اطفال الكتابة


 

قصاصات صغيرة جدا، تلك التي حوت اولى هواجسنا، لم تكن السياسة تشغلنا ولا الفلسفة والفكر، انما كان الحب، وتلك القصاصات رسائل القلوب الحائرة المحترقة، ندفعها في الخفاء الى الحبيبات التي كن حولنا مبتسمات آملات حالمات، بعض القصاصات تحوي خواطر واشعار، وبعضها هسيس نبضات القلوب، ثم تحولت تلك القصاصات الى دفتر ملون، حوت بعض صفحاته زهورا اطبق عليها لتظل عاطرة شاهدة على شوق لم ينقطع، ثم تحول دفتر الذكريات والرسائل الى دفتر اكبر، كتبنا فيه ما اعتقدناه شعرا، وارسلنا الكثير منه الى تلك الحبيبات، كل قصيدة كانت معنوة الى واحدة منهن تزف لها اللوعة وتناشدها الجواب، على امل لقاء لايتعدى البراءة ولا يطمح الا لتبادل الحديث، وبث النجوى عن قرب، والنظر مباشرة الى العيون، وان حصل وان تلامست الايادي فتلك نهاية المبتغى، ومدعاة للسهر والاحلام وعد النجوم، الحب في المراهقة نار حارقة لم تنطفأ جذوتها حتى ينهي العقل والالتزامات ذلك التراهق، ثم ينقسم ذلك الدفتر الى دفترين، واحد للشعر واخر للقصة، لتبدأ رحلة العذاب والتعب، ولنكتشف من بين اصابع الحبيبات وهمساتهن، قدرتنا وقدرنا الذي رافقنا كمرض لاشفاء منه..

لم يكن هناك فيس بوك، ولا مواقع نشر الكتروني، كانت اوراقنا واقلامنا ترافقنا اينما نمضي ونرتحل، من مقهى الى اخر، ومن زاوية الى اخرى، علنا نجد من يقرأ لنا، نعطيه اوراقنا التي ضمت مخاض زمن قد يمتد لايام بين الاعادة والتصحيح والمراجعة والتحسين، ونجلس صامتين هلعين ترتجف اوصالنا خوف ان نسمع رايا يعيدنا الى الوراء او عبارة تجعل من القلق ديدننا لايام وايام، كانت انفاسنا تتقطع مع كل توقف في القراءة، ووجوهنا تحمر، وآذاننا مشنفة بانتظار ما سيصدر من هذا القاريء الجاد..كل ذلك كان قبل ان نلتمس من صحيفة او مجلة وهي على عدد الاصابع نشر نتاجاتنا لتبدأ مرحلة اخرى من القلق، وهي راي النقاد والكتاب الذين سبقونا في عالم الكتابة والمحظوظ منا حتى بعد ان تترسخ تجربته قليلا، ذلك الذي يذكره ناقد ما برأي حتى وان كان ليس بصالحه.

لم تكن ولن تكون الكتابة سهلة مطلقا، فالكلمات اشبه بخناجر تحز الرقاب، كنا نقرأ كثيرا ونعيد ما نكتب مرات ومرات، فما كنا واثقين من هويتنا بعد، مثلما كنا بحاجة الى دعم الاخرين، القامات التي كانت مثل علامات فارقة في عالم الابداع ليمنحونا هويتنا، ويضعوننا على الطريق..

لم يكن من السهل علينا كشباب هاو ومتطلع ان نصل الى ابواب الصحف حيث هي المنفذ الوحيد لنشر ما نكتب، ومجال النشر بما كان عليه من صعوبة وجمال كان ثمينا وبهيا ، ليس كعالم اليوم السهل المتاح بسذاجة لاتوصف، ومكاتب الصحف كانت تضم بين جنباتها عمالقة الادب والفن، قامات وهامات ليس من السهل الاقتراب منها، ولكنها كانت دون ان نشعر نجوما هادية، تنير طريقنا بهدوء وثقة وتروي..

اسوق هذا وانا اتصفح الكثير من المواقع الالكترونية التي جعلت من النشر، الادبي والفكري اسهل حتى من شربة ماء، وراحت الاسماء تتوالى بين كاتب وروائي وقاص وشاعر، ثم اضيف لها اخيرا( المفكر) .. القاب على قارعة الطريق، على صفحات الفيس بوك ، تجد صفحة باسم الروائي او الروائية فلانة، وصفحة باسم الاديب فلان، هذا الاديب وذاك الروائي والشاعر، مازال يكتب كلمة ( انت) هكذا( انتي)

و(لكن) يكتبها( لاكن) ثم ياتي بعد ذلك من كتب مقالين او ثلاثة في السياسة ليضع قبل اسمه لقب ( المفكر فلان)..

ومثلما سهلت الفضائيات الفرصة لكل من هب ودب ان يكون محللا سياسيا قبل ان يتحول مع تعدد الظهور الى خبير ستراتيجي، سهلت مواقع النشر الالكتروني الفرص امام كل من يكتب خاطرة ان يكون اديبا، شاعرا او قاصا أو مفكرا، لم تعد هناك مقاييس ولا قواعد ولا التزام، فترى احدهم حين يرسل مقاله للنشر في تلك المواقع يكتب قبل اسمه: الشاعر او القاص او المفكر..

ليس من وجه للمقارنة بين ما كنا نعيشه في عالم الكتابة قبل الانترنيت وبين ما يعيشه الان معظم من يكتب عبره ومن خلاله، كل كلمة كنا ومازلنا نكتبها، كانت اشبه بمولود جديد، آلام كتابتها كآلام المخاض، يعتصرنا الخوف والقلق وكأننا ما زلنا اطفالا نحبو، نخشى من كلماتنا ان تنزلق بغير اتجاهاتها، فتقدمنا الى الاخرين عكس ما نرجو ونامل، وبعد عقود من الدربة والخبرة والتجربة، مازلنا نقلق حين يظهر اثرنا للقراء، وننتظر بفارغ الصبر، اراء الاخرين وردودهم ونتمنى بصمت ان تكون مشجعة، وبقلوبنا احترام ومحبة لتلك التي تجانبنا، وتقدير لتلك التي تحاورنا، مهما تقدم بنا العمر، فنحن ابدا لن نكون سوى اطفال الكتابة..

عالم الكتابة والابداع عالم جليل، صوامعه ومحاريبه عالية، للاسف تتم اهانته على مدار الساعة، ولكن ذاك ليس غريبا على ما نعيشه اليوم، فكل ما كان جليلا مهيبا، تحول الى سلعة يتقاذفها البعض اما بجهل او باجر مدفوع، ومثلما طورعالم الانترنيت مفاصل عديدة في حياتنا، وقدم لنا مالم نكن نحلم به من اتصال وعلم ومعرفة الا انه في نفس الوقت، افقد الكثير من جوانب حياتنا قيمتها ، كل الثوابت التي كانت مقدسة، اصبح من السهل جدا المساس بها وتمريغها بالوحل، واصبحت الاشاعة والاكاذيب اكثر حضورا وتاثيرا من الحقائق، ولعل الدين وهو اقدس المقدسات عند البشر، اصبح جزءا من الملهاة فعلى صفحات المواقع الالكترونية ترى المضحك المبكي من خطب وفتاوى المنافقين والمجانين والسفهاء، جهلاء ومأجورين وهم يعرضون بضاعتهم البائسة كالسموم بكل يسر وسهولة..

شارك
المقال السابقالأمل
المقال التالىرمضان والمواطن

حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال با....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد