مخيم رفح .. نبوءة إحتراب الأُخوة

 

موضوعة ما بعد التواصل إذ بالإمكان جعل الموضوع مادة قانونية وفنية ومعرفية وعرفانية وما الى ذلك من تخالف قيمي , فمثلا :
(الهجرة تبدأ من مخيم لاجئين . . المخيم ينتهي بقيامه مركزاً سكنياً)

ينعكس هذا على تفكير الساكنين بحيث يُعاب على الفرد القيام بأية خروقات أخلاقية , حتى لو كانت علاقة حب عفيفة .
كذلك الهجرة والمخيم والطرد من البلد يتداخلون بتخالف نقيض بين جهل السلطة وإضطرابها ولا إنسانيتها , بينما القاع الطبقي فيه وعي متقدم لدرجة هجرة وطن موبوء بالفرقة والأمراض الإجتماعية , كما أن أبناء الشعب الواحد , حين يهاجرون الى بلدان غريبة يحفظون قيمه السامية , وفحوى ذلك :

(ان العراقي لا يتخلى عن الوطن حتى لو تخلى الوطن عنه) .
هذا المنطق يؤاخي بين أديانه وأبنائه على الرغم مما عانوه فيه من حيف وعنصرية . إذاً ما بعد التداول هو قضية بلد بأكمله يحمل ثقافته الى خارج الوطن ليحافظ عليها , فيضع نفسه بين نارين , الغربة والقسوة .

في (رفح) الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية وعلى أطراف دائرة الحرب العالمية الثالثة للعام 1991 يُقام تشكيل إجتماعي ذكوري شبه متكامل , يُعوَّضُ فيه عن المرأة بالحضورالتذكري , وعن المدينة بالتدوين التأريخي , وعن سعة المجتمع بـالبنى المترتبة على التجمع في مخيم رفح للعراقيين , وبالتركيب الطبقي المخترع ببنى السلطة وما تحتها من توابع.
ثم يتمم هذا بتشكل الذائقة الثقافية .

إنه مخيم اللاجئين العراقيين في رفح المملكة السعودية عام1991 , الذي يقام عنده عمل روائي من قِبل حسن الفرطوسي النازح من هذا المخيم الى بلدان الغربة .
عمله , رواية (سيد القوارير) تعدُّ نموذجاً تجميعياً ـ يبدو عفوياً ـ من النظرة الأولى , لكنه يزداد تعقيداً كلما توغلنا في ممرات القراءة نحو عمق الصفحات الثمانين للرواية . لندقق ببعض شؤون الرواية بتتبع المحاور الرئيسة فيها :

ـ محور الفاعلين
يترشح من خيمة المسكين علي الموّات رفاق أربعة يؤلفون قاعدة الروي , والرقابة , فسيد القوارير الرجل الهاديء الوسيم , الخدوم سيكون بطل الأحداث الكبرى , فهو المتحول بسلطة الجامع الى نظام فردي , وهو المثوّر لأحداث فك الإعتصام , فيما تكون سلطته في النهاية فائضة عن دوره التجسسي الذي يشفُّ عن منظومة سابقة لزمن مخيم رفح : [أفاق الحشد من غيبته تحت ظل جناح طائر اللازورد وبدأت الحركة تدب بهم من جديد لتعيدهم ثانية الى حقيقة مايجري…عاجلهم سيد القوارير الحديث بزهو وإمتلاء:
ـ هذه هي علامة سيدنا ومولانا , عجل الله فرجه , لكي يهتدي الذين في قلوبهم مرض … الإمام يهديكم السلام ويوصيكم بتقوى الله وكذلك يأمركم بالصلاة خلفي , فأنا إمام المسجد من هذه اللحظة ] (1) .

علي الموّات ومحمد زيادة / هما القُوّام , الرقباء على تبدل الهيئات والأحداث .
لوكا / الشخصية البريطانية المشرفة على المخيم والموجهة لجميع الإحتمالات الحدثية والصائغ غير المباشر , الأحداث التي دونتها الرواية .

[ إلتفَّ علي الموات بشرشفه , مادّا طرفه أمام عينيه لتحاشى ضوء الكشّاف الساطع وهو يراقب من خلال وسادته , عملية تغيير جنود الحراسات على برج المراقبة العالي , هذا موعدهم , تحديداً بهذا الوقت من كل ليلة , تطوف حافلة محمّلة بالجنود حول الأبراج ليتناوبون على الحراسـات الليلية .. بعد قليل سيبدأ الجنود بالتسكع حول البرج , متململين من ساعات نوبتهم الطويلة](2).
حسين أبو الجريدة / المتنوّر , الناجي , من كارثة القتل الإرهابي .

[لم يستطع حسين أبو الجريدة الوصول الى طرف محاور وكانت جميع حواراته قـد تمت مع أناس ليس لهم تأثير يذكر بين كبار مريدي سيد القوارير] (3)

فـاضـل / الـشيخ الأول للجامع , المشرّع الأساس لعلو طبقة رجال السلطة الدينية , سيد القوارير ذو الوظائف المزدوجة , موجِّه قضايا مخيم رفح :

[ سيد القوارير , هذا هو لقب ” ظاهر” الجديد الذي أطلقه عليه مرتادو المسجد , عرفاناً له على خدماته الكبيرة لمجالسهم وللمسجد وللشيخ , بدت على محيّاه علامات السرور حينما أطلقوا عليه هذا اللقب وكانت الغبطة تملأُهُ كلما سمع أحداً يناديه بهذا اللقب , أو حينما بكلمات الإعجاب بجهوده ] (4).

محور الفاعلين سيوجه القراءة نحو تماثلات جديدة.

محور الرموز
سنشهد ـ هنا ـ الرموز التي يغلب عليها التَمَثُّل وليس الرموز التي تبث التشفير , أنها مقامة من التماثلات الآتية /
1 ـ خيمة اللاجئين / تتماثل طردياً مع/ مهمة النازحين
مهمة النازحين / تتماثل سلباً مع/ وطنية القانعين
2 ـ شخصية علي موّات/ تتماثل إيجاباً مع/ تأسي طبقات القاع
سيد القوارير(ظاهر)/ تتماثل بتساو مع / عنف شخوص رجال الحكم
3 ـ سلوك محمد زيادة / تتماثل بتساو مع/ مفسدة السرّاق في الإدارة
سلوك حسين جريدة / تتماثل بتواز مع/ إنبهارعلي موّات بالمظلات
4 ـ عزلة الشيخ فاضل/ تتماثل ترادفاً مع/ إنزوائية سلمان التبعية
5 ـ مكانة المسجد/ تتوافق مع/ نفاق الحكّام
6 ـ عوالم الخيمة / تساوي تماماً / عوالم العراق
7 ـ الخليط الديني/ يقارب تماثلاً / قداسات المسلم والمسيحي

ـ محور تفاعل الروي إجتماعياً
[ يرى بيلز , العالم الإجتماعي , بأن التفاعل الإجتماعي هو السلوك الظاهر للأفراد في موقـف معين وفي إطارالجماعات الصغيرة , فالموقف يتكون من الأشخاص الذين يوجه إليهم السلوك مثل الذات والأفراد الآخرين , ومن العناصرالمادية التي يتضمنها الموقف والجماعة الصغيرة , أي عدد من الأفراد يتواجهون ويستجيب بعضهم لبعض] (5) وفي الرواية كما في أوضاع إجتماعية ذات علاقات , تتكوّن جماعة لها مواجهات وإتجاهات ومواقف وتحالفات ونوع من الإستجابات المتماثلة أوالمتخالفة , في الرواية يُشاد على مواقف أبطالها وطبيعة عناصرها كم هائل من العلائق .

نود أن نتخذ من فنية الروي آصـرة تبني تعالقاً متفاعلاً خماسياً هو :
1 ـ أن الترتيب العمراني في المخيم يتبنى فكرة نشأة المدن في العصور الوسطى حيث يُشاد الجامع أولاً ثم تحيط به القصور لساسة الدولة .
2 ـ إكتمال البناء العمراني يكون بتكوين ديوان أو إيوان للبلاط وهو ما فعله شيخ الجامع المخلوع فاضل .
3 ـ إحاطة البلاط والمقصورة الخاصة بالأشجار والزينة وهو ماعمل على تطويره وتحسينه , ظاهر, (سيد القوارير) بعد توليه رئاسة هيئة الجامع .
4 ـ تكوين بطانة من المريدين لتثبيت دعائم الحكم مثلما فعل سيد القوارير .
5 ـ تكوين جبهات مؤيدة متحالفة وأخرى معارضة يصل أمر الخلاف بينهما حد التقاتل وإنهاء الآخر .

تلك الوجوه من العلائق وظفت الإشتغال الروائي والحياتي لفعل شديد الحساسية ذلك هو خلق حاضنة بشرية , من مجتمع الوحدات الصغيرة تتخذ من المواقف خلاصة ثقافية . في الرواية تتجه هذه المواقف الى نمطين من التفاعل الاجتماعي كاستجابات شرطية , تتمثل في :
ـ إسـتثمار علبة الثقاب تدلالاً لامنطقياً لكنه مقنع فنياً , يقرر إتجاه السرد بلعبة حظ فيصل قريباً من السرد الصافي برؤى حضارية متأرجحة بين السلام والإرهاب.

ـ تغيرات علبة الثقاب تتسبب بمناسبة لتغييرات سياسية ومضمونية تخص السـرد الممول للتغير والتغاير الإجتماعي .
ـ إنقلاب علبة الثقاب عن الدكة إنفلات سردي مضلل للتعبير عن عدم المساس بمصالح السلطة الحقيقية (بريطانيا , السعودية) .
ـ الإلتجاء الى إستحداث أسماء بحسب مقتضيات المكان والظرف . فمحمد زيادة يطالب بزيادة حصته التموينية وجسده تنقصة يد , وعلي موّات يحسب نفسه ميتاً وإن مازال موجوداً جسدياً , وسلمان الفائض بالسلام يصير مقتولاً , (أم ماهود) ليس فيها من الهداية سوى إسمها , سيد القوارير, ليس سيداً , ليس سوى جاسوساً ذليلاً , شيخ الجامع فاضل لا يملك فضيلة ولا مشيخة , حسين أبو الجريدة يطالب بخدمات بريدية ويصدر جريدة بكتابة اليد كأن هذه تقنية للسومريين الذين يكتبون على جريد النخيل معاملاتهم ..تلك المخارج ليست تناصات فحسب , بل, نبوءة خامة لما ظهر وما سيظهر في الـ (الإقتتال) بين أهل العراق بسبب مباديء دين واحد , حدث في الرواية عام 1991 , وحدث في العراق مجسداً عام 2006 .

ـ التوزيع السياسي للرُتب الإجتماعية أوجـد طبقة حاكمة من رجال الدين سنة 1991 في الرواية , وحدث هذا تماما في العراق سنة 2006.

ـ الخراب الذي دمر كل شيء في مخيم رفح كحدث روائي , هو نفسه ما يحدث وما سيحدث من خراب في العراق كالفساد والإقتتال منذ 2006 وحتى الآن , وسيستمر .
ـ محور المكبوت والمتاح

في الرواية صوغ أساسي يعتمد الممنوح والمكبوح لو دققنا في الرواية لوجدنا عشرات الأمثلة ,

النوع الأول / منه اعتمد الممنوح السـردي كمعوض عن المكبوت السلوكي مثاله العلاقة المضطربة بين علي موّات مع إم ماهود . من ثم ما تؤشره مشاهد المسرودة مـن العشق المبطن المضطرب بين سلمان وشيخ الجامع .

النوع الثاني / ما يحمل من التوق المكبوت للحرية والكرامة الشخصية مثلما كان يحلم به حسين أبو الجريدة ..

النوع الثالث / هو الحقوق المضاعة بين المكبوت والمتاح .. حقوق الإنسان تمنح حق اللجوء والعمل لكل مواطن , لكن جميع الأمم تُعَطّل هذا الحق وقد تلغيه .

النوع الرابع / هو المطاليب الظرفية لمستوى المعيشة والتي أخذت طريقة جماعية في الإعتصام .
النوع الخامس / الوقائع النقائضية التي منها ما يريد الإصلاح والتآخي ومنها ما يصبو الى التفرقة لكسب المنافع مثلما ترومه السلطة البريطانية والسعودية فالممنوح هو قدرتهما في التحكم والمكبوح هو المقاومة الفردية لذلك ..

يلاحظ أن هذه المكبوتات والمتاحات هي صراعات سياسية , وإن لم تُسـَم فالذين يعارضون بريطانيا يطمحون الى سلطة عادلة والبريطانيون يطمحون الى عدالة دولية تخلصهم من عبء العراقيين الهاربين من بلادهم .

الصراع في جميع أوصافه يحيل ثانية الى مبدأين هما العامل الإجتماعي والعامل الإقتصادي , ولو دققنا مرة جديدة لوجدنا أنهما عاملان وراء كل نشاط بشري . الصراع إذاً نوع من فائض البحث عن المكانة والمتعة وهما قوانين نفسية وإجتماعية عامة يحيلان الى التأريخ الفلسفي المتعلق بالوعي البشري المتجه الى البحث عن الفضيلة الإفلاطونية بكل صراحتها وصرامتها .

إذاً يبدو أن المكبوح والمتاح هما نتاجان عن عقلية إنسانية بعيدة الغور في الوعي . ومن ثم فهما محتويان لجل الهموم الثقافية , نظريات ودراسات ونقود .

الهوامش:
1- الفرطوسي , رواية سيد القوارير , 2009 , ص48
2- الفرطوسي, رواية سيد القوارير , 2009 , ص28 , ص2
3- الفرطوسي , رواية سيد القوارير , 2009, ص68
4- الفرطوسي , رواية سيد القوارير , 2009 , ص29
المعايطة , علم النفس الإجتماعي , 2010 , ص 128

المقال السابقشطرنج
المقال التالىجارتي والحرب
اسماعيل ابراهيم عبد مواليد بابل 1952 بكلوريوس آداب بغداد 1976                                                                       أنجز الكتب الآتية / * ذر التماثل ـ نصوص ـ مكتب غسق للحاسبات بابل ـ 2001                                          * ألواح نيكار ـ نصوص ـ مكتبة قرطبة ـ بغداد ـ 2006 ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد