فسحة معرفة 15 – الدجالون والمقدس .. راسبوتين إنموذجاً


 

ان من اهم ما يميز المجتمعات المتخلفة. هو انتشار الدجالين والمشعوذين فيها، وكل المجتمعات التي تصاب بـ النكوص والتراجع الحضاري تعتمد على فتاحين الفأل والمشعوذين، وعادة ما يكون هؤلاء من اصحاب المواهب والقدرات التي تبهر الاخرين ، فهؤلاء المشعوذين يتقنون صنعتهم باقتدار وغالبا ما يغلفون أفعالهم بالدين والمقدس .

ما نراه اليوم في العراق من انعكاسات وارتدادات لهذه الظاهرة يجعلنا نتذكر شخصية طارت شهرتها في الآفاق إبان الحقبة القيصرية في روسيا، ففي نهاية حكم القياصرة وقبيل الثورة البلشفية ظهر رجل يدعى راسبوتين وهو فلاح قروي بسيط يتحول إلى راهب فريد من نوعه، يشفي المرضى بطرق غريبة ويسحر قلوب الناس بفصاحة كلامه، وبفضل موهبته وذكائه الفذ ورهبنته الغريبة أضحى الآمر الناهي في قصر القيصر بسانت بطرسبرغ، رجل لا يزال حتى الآن محط جدل ونقاش بين المؤرخين وغيرهم، إذ أن قصته لا تخلو من الغموض والغرابة وفي نفس الوقت الرهبة.

يتهمه البعض بأنه كان سببا في سقوط العائلة المالكة الروسية .

جاء من قريته الصغيرة في سيبريا ليحل ضيفا على واحدة من اهم المدن الروسية ومركز الثقافة الاوربية المطلة على خليج فنلندا ألا وهي سانت بطرسبورغ والتي سميت إبان الحقبة الشيوعية بـ لينينغراد . بعد مكوث راسبوتين لقترة قصيرة اصبح مالىء الدنيا وشاغل الناس وأصبح حديث المجتمع ،

لم يكن راسبوتين محظوظا حينما كان في قريته بل كان ندير شؤوم لعائلته، فتوالت المصائب والأحزان حتى لم يبقَ سوى راسبوتين وأبيه، حيث مات أخوه بعد أن أصيب بالتهاب رئوي، وبينما أخته كانت تغسل الثياب سقطت في النهر فلفظت روحها غرقا، وأما والدته فتوفيت حرقا بعدما التهمت النيران منزلهم.

أرسله والده إلى دير قرية فيرخوتوري ليصبح راهبًا، فأخذ هناك دروسا في اللاهوت والفلك وطب الأعشاب.

ورغم تشبع راسبوتين بالرهبنة، إلا أن هذا لم يمنعه من الخوض مبكرا في المغامرات الجنسية الفاضحة، حيث يجتمع مع أقرانه، ليمارس طقوس حافلة بالسحر والجنس، يقال إنه انتمى منذ مراهقته لجماعة خليستي، وهي طائفة دينية مسيحية ظهرت في القرن 17م، تؤمن بمعتقد غريب، مفاده أنه إذا أراد العبد إرضاء الرب عليه الانغماس تماما في المجون والخطايا، حتى يمكنه أن يتوب ويسعد ربه.
استغل راسبوتين مهاراته وشكله وخلط ذلك بالمقدس الديني، حيث كان يظهر في هيئة قديس يثير إعجاب كل من قابله بذكائه الفريد ورهبنته السحرية، أما عيناه الواسعتان الخضراوان فتثير الرعب في كل من رآها، فضلا عن هيام النساء وإعجابهن به .

لكن كل ذلك لم يكن يقنع ذلك الشاب القروي ويرضي غروره ، فقد كان يطمح بالكثير و بحلول عام 1905 وصل راسبوتين سان بطرسبرغ، والتقى فيها بعالم لاهوت يعمل رئيسا لأكاديمية دينية وكاهنا مشهورا لدى الملكة ألكسندرا ، استحسنه وزكاه ليكون من بين القديسين في القصر، الذين يستنجد بهم القيصر لحل مشكلاته الصعبة.

كان نيكولا القيصر الروسي وزوجته ألكسندرا قد أنجبا أربع بنات، وصبي اسمه أليكسي وهو ولي العهد، وكان ولد الإمبراطور مصابا بداء “الناعور”، مرض يمنع تخثر الدم حتى في أبسط الجروح، فيتعرض المصاب به لنزيف مستمر حتى الموت. ورغم العناية التي كانت تحيط بولي العهد من قبل الخادمات حتى لا يصاب بأي جرح، إلا أن نزيفا باغته في إحدى الأيام، فاستعان الزوجان الملكيان بالعديد من الأطباء والمشعوذين لوقف نزيف ابنهم، لكن دون جدوى، وكان قبلها قد مات عدد من أفراد الأسرة الملكية بفعل نفس المرض.
في تلك الأثناء كانت شهرت راسبوتين تتسع وحكاياته الغريبة تنتشر بين الناس. ، مما جعل الإمبراطور يستنجد به لعلاج ولي العهد وفعلا استطاع هذا الشاب ان يوقف نزيف ولي العهد ببضعة أعشاب مغلية قدمها له ، فانتشر خبر شفاء ولي العهد على يد راسبوتين بين العامة والخاصة، ما أضفى لقداسته رهبة ومقدرة عجيبة على الشفاء.

أصبح بعدها المستشار الشخصي للإمبراطورة ألكسندرا، وأقام في بلاط القصر. وخلال بضع سنوات فقط من إقامته تمتع راسبوتين بنفوذ واسع في البلاط، بعد أن تمكن من إزاحة منافسيه واستغلال قدراته ومكره للتقرب من الملكين.

كان راسبوتين يبدو قديسا مؤمنا ً امام الناس إلا انه كان شهوانيا إلى حد بعيد، يعشق النساء والخمور، فتحكي أساطيره أن لديه قدرة غريبة في إغواء النساء بما فيهم زوجات كبار البلاط.و يعزو بعض المؤرخين اكتسابه الحظوة في البلاط إلى مساعدة عشيقاته من زوجات كبار رجال الإمبراطورية.

كان راسبوتين أيضا يتقن التنويم الإيحائي مستخدما صوته فقط، وكان يفعل هذا الأمر فعله وسط العامة، الذين يمجدونه لدرجة قديس ذو قدرات خارقة، ويقال إن راسبوتين استطاع وقف نزيف ولي العهد بفضل التنويم لا بفضل الأعشاب.

كسب عددا كبيرا من المريدين والمتوددين ، فقد كان المجتمع محبطاً يخطفه اليأس. وكان فساد القيصر وجبروته يجعل الناس يبحثون عن المخلص.

فقد قام هذا الرجل باستغفال الناس عن طريق المقدس وصنع لنفسه هالة دينية. تجعله في مأمن من المكائد ، الا انه وقع في شر أعماله حينما ولع بالنساء حد الثمالة ، واستمال نساء القصر ، فقد خطط اربعة من رجال القصر للتخلص منه عن طريق السم الذي دس له على يد احدى النساء وذلك في العام 1916م .

كان راسبوتين بارعا باستغلال الدين وتدمير المجتمع ، فقد استطاع ان يسيطر على عقول الناس البسطاء والسذج ويوهمهم بان الله من ورائه . لم يكن راسبوتين الاخير الذي يستغل الدين ، فهناك العديد من هؤلاء الدجالين والمشعوذين اليوم ينتشرون في مجتمعنا باسم الدين وينشرون الفساد ويدعمون الفاسدين والسراق . لم يكن لدى راسبوتين قناة فضائية آنذاك ولكن اليوم هناك العديد من القنوات الفضائية التي تبث السموم وتنشر الشعوذة بين الناس وتل مع لنا الوجوه الكالحة التي تتستر بالمقدس وينطبق عليهم قول القرآن الكريم ( لو إطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) .

لا تعليقات

اترك رد