نحن والآخر – ج2 : ما أشبه أسئلة الأمس بأسئلة اليوم


 

لقد شكل لقاء الآخر واكتشاف تفوقه,مهمازا وحافزا للوعي العربي الإسلامي على الاستفسار والتساؤل واليقظة.وبالتالي ضرورة البحث عن البدائل
والإجابات,لتجديد مؤسسات الدولة في محاولة لدخول العصر الحديث,والخروج من حالتي التأخر والضعف.وتبلورت هاته الإجابات في شكل محاولات إصلاحية,انطلقت من الأستانة,لتصل رياحها إلى مصر وتونس والمغرب.

وانقسم دعاة الإصلاح إلى فريقين,ذهب كل منهما مذهبه. موقف محافظ تقليدي,يرى العلاج في تطبيق الأنظمة الإسلامية الأصيلة,معادي للانفتاح على أوربا ورافض لاستلهام حداثتها,ولم يكن يرى في إدخال المستحدثات التقنية والعسكرية والمدنية إلا عاملا مدمرا للبنيات المجتمعية التقليدية,التي كان يستفيد منها. ويرى أن لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها,متجهين بفكرهم إلى محاربة البدع في الدين والسلوك والتنديد بظلم الولاة والحكام,وعدم التزامهم بالشرع.

أما الاتجاه الثاني,فهو الليبرالي الذي يرى أن الإصلاح يستلزم اقتباس النظم الأوربية واستلهامها,ولا يرى غضاضة في الاستعانة بالأوربيين والتعلم في مدارسهم . وأصحاب هذا الاتجاه,تدفعهم جاذبية تستشعر درس العصر وقوة التنبيه الخارجي,وخطورة التحدي وتدعو لضرورة التجديد في مختلف مناحي الحياة.

فكيف كان لقاء العرب مع حضارة وحداثة الآخر خلال القرن التاسع عشر ؟ ولماذا كان اللقاء عسكريا وتحول للتساؤل حول الذات والمصير؟ . هل الشعور بالضعف أمام قوة الآخر هو الباعث على الإصلاح؟ هل الإصلاحات العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية خلال القرن التاسع عشر, كانت محكومة بصيرورة تطور ذاتي داخلي؟ أم هي إملاء خارجي تحت ضغط دوي المدافع ؟ أم رد فعل فجائي عند اكتشاف تقدم الآخر وتأخرنا؟.

هل الإصلاح في الوطن العربي الإسلامي خصوصا مصر وتونس والمغرب, كان نابعا من حركية مجتمعية يقودها مثقفون وعلماء اقتصاد وفئات الشعب العريضة؟ أم هو إصلاح فوقي صادر عن السلطة السياسية ورجالاتها, لتأثيث ماهو كائن والحفاظ على ديمومته واستمرارية بقاءه؟ .

هل كان المجتمع العربي خلال القرن التاسع عشر مهيئا للتغيير والتجديد والإصلاح؟ أم أن بنيته الفكرية الدينية التقليدية, القائمة على الانكفاء على الذات ورفض الآخر,حدت من حركية الإصلاح؟ هل كانت هاته البنية قادرة على الانخراط الفاعل في الحداثة, وبالتالي دخول المجتمعات العربية العصر الحديث؟ أم أنها اختارت بنية الرفض التي تتخذ من الدين غطاءا ؟ هل الأمة العربية التي أحدثت انقلابا وثورة في تاريخ الإنسانية من خلال الرسالة المحمدية, كانت قادرة على التسلح بأدوات تقدم الآخر, لتجاوز السقوط في الاستعمار؟ ماهي المعيقات التي تسببت في فشل المحاولات الإصلاحية في كل من مصر وتونس والمغرب؟ وماهي الدروس التاريخية التي يمكن استخلاصها من إصلاحات الأمس لتجاوزها في إصلاحات اليوم؟

وقفة للتأمل:

الأ تلاحظون معي,أننا منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم ونحن نجتر نفس الأسئلة المقلقة,ما بين إسلام سياسي حالم بإعادة أمجاد حكم الدولة الإسلامية محمل بفكر ديني مغلف في بعض الأحيان بحمولات جامدة ومنغلقة في نظرته للآخر,نظرة لا ترى فيه سوى الخصم والعدو رغم أنه قد يكون يعيش في أرضه ويتمتع بديمقراطيته وحريته. ونظرة ليبرالية رأسمالية,ترى في العالم الغربي المثال والنموذج الذي يجب إتباعه في إلغاء لخصوصية الإنسان والمجال.وبين الإتجاهين,يغيب منطق العقل وفكر التكامل والتلاحم بين الفكرين بإعتبارهما عنوانا للإنسانية.فأليست أسئلة الأمس شبيهة بأسئلة اليوم؟ونظرتنا للآخر مازالت محملة برواسب الأمس؟

لا تعليقات

اترك رد