حدود العقيدة وحدود الوطن ؟ مراجعة لمناهج التفكير الديني

 

تطرح جدلية الانتماء للوطن والاعتقاد بالدين الثنائية التالية : الدين يَعِّد بالخلود والسلام الابدي؛ فيما يعد الوطن بالاجتماع والسلام الدنيوي ، وهما معا يشكلان هوية مفترضة .

وقد رسمت الاديان حدود الوطن (عقائديا )في مراحل عدة من حياة البشرية، أشهرها الامبراطورية البيزنطية، وبعدها الدولة الاسلامية، وآخرها اسرائيل.

لكن المسيحيين استوعبوا غروب شمس دولة العقيدة، واندمجوا في الدولة القومية، وتفاعلوا معها، حتى تشكلت (مسيحيات) وطنية، بينما بقي المسلمون يعيشون أزمة (دولة الخلافة الاسلامية) مضحين بهامش الدولة القومية.

منشغلين بتبعات الخلاف الشيعي السني الذي ظل قائما متوارثا حول شرعية خلافة الرسول بين ابي بكر وعلي ، كما خصصت من اجل موضوعة الإمامة والخلافة الاف الكتب، فيما لم يستطع العقل المسلم ان ينتج نظرية حكم واحدة تتناسب مع تطور الحياة وحاجة الشعوب!

حكم الخميني ايران على قاعدة جواز حكم المفضول بوجود الفاضل والبيعة التي رفضها الفكر الشيعي قرونا في بيعة ابي بكر الصديق، واما طريقة نظام الحكم فكانت وفق الهندسة الغربية!
وهذا يعني ان الخميني شوه المدوّنة الشيعية كما شوه فلسفة دولة المواطنة الحديثة وآلياتها الديمقراطية!

على ضفة الخليج الاخرى نلاحظ مملكة تحكم بسيف الشريعة وسياطها، فالسعودية الحليف والصديق والشريك الاقتصادي الأهم للدول الغربية المصنفة (دول كافرة ) فد مدونة الفقه السلفي الوهابي وهو المذهب الرسمي للدولة!

الخلافة الاسلامية ليست جدلية في بعدها النظري فحسب، بل جيوش عقائدية تتنادى عبر خطاب الكراهية لترفرف رايات سود تصبغ الحياة بلون الدّم ورائحته، أعلنت عن نفسها في اول بادرة لضعف الدولة المركزية، وتراجع تاثير القوى الدولية في المنطقة، وقد استجاب لها المسلمون من جميع دول الشرق واوربا وامريكا بشكل يثير القلق.

الحدود الترابية للفرد السني هي الخلافة الاسلامية متى عقدت البيعة، وإلا فان الخارطة التاريخية للفتوحات الاسلامية، تمثل لكل مسلم (سني)وطنا يتحيّن نداء الجهاد، ليمتشق سيفه دفاعا عنه.

اما المسلم الشيعي، فان ذبح الحسين الشهيد في كربلاء، تسبب بانتقالة عنده اكثر انفكاكا عن الدولة القومية، لان الوطن في الوعي الشيعي يعني المهدي الموعود، الشيعي (المتدين) يفتتح يومه بدعاء(العهد) ويطلب من الله ان يحييه بعد موته لنصرة المهدي ويقول( فان حال بيني وبينه الموت، الذي جعلته على عبدك حتما مقضيا، فاخرجني من قبري، شاهرا سيفي، مجردا قناتي، ملبيا دعوة الداعي، في الحاضر والبادي..)
الوطن عند الشيعي لا يرتبط بالحياة، والخبز والشمس والماء، والطين، الوطن عنده يرتبط بالمهدي لذلك يعيش الشيعي اغترابا روحيا، حتى وهو يحكم او يستوطن في بلاد الحرية والسلام، فضلا عن ديار طالما كفره حكامها، وأدمت ظهره سياط جلاديها.

مشروع الدولة القومية، وفق مخرجات الحل الديمقراطي، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الانسان، ومعايير المواطنة الصالحة، تصطدم باشكاليات جوهرية، تبرز تمظهراتها في الجوانب السايكو اجتماعية، اكثر من الجدل المعرفي، والديني.

هذه المراجعة شديدة الاختزال لملف في غاية التعقيد، ربما تساعدنا في تفكيك إشكالية فشل قوى الاسلام السياسي في الالتزام بالحدود الترابية للدولة القومية( أية دولة )وتماهي اهدافها الاستراتيجية، وخطابها الدينسياسي، مع الجماعات الجهادية بشقيها، السني الأكثر بداوة وتوحشا وإجراما، والشيعي الأكثر مكرا وشرّاً.

ولدت هذه المقال نتيجة رسالة وصلتني من صديق قيادي مهم في ميليشيا شيعية عابرة للحدود العراقية، ومتهمة بقتل مواطنين ابرياء في سوريا، لصالح بشار الأسد، رسالته تعليقا على مقالي (قانون الحشد الشعبي..النهاية الناعمة للقوة الخشنة)مبدياً تحفظه على مصطلح (الحدود الترابية) في ذلك المقال.

لا تعليقات

اترك رد