رسالة إلى الأخ الأكبر

 

عزيزي الأخ الأكبر،

“الناس بتاكل في بعضها .. مش واكل”.. أتذكر جيداً تلك الكلمات، اقتباسك لفؤاد حداد، إنها حرب الجميع ضد الجميع كما كنت تقول دائماً، أتذكر كل شيء.

لا أعلم لماذا لم تغب عن ذاكرتي أحاديثك حتى الآن، ربما أنا مغرم بالكلمات، أو أن الأشياء الصادقة تعلق بالذاكرة ولا تُنسى.

عزيزي، منذ زمن لم أرك، أشياء كثيرة تغيرت، حياتي الآن أصبحت مسلسل متوالي من السير إلى العمل والعودة منه حاملاً حقيبتي الثقيلة فوق ظهري، لا أحتاج إلى كل ما فيها، لكنها بمثابة حماية وأمان، من ماذا لا أعلم، لكني استريح أكثر بصحبتها.. بالرغم من أنها تثقلني حقاً، لكنها توفر لي الاحتماء واللهو بها.. ربما أتظاهر أحياناً بأني أعبث بما فيها عندما لا أجد ما أقوله لهؤلاء.

تَعلمُ يقيناً أنني لا أحب الأعمال الروتينية، عملت بالصحافة لتنوع أحوالها، النهار يختلف عن الليل واليوم ينفي ما قبله، أخبار مبعثرة عن محاكمات معروف مصيرها سلفاً، باتت سلعة رخيصة لا تجد من يشتريها ولا تحقق رضاءً أو إشباعاً كما كانت من قبل .. الأشياء تفقد بريقها حقا حين التعوّد عليها، الاعتياد آفة.

يقولون أننا شعب كرويُّ بطبيعته، لا أدري، لا أجد ضالتي فى مباريات كرة القدم .. كرة القدم، هى مجرد قطعة من البلاستيك المطاط ممتلئة بالهواء يتقاذفها اللاهون، تطير في الهواء وتطير معها قلوب الملايين، وتطير ملايين الجنيهات من أجلها أيضاً.

لقد كبرت يا أخي، زال عني الانبهار، الشغف، يقيني بالأشخاص والأشياء، أصبحت ناضجاً أكثر وأبحث عن المال، أسعى بجدية أكبر وراء “أكل العيش” كما يريدون ليّ، زالت عني غشاوة الصغر وحماقة المراهقين، عرفت أن كل شيء بمقابل، لاشيء مجاني في هذه الحياة.

آه يا أخي أصبحت أشتري الحب أيضاً، حتى لو كان ظاهرياً، المادة تطغى والأحلام تزول، الآن أنا موظفاً جيداً ولست فناناً، أتذكر حديثك دائماً عن الصحفي الموظف والصحفي الفنان، جاهدت كي لا تُتهم بـ “الفن” وها أنا أعيد الكرّة، لكن يبدو أن الانطباع الأول يدوم حقاً.

قلت لي ذات مرة أن الإنسان لا يجب عليه تمضية وقته في محاولة إقناع من هم غير مقتنعين به من الأساس، أستشعر الأن تلك الكلمات بقوة.

أصبحت وحيداً أكثر فأكثر مع مرور الوقت، لا أنثى تعجبني أو تثير شهيتي، كلهن سيان.

المتنمرين السلطويين، من يُسيئون فهم أفعال الآخرين على أنها معادية لهم حتى لو لم تكن كذلك، نجاحك وعملك هو إيذاء نفسي للآخرين الذين لا يستطيعون اللحاق بك، ويعضون أناملهم على ما وصلت إليه، أفعل ما شئت لكن حاول ألا تثير أحقاد الآخرين.

قال لي أحد العارفين ببواطن الأمور، أن البشر ليسوا أسوياء جميعاً، ولا يجب أبداً قياس أخلاقك وطباعك على أخلاقهم، هم ليسوا أنت وأنت لست مثلهم.

عرفت أخيراً الصحافة مهنة وليست رسالة، لا رسائل فى هذه الحياة إلا تلك التي أكتبها إليك الآن.

نحن لا نكتب إرضاءً للجمهور كما تقول، نكتب فقط لنتظاهر، نكتب لنستعرض قدراتنا على زملائنا في الصحف الأخرى، نكتب حتى يمكننا العمل في أماكن أفضل، حتي نجد من يستأجر أقلامنا وأفكارنا بأموال أكثر أو بشروط أفضل.

حسناً عزيزي، دعنا من التأوهات والشكاوى، سأخبرك عن الأخبار الجيدة، لقد تغيرت طباعي، أصبحت أكثر لدداً في خصوماتي، لغتي تغيرت، أذكر حين قلت ليّ ” لا تتحدث هكذا مثلهم” .. لكني نجحت أن أصبح مثلهم، أحاديثي أصبحت ملتوية لتلائم السياقات والأعراف وموازين القوى، إلا قليلاً، ومازلت أحاول.

لطالما لم تعترف بموازين القوى وأنا مثلك، لكننا تغيّرنا كثيراً يا عزيزي، وأصبحنا نشبه من نكرههم!

أخيراً، آمل ألا تنقطع رسائلك عني.

المخلص لك،

مجهول

لا تعليقات

اترك رد