك رد