ماذا جنى الغرب من سوء التقدير والعمى الأيديولوجي والحاجة الدائمة لإنتاج أعداء؟

 

استيقظ العالم على مناخ الحرب الباردة في القرن الحادي والعشرين، لم تكن بقدرات روسيا بوتين بل تعود جذوره إلى إدارة الغرب الفاشلة للعلاقة مع روسيا في تلك المرحلة وقتها كان الغرب منتشيا يحتفل بالنصر ويطلق حملة لتوسيع حلف شمال الأطلسي نحو عتبات موسكو حتى عانى الروس من إحساسهم المرير بالإهانة من سياسات الغرب المتسمة بالصلف تجاه بلادهم.

سياسات بوتين للدفاع عن مناطق النفوذ التاريخي لروسيا في آسيا الوسطى وأوكرانيا ليست جديدة بدورها والتي أبلغت فيها موسكو نظرائهم الأمريكيين بأن تلك المناطق خطوط حمراء بل شبه دبلوماسيين روس بأن العلاقة بين روسيا وأوكرانيا مثل العلاقة بين نيويورك ونيوجرسي، رغم ذلك طلب بويتن انضمام روسيا إلى الناتو، لكن كان رد الغرب زمن بوش الابن بالتخلي عن معاهدة 1972 المشتركة للحد من الأسلحة الاستراتيجية.

تم تجاهل روسيا في احتلال العراق عام 2003 وضم دول البلطيق المجاورة لروسيا إلى حلف الناتو واندفعت المنظمات الأمريكية إلى دعم الثورات الملونة داخل حزام النفوذ الروسي في جورجيا وبعدها في أوكرانيا كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين روسيا والغرب.

ارتفاع مداخيل النفط والغاز في العقد الأول من القرن الحالي وجهت إلى تطوير الصناعات العسكرية وتحسين كفاءة الجيش الروسي في مواجهة حاسمة مع الغرب وتمكن الجيش الروسي من سحق الجيش الجورجي عام 2008 خصوصا وأن العالم الغربي دخل أزمة مالية ومن ثم استغل أزمة الشرق الأوسط وضم شبه جزيرة القرم ولاحقا التدخل المباشر في سوريا.

في عام 2013 اجتمع عسكريون أمريكيون لمدة أربع أيام وخرجوا بتقرير ضرورة إدارة الشرق الأوسط وأن الذهاب إلى الشرق الأقصى أضر بمصالح الولايات المتحدة، ما جعل إسرائيل تنفرد بالمنطقة، وتزداد شوكة إيران وهي التي جلبت روسيا لتغيير موازين القوى بالمنطقة ونصحوا أوباما أن علينا أن نعود إلى الشرق الأوسط ونتخلى عن الفوضى الخلاقة التي تتبعها الإدارة.

بعد مجئ ترامب يبدو أنه اطلع مثل هذا التقرير واختار عسكريون لهم خبرة بمنطقة الشرق الأوسط، وزاد ميزانية وزارة الدفاع بنحو 54 مليار دولار على حساب خفض ميزانية وزارة الخارجية، أي أنه جعل العسكريين أكثر أهمية في صنع السياسات الأمريكية أكثر من الدبلوماسية التي كانت سائدة في زمن أوباما، لكن ترامب رجل مال يرى أنه يجب التعادل في الصفقات، فعين على رأس الدبلوماسية رجل مال صاحب أكبر شركة نفطية.

كما أن زيارة الملك سلمان لشرق آسيا وتوقيع عدد من الاتفاقيات مع الصين وتوقيع شراكة مع الصين حول مبادرة طريق وحزام الحرير والتي تحظى بدعم 65 دولة تمثل 60 في المائة من سكان العالم ونحو ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي، أي أن الصين تفتح طريق الحرير الجديدة وسط قلق أوربي وأمريكي، لذلك لن يترك ترامب وهو رجل المال تلك المنطقة التي تتمتع بثقل جيوسياسي واقتصادي وديني وعالمي تنفرد بها الصين على حساب مصالح الولايات المتحدة.

التقاء المصالح ساهم في عقد عدد من القمم في السعودية، حيث وجدت السعودية في تلك العلاقة الجديدة التخلص من الحصار الإيراني المتحالف مع روسيا وتحقيق رؤية المملكة 2030 التي بحاجة إلى قدرات تكنولوجية لا تتمتع بها إلا الولايات المتحدة دون غيرها والإفراج عن الأسلحة الذكية التي أوقفها أوباما من أجل أن تحميها من المليشيات التي تهدد أمن المملكة في اليمن والبحرين ومستقبلا في سوريا بالتحالف مع الأردن.

في المقابل ربط ترامب هذه المنطقة التي قلبها المملكة العربية السعودية بأكثر من مليارين نسمة حتى لا تستفرد بها الصين بالاستقرار والتنمية، فكان التقاء المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة وتلك المنطقة لتحقيق أمريكا أولا وتحقيق السعودية أمنها في مواجهة المليشيات المنتشرة في المنطقة العربية في اليمن وسوريا والعراق، وفي نفس الوقت تحقيق التحول الاقتصادي بعيدا عن النفط كمصدر وحيد للدخل.

زيارة ترامب لم تسبب قلقا فقط لإيران بل كذلك لمسؤولين أمريكيين ممن يؤمنون بالفوضى الخلاقة التي كانت سائدة زمن أوباما، ما جعل تسعة من كبار المسؤولين السابقين في إدارة باراك أوباما في مقالة كتبوه ونشر في موقع ( بوليتيكو ) موجهة لترامب يستبقون زيارته للسعودية ونتائجها في الإضرار بالاتفاق النووي ونصحوا ترامب بعدم التورط في اليمن إرضاء للسعودية والإماراتيين.

لكن ما حدث أن حصلت السعودية على الإفراج عن الأسلحة التي أوقفها أوباما بنحو 110 مليار دولار وهو ما يعزز القدرات الذاتية إضافة إلى الشراكة في تصنيع الأسلحة وتوطين التقنية في السعودية.

ما حققته السعودية أنها استطاعت أن تفك رهن الولايات المتحدة بإيران زمن أوباما الذي تمكنت من التمدد نتيجة غض طرف الولايات المتحدة عن هذا التمدد مقل فقط التوقيع على الاتفاقية النووية، ولكن لن تدخل السعودية في حرب مباشرة مع إيران كما يعتقد البعض، حتى ترامب طالب بعزل إيران ولم يطالب بمواجهة إيران عبر الحرب.

تمكنت السعودية إقناع العالم التوقف اللعب بورقة الإرهاب، خصوصا بعدما امتد الإرهاب إلى أوربا وأمريكا وتسبب في موجة من نزوح اللاجئين الذي تسبب في بزوغ الشعبويين الذين يستخدمون تضخيم الإسلاموفوبيا وهددوا أوربا بالتفكك والذي سيكون في صالح روسيا والصين وإيران.

استطاعت السعودية انتزاع اعتراف من ترامب بأن إيران رأس الحربة في رعاية الإرهاب وأن المليشيات وعلى رأسها حزب الله مليشيات إرهابية وإن أضاف ترامب حماس على قائمة الإرهاب خدمة لإسرائيل، وسبقت زيارة ترامب السعودية وضع هاشم صفي الرئيس التنفيذي لحزب الله على قائمة الإرهاب.

اكتشفت الولايات المتحدة أن الاستراتيجيات السابقة التي نتج عنها توقيع الاتفاق النووي لتغيير السلوك الإيراني لم ينجح بل خلق فراغا تم ملؤه من قبل منافسين مما يفرض على دول الشرق الأوسط التخلي عن أمريكا كحليف والتوجه شرقا وهو ما فعلته السعودية بالفعل، لكن زيارة ترامب الأخيرة غيرت من البوصلة المستقبلية لصالح ربط المنطقة بالاستقرار والتنمية لتحفيز الاقتصاد الأمريكي بدلا من تركها للصين ما يثبت أن العالم مترابط المصالح ومترابط المخاطر.

لا تعليقات

اترك رد