الإنسان العربي وعنف العولمة


 

يخضع الفرد العربي يوميا لعنف إدخاله في قالب العولمة قسرا, فهو عنف يمارس على الأجساد والنفوس. هذا العنف حاضر في العلاقات الاجتماعية, في الحياة اليومية، ويحمل نفيا له في ثبات, ويرجع إلى ضغوط اجتماعية وسياسية. وتنجح العولمة حين تدفع الشخص المهاجم إلى الشعور بالذنب والدونية مقارنة بالآخر وحين يحول هذا الإحساس ضده وضد محيطه جزءا من العنف المفترض أن يواجهه.

و في الوقت نفسه, فإن الفرد مهدد في كل لحظة بأن يفقد قيمته الأصيلة في ذاته وتراثه وعليه أن يخوض حربا من أجل الإعتراف الاجتماعي به, أي من أجل إعطائه قيمة، في نظره وفي نظر الآخرين. هذا الصراع الذي يظهر آمالا أحيانا وخيبات أمل أحيانا أخرى ونكسات متتابعة هي مصدر إذلال غير منتهي. والكثيرمن الأفراد لكي يبعدوا عنهم الألم, فإنهم لا يهتمون لما يفعلون أو ما هم عليه لأنهم غارقون قي ذاتيات متفرقة, أو يلجؤون إلى أشكال مختلفة من الهرب والتخفي.

الهويات الثقافية تتجابه وترتبط فيما بينها بطرق مختلفة أحيانا, فهي تتصارع وتتعايش بطريقة أو بأخرى، لكنها في صراع أبدي من أجل الوجود أحيانا ظاهريا أو خفيا. والمنافسة بين الأفراد والمجموعات من أجل فرض الذات تظهر أهمية المبادرات الإجتماعية التي تسمح للشعب بأن يحدد حياته الإجتماعية والثقافية والسياسية الخاصة بنفسه.

فنحن اليوم أمام مظاهر جديدة لعنف العولمة والرأسمالية المتوحشة ونظرية التبادل غير المتكافىء ونظرية التبعية. فمن الناحية الإقتصادية علاقات التبعية العربية للغرب فقد تكونت عن طريق تصدير رأس المال الذي يبحث عن أعلى معدل للربح،و هكذا فتحت مجالات إستثمار جديدة للرأسمالية وامبريالية حديثة. فلم تعد علاقات التبعية إقتصادية فقط بل سياسية وإيديولوجية وثقافية أيضا وبذلك نشأت علاقات عولمية في نظرهم غير متوازنة بين ثقافة أعلى وأخرى أدنى.

كما يجب الفصل بين الرأس المال الإقتصادي عن وظيفة المشروع الرأسمالي الإمبريالي, الذي يهدف إلى إخضاع العالم لنظام اجتماعي وثقافي واحد والحد من استمرار الثقافات الأخرى. إن ما تتميز به الرأسمالية الحديثة هو تحقيق أعلى ربح ممكن بوصفه هدف كل رأسمالي, وهذا يقود بدوره إلى تحقيق عدم تكافؤ التبادل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي بين الشعوب، الشيء الذي يؤدي بدوره إلى فرض عولمة كشرط لنجاح الإمبريالية الحديثة التي تهدف إلى القضاء على كل الإختلافات الممكنة.

وهذا ما يظهر جليا من خلال سيرورة تطور الرأسمالية الإحتكارية، حيث أصبح الرأسمال يبحث عن عملية التراكم خارج نطاق السوق القومية فتقدم له الإمبريالية الحل في شكل تصدير رؤوس الأموال والثقافة التابعة له.

وإذا كانت التنمية عموما معتقدا غربيا فإن إفلاسها هو أيضا تكريس لإخفاق الرأسمالية في العالم التابع, التي تريد إخضاع الآخر داخل عالم من الأغراض والمصالح الأنانية الخاصة, فضلا عن أن إيديولوجية النيوليبرالية المظفرة مصرة على ضرورة أن يقتنع العالم بقيمة الثقافة المصدرة له.

كما أن التركيز على دور العوامل الخارجية في إخفاق التنمية الشاملة، لا يعني غض الطرف عن دور العوامل الداخلية التي تفعل فعلها في خلق المآسي والكوارث لشعوبهم.

لا تعليقات

اترك رد