قراءة في ديوان (لا وردة للحرب) .. للشاعرة أمل جمال

 

طائر البشرية الحزين
قراءة في ديوان (لا وردة للحرب ) .. للشاعرة أمل جمال
بداية من الغلاف ( البوابة الرئيسية للديوان ) وأنت تستشعر أن ثمة رؤية قادمة للعالم الذي يموج به الديوان عطفا علي العنوان واضعا نصا موازيا له ،فالأم المتشحة بالسواد والفارة بأطفالها الصغار وجميعهن يعطين ظهورهن تاركين خلفهن الورود الحمراء والسنابل الخضراء،فارين الي مجهول أو إلي موت لتبتلعهم صفرة صحراء جرداء .
تأتي البوابة الثانية للعمل وهو الاهداء (إلي الأمهات وصانعي السلام والأطفال والعصافير والشجر والحجر والفراشات والهواء ثم الي تجار الموت وهي المفارقة التي دائما ما تأتي في نهاية معظم القصائد والتي توحي بمدي تناقض هذا العالم الذي يموج به الديوان.
إن الشاعرة لا تبحث في الموت بقدر ما تبحث في. أسبابه ومبرراته منذ أصل الانسان وخاصة في فعل القتل ،لذا فجاءت البوابة الثالثة للديوان عبر التصدير لاحدي مقولات ألبير كامو ( لسنا ننشد عالما لا يقتل فيه أحد ،بل عالما لا يمكن فيه تبرير فعل القتل ).
أيها الرب
لم مات قابيل
قبل أن يكتب
وصاياه بريش
الغراب ? ص38
هذه الحالة الدموية وأفعال القتل التي استمرت عبر التاريخ الانساني وحتي اللحظة الآنية هي التي تزرع الخوف في الشوارع والطرقات وتحصد الأرواح وتحيل الكون إلي جحيم لا يطاق لتدمر العالم من حول الشاعرة الطفلة الانسانة فتحيله إلي خراب تستحيل معه الحياة كما ينبغي أن تعيشها .
لأن العالم يغمض
عينيه عن الحملان
ويجلس مسترخيا
علي كرسي الخراب ص60
بهدوء
يجتمع السادة والساسة
والحلفاء وأعداء الإنسانية
في حفل صاخب
ليثيروا فزعا كونيا
وينفضوا أيديهم
بهدوء ص72
وكنتيجة حتمية لهذا الخراب ،تستحيل الحياة الجميلة (فلا موسيقي ،ص44, ولا أحلام وانما كوابيس ص11 ، ولا ورود ص22 ، ولا لقاءات للعشاق ص24، لا شئ غير أشلاء العائلات. ص34 ، وقبور الأطفال ص32 أو مخيمات لليتمص44. ، وسبايا كالدمي ص59… لاشئ مستقبلي غير أن القارب يترنح … والقادم أعمي ص9.
لقد أهدتنا الشاعرة عبر 28 قصيدة كتابا شعريا مكتملا لحالة واحدة مترابطة ومتماسكة ، ورغم أن القضية التي يطرحها العمل تعتبر من القضايا الكونية الكبري إلا أن عبقرية الشاعرة تجلت في كيفية التناول فحلقت بذاتية شاعرة متفجرة ومتشظية من مناطق شديدة الخصوصية (للمتناول اليومي المعيشي ) إلي رحابة العام وصولا للعولمة لتخلق حالة من التماهي والدمج بين ما هو ذاتي خاص وبين ما هو عام ص8
أنا من مساكين هذا الوطن
دونما أقنعة أو ثقافات أمضي
وأسير هكذا في الشوارع
علي بائعي الخضروات أعرج
ومع بائعة السمك
أناقش حظر التجول
وأعداد القتلي
وثمن الطماطم
جاءت اللغة تنساب في سلاسة خالية من النتوءات والتقعيرات ،مكثفة ومركزة ومحملة بالكثير من الحكمة والفلسفة بحرفية شاعرة متمكنة عركتها الكتابة الطويلة ،تثب لغتها برشاقة باليرينا متميزة بين مشهد شعري وآخر ،ناهيك عن المفارقات المدهشة التي كثيرا ما تختم بها قصائدها لتطرح مزيدا من الأسئلة وتشفي كثيرا من الجراح وتفتح نوافذ متعددة في عقل المتلقي ليشارك ويتفاعل مع رؤيتها الشعرية الممتعة .

المقال السابققلبُك يا وطــن
المقال التالىتفجيرات الكرادة
كاتب مصري عضو اتحاد الكتاب المصرين وعضو نادي القصة بالقاهرة. صدر له: الكيلو21 رواية.. دمية حائرة رواية.. كرسي سادس خال قصص قصيرة... نشرت قصصه بالعديد من الصحف والمواقع العربية منها الوطن وعمان بسلطنة عمان والمساء والاهرام بمصر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد