في الحب والخيانة


 

(الكُتَّاب أقل قليلا من البهلوانات وأكبر قليلا من الوحوش المدربة).. جون شتاينبك

للاسبوع الثاني، اجد نفسي عاجزا عن الكتابة، اتعلل بالتزامات وانشغالات احيانا، واحيانا اتجه عامدا للهو والعبث، حتى انهك جسدي وعقلي فانام مرتخيا على امل ان اجد ما اكتبه غدا، ولكن الغد كالبارحة، واذ لا جديد لدي، اسال نفسي كلما وجدت فراغا بين اوقات الجد واللهو: هل اعجز فعلا عن كتابة 800 كلمة او اقل ، فارسلها الى الصدى واجنب نفسي سؤال سيدة الصدى الرائعة خيرية وملاحقتها لي ؟.. الست كاتبا يرى فيًّ البعض امكانية وقدرة على صف الكلمات وتزويق الجمل وترصيف العبارات؟.. فاشعر بالحرج وانا اتوقع كل لحظة ان تتصل ام سوزان سائلة عن المقال، فاجلس امام الكومبيوتر وابدا بالنسج، سطرا واخر حتى اصل نقطة اجد ان كل ماكتبته ليس سوى سفاهة وسذاجة وخواء، فامسح ماكتبت غير اسف على نفسي، واعود للهو والعبث، معزيا ذاتي اني ماكتبت يوما ما رغبة في الكتابة، أغلب ما كتبته كان شرطا يفرضه علي جنيٌّ يرصف الكلام دون ارادتي وتخطيطي، واجبي فقط حين انهي ما يمليه علي، ان اراجع ماكتبت لتحسين الربط وتصحيح الاملاء والقواعد على قدر المستطاع، وان لم يكن ذلك الجني حاضرا، ذلك الجني الذي يسميه البعض بالالهام، فان ما اكتبه لايتعدى خاطرة اقصر من ان تصل الى صاحبها، الكتابة مرض يصيبني، فاجد نفسي لائبا بعد ان يعصر ذلك الجني راسي ويمسك بتلابيبي، ويدفعني رغما عني الى الانصياع وافراغ ما بداخلي، وان لم يصبني هذا المرض، فانا خاو كساق شجرة متيبس..

اما ان أخطط للكتابة وحدي، فان اول ما سيقفز الى راسي سؤال طرحه الكثير من المثقفين وبعض كتاب الصدى: ما الفائدة مما نكتب؟.. هل هناك ما لم يكتب عنه بعد؟.. هل هناك من لا يعرف ماذا يجري في عالمنا، من العولمة الى الليبرالية، ومن العلمانية الى الدين، ومن الديمقراطية الى الطائفية، ومن داعش الى ماعش، حتى اولئك الجهلاء والسفهاء والاغبياء، يعرفون تماما اللعبة حولهم، ويعرفون انهم انما يصفقون وسيصفقون دائما لقاتليهم وسارقهيم ومغتصبي حقوقهم، يصفقون ويتراقصون على اشلاء ضحاياهم، ويتبركون بدماء خطاياهم، فبماذا ينفع ان اعدنا الحديث عن الامنا ومآسينا؟.. كاني اقول اذن: لاحياة لمن تنادي..

الكتابة في السياسة مثل النفخ في قربة مثقوبة، فلم تعد الجموع تتحرك بالوعي، ولا بتاثير الثقافة او المثقفين، بل انها غير أبهة بما يجري او ما سيجري، واصبحت مطالبها ليس حقوقها وكرامتها وحريتها، بل العكس تماما، فهي تنشد المزيد من الاستعباد، وتطمح للمزيد من الانغماس في الفوضى والجنون.. جماهير خائنة لنفسها ولارضها واجيالها.. لكن خيانتها مدفوعة بحب اكبر واعمق من ذاتها، حب جنة عجزت الحرية والعدل عن بنائها، فاحيل العقد الى الفاسقين والمجرمين واللصوص..

لاكتب عن الحب اذن؟.. اعلل نفسي بالامال دائما، لربما ذلك اسهل بعض الشيء، خاصة وان كل ما علمتني اياه الكتابة ان اخوض في عالمين: السياسة والحب، والاخير هو عالمي الذي طالما اخفيته وطالما تحفظت عليه وطويت صفحاته تحت وسادتي، فهو الوحيد الذي يعريني، ويفضح كينونتي حتى ان رسائلي الى الحبيبات اللواتي اوقعنني في شباكهن، او اوقعتهن فرائس لرغباتي مازلت احفظها كقصائد شعر لا اقوى على ترديدها، ولا اريد نسيانها، انها اناي التي لا اريدها وليس بامكاني التخلص منها، وبعد ان مضى من العمر مايزيد عن الخمسين، لا اجد سببا لتزييف المعاني، وان لا اعترف ولو لمرة واحدة ان تاريخ حبي انما هو تاريخ خياناتي ، ولهذا تحديدا، اضع الاقفال واحدا تلو الاخر حتى لا يتمكن ذلك الجني من الدخول الى كهوف عالمي السفلي، فيدفعني الى الاعتراف وانا اسعى الى العفو والمغفرة، فالضحايا مازالت تئن من الجراح، واثار اظافري مازالت محفورة على اجساد احنتها الخيانات وانكسار القلوب، غير ان بعض الخيانات كانت مشفوعة بالحب، ولا شفيع سوى الحب..

في الحب كنت كما يقتضي وعكس ما يعرف عنه تماما، اناني حد اللعنة حتى اني غلفت كل خياناتي به، فاقنعت نسائي بالتضحية من اجلي، فأنا المانع المانح، والامر الناهي، والنساء لن ترضى باقل او اكثر من ذلك، كل واحدة منهن اكتشفت في لحظة ما، انها لوحدها لايمكنها ان تملك قلبا بدا مثل وطن يتسع للجميع، فكن اشبه بفراشات يجسن زهرة واحدة، يرحقنها حد الاكتفاء، ولكن لا اكتفاء في الحب، ولاتكرار فيه، كل حركة فيه هي ابنة لحظتها، وكل نظرة او همسة فيه هي ابنة مشاعرها، وكل دفء فيه ابن حضنه، غير ان للحب طرقا ومسالكا يمر الكثير منها عبر الخيانات، رغم ان الخيانة ليست من قواعد الحياة، الا ان الحياة ليست سوى مؤامرة نصنعها ونشارك فيها وغالبا ما نكون ضحاياها، فمن منا لم يصدم في حياته بخيانة اقرب الناس اليه؟.. لكننا دائما نثق بهم، اولئك الخائنون نثق بهم ، لانهم يغلفون الخيانة بالحب..

كان عنوان المقال( الصدى واشياء اخرى) اذ خططت للكتابة عن موقع الصدى وعن كتابه وعن تباريهم فيما بينهم وعن تاثيره في عقولهم وشحذه لمواهبهم، وعن الصداقات الجميلة التي خلقها، والمحبة التي اشاعها، وحين فشلت مسحت ماكتبت غير اسف مرة اخرى على نفسي، وابدلته بــ ( في السياسة والحب) ولاني كتبت كثيرا عن الخيانة وضعته كما هو الان..

صورة كاملة لعجزي فالجني الصغير لم يجد طريقه الى راسي بعد..

2 تعليقات

  1. الحب اصبح كالسياسية يملؤه الكلام الفوضى المبالاة واللامبالاة المبالفة لحد الملل من السخافة .. وعندما تبحث عن الصدق تجده في طي النسيانة ولا تسمع فيه سوى صدا الخيانة

  2. اصبح الحب السياسية في ايامنا يملؤه الكلام والمغالاة الوعود والتلون واللامبالاة طرف يمتظر بلهفة وترقب واهتمام وحب واشتياق للحد الذي لا حد له وطرف كالسياسة فوضى في فوضى كلام دون فعل وعود دون تنفيذ … فلا نجد للحب سوى صدى الخيانة .. التي باتت في ايامنا شعار ملازم للخب افصل من الوفاء ….

اترك رد