وللسان فراسة

 

سأل الخليفة العباسي الهادي أحدَ خدمِ القصر وكان يحمل الخيزران فقال : ما الذي على كتفك؟ قال عروق القصب يا امير المؤمنين تفادياً ذكرَ اسم امه الخيزران.
وسأل بعض الخلفاء ابناً له -وكان في يده مِسْوَاك -: ما جَمْع هذا؟ فقال الغلام: ضدُّ محاسِنِك، يا أمير المؤمنين. خشية أن يقول “مَسَاوِيك”. فيفهمها السامع “مَسَاوِئُك”

ومن الضرورة أن نعلم أن للسان فراسةً كفراسةِ العين، وإذا كانت للعين قدرة على أن تغورَ في خفايا النفس، وتغطسَ في أعماق ظلماتها وغياهب أسرارِها، سالكةً ما وعُر من مفازات المعرفة والإدراك، باحثةً عن بصيص نورٍ تُعرّف به ما غمض وتنكّر، وتكشفُ فيه ما غاب وتستر، آخذةً من دقيقِ ظاهرِ الأشياءِ وصغيرها سبيلاً لكشف جليلِ خباياها وعظيمِها وخيطاً تقتص أثره للوصول إلى مسالك الدراية والتبيان، حتى تمسك بمقاليد المعرفة والعلم وتتمكن من أعِنّةِ الإيضاح والفهم – لينطوي كل ذلك تحت مسمى الفراسة.

فان للسان قدرةً لا تقل عن العين في الاقتصاص والإتباع لما صحَّ من الكلام وما لَطُف من القول، لا يفتأ اللسان يتلطف حتى يُبلغَ القولَ محلَه ويوصلَ المعنى غايته، لتعيَه آذان واعية وتفقهه قلوب مبصرة، فيكون أثره كبيراً وشأنه عظيماً ويترك دوياً كأنما “تداول أُذنَ المرءِ أنملُه العشرُ” …
ولا يتأتى ذلك إلا بالصدق؛ قال الله تعالى: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
فان للصدق نوراً تشرق فيه الكلمة، وتضيء به المفردة، ويبين من خلالِه المعنى، وتنكشف به البهمة؛ وذلك أن للصدق هيبةَ الموتِ، وحجةَ نبي، واستقامةَ إمام، ورهبةَ سلطان، ونجاةَ عابد، ودليلَ عارف، وعفافَ قديس، وبرهانَ عالم.، وبه يكون للشفاه بصرٌ وللسان بصيرةٌ لا يقلان عن بصر العين في التفحص والفراسة، بل يزيدان عليها ويتعديانها، إذا ما قسنا أثرَ العين في العين إلى أثر اللسان في الأذن والقلب؛ قال الله تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).

ومن الفراسة حسن التأدب مع الأجل شأناً والأعلى مكانة والأرفع موقعاً ، وأول التأدب مع الله تعالى في النداء والنجوى والرجاء والشكوى ، ثم مع النبي وآل بيته وصحبه وولاة الامور من بعده، ولله در شوقي فقد فهم القول والمعنى فآمن وتلطف وأقر وسلّم فأتى قوله صادقاً صافياً أبان فيه ذلَّ المُناجي ورفعةَ المُناجى ولقد احسن حين قال:
إذا خفضتُ جناح الذُّلَّ أسأله … عِزَّ الشفاعـــةِ لم أسأل سوى أَمَمِ
وإن تقـدم ذو تقوى بصالــحةٍ … قـــدّمـتُ بين يديـــه عبـــرَةَ النـــدمِ

فالأدب الأدب مع الكبراء من المعلمين والآباء وولاة الامور والعلماء فبالأدب نرتفع أفراداً وشعوباً ونرتقي بأنفسنا ومن يأتي من بعدنا من الأجيال.

المقال السابقجارتي والحرب
المقال التالىالمُسْتَهْدَف “وَطَن”
حسان الحديثي كاتب وناقد عراقي من مواليد مدينة حديثه، محافظة الأنبار ويعيش حالياً في المملكة المتحدة يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية الرصينة منها وكالة أنباء الشعر له مخطوطتان تحت الطبع هما " حديث الخميس " ، " والسياب شاعر الانسانية الاكبر " هو أيضا رجل أعمال ويدير شركات في الامارات العر....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar مأمون السعد

    إعجاب ومحبة أيها الكاتب الأنيق. كل عام وأنت بخير يا ذا الفراسة.

اترك رد