استمرارية الوحي لدين الله الواحد

 

أن مسارًا مماثلاً للتطور والنمو قد وجَّه حياة البشر الدينية . ولعل الفارق الذي يميز هذه القواعد والأعراف الدينية المختلفة يكمُن في حقيقة الامر في كونها سُنّت بوضوح ، وفي كل حالة من الحالات ، كإحدى الخصائص الجوهرية لهذا أو ذاك من المظاهر الإلهية ، أضف إلى ذلك ان هذه الفوارق جسّدتها النصوص المقدسة ، وطوال قرون من الزمان صمدت هذه الأعراف والقواعد دون أن ينال منها شيء ، وحوفظ عليها بكل تفاصيلها .
بُناءً عليه فإن هذه الفوارق والاختلافات ليست صدفة من صدف التاريخ ولا استمرارُا لمنهجه في اكتشاف الصواب بعد تكرار التجربة والاستفادة من الخطأ . وبرغم أن بعض الخصائص المعينة لكل مجموعة من قواعد السلوك والأخلاق تستنفذ بمرور الوقت صلاحيتها وتتخطاها اهتمامات تختلف في طبيعتها عن تلك القواعد ، وهي اهتمامات يأتي بها مسار التطور والارتقاء الاجتماعي ، فغن تلك المجموعة من قواعد السلوك والأخلاق تبقى دون أن تفقد نفوذها وسلطتها إبَّان تلك المرحلة طويلة الأمد من التقدم والرقي الإنساني حيث كان لها دور حيوي في تربية البشر وتهذيب سلوكهم وتصرفاتهم .
ويؤكد حضرة بهاء الله القول :
{ إن هذه الأصول والقوانين والنظم المحكمة المتينة مصدرها واحد وشعاعها شعاع نور واحد، وكل ما اختلف منها كان حسب مقتضيات الزمان ومتطلبات القرون والأعصار . } [20]
ومن ثم يغدو الزعم أن الاختلافات القائمة بين الأديان في الشعائر وقواعد السلوك والتصرف وغيرها من النشاطات الدينية تنفي حقيقة أن الأديان السماوية واحدة في أساسها يغدو هذا الزعم باطلاً لانه يتجاهل الغرض الذي من أجله أُنزلت هذه الأديان.
ولعل الأخطر من ذلك أن مثل هذا الزعم يتجاهل الفرق الأساسي القائم بين ما لايتغير ولا يتبدل من سمات الدين وبين سماته المؤقتة الآنية حسب الزمان والمكان.
فجوهر الدين رسالة أبدية ثابتة الأركان، ووصف حضرة بهاء الله هذه الديمومة حين أعلن قائلاً: { هذا دين الله من قبلُ ومن بعدُ } [21]

فوظيفة الدين هي أن يمهد السبيل أمام الروح الإنسانية لترتقي وترتبط بخالقها في علاقة تتزايد نضجًا. وأن يسبغ على تلك الروح استقلالاً ذاتيًا متعاظمًا في ما تتحلى به من المُثل والأخلاق لتتمكن من السيطرة على الدوافع الحيوانية الكامنة في الطبيعة الإنسانية ، وفي هذا كله ليس ثمة تناقض بين التعاليم الأساسية التي تنادي بها الاديان قاطبة وتلك الإضافية التي يأتي بها كل دين لاحق من أجل هداية البشر ودعم تقدم مسيرته في بناء الحضارة الإنسانية .
إن مفهوم تعاقب المظاهر الإلهية يفرض الاهتمام كل الاهتمام بالاعتراف بالظهور الإلهي عند بزوغ نوره . وكان لفشل غالبية البشر مرة بعد أخرى في هذا المضمار نتائج تمثَّلت في أن جماهير غفيرة من الناس حُكم عليها بأن تخضع قسرًا للتمسك الشديد بالطقوس وتكرار مجموعة من الشعائر والوظائف الدينية عفى عليها الزمن واستنفذت أغراضها ، وباتت الآن عائق في سبيل أي تقدم معنوي . ومما يؤسف له في الوقت الحاضر أنّ فشل الاعتراف بالظهور الإلهي عند بزوغ نوره قد أدى إلى الإقلال من أهمية الدين والاستخفاف به . وفي اللحظة التي كانت الإنسانية تتطور تطورًا جماعيًا إذ واجهت تحديات عصر الحداثة ، كان مَعين الروحانية التي كانت الإنسانية تستقي منه وتعتمد عليه أصلاً في تنمية شجاعتها الأدبية وتطورها الفكري ، ينضب بسرعة ويتحول مادة للسخرية والتهكم . وقد حدث ذلك في بادئ الأمر على مستوى الأوساط صاحبة القرار في توجيه المجتمع، ثم انتقل إلى أوساط متسعة ضمَّت عامة الناس. ومما لا يدعو إلى كثير من الاستغراب هو أن هذه الخيانة التي تمثِّل أبشع أنواع التنكر للأمانة وأكثرها ضررًا والتي عانتها الإنسانية وزعزعت ثقتها ، قد نجحت على مدار الزمن في تقويض الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالذات . ولهذا يحث حضرة بهاء الله مرة بعد أخرى أولئك الذين يقرأون كتاباته أن يفكروا مليًا في الدروس التي لقنها تكرار فشل الاعتراف بالمظهر الإلهي عند بزوغ فجر رسالته .
{ تدبروا الأن وتفكروا قليلاً لمَ اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم ؟! [22] ماذا كان سبب اعتراض العباد واحترازهم .. [23] ” وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات “ تأملوا حينئذٍ ماذا كان سبب هذه الأفعال ؟ …. “[24] }
وليس من بين الحقائق الأساسية للدين حقيقة أبرز من تلك التي تنادي تباعًا نداءً وتنوِّه تنويهًا قاطعًا أكيدًا بأن الله إله واحد ، وبأنه خالق الوجود كله ، أكان ذلك العالم الغيبي أم تلك العوالم الغيبية القصية ، فها هو الكتاب المقدس يُذكِّرنا بقول الخالق :
{ أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي. } [31] وعززت هذا المفهوم فينا بعد تعاليم السيد المسيح والنبي محمد عليها السلام.
لقد وُجدت الإنسانية لتعرف خالقها وتُنفذ مراده ، فالبشر هم ركيزة العالم الوارثون له والأمناء والأوصياء عليه . وما التعبد لله إلا أسمى وسيلة يمكن بها للدافع الإنساني الخفي تلبية حاجة الإنسانية لمعرفة خالقها. فالتعبد لله حالة تستدعي أن يُسلم الإنسان أموره تسليمًا قلبيًا كاملاً إلى ذي القوة والسلطان الجدير بالولاء والتعظيم: { وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى الإله الحكيم وحده له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور.)[32] ولا يمكن الفصل قطعًا بين روح التقديس والإجلال هذه وبين التعبير عنها تعبيرًا يخدم بالفعل الهدف الإلهي الذي شاءه الخالق للجنس البشري : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم . ) [33] ويلقي هذا المفهوم ضوءًا ينير السبيل لتتوضح المسئوليات التي يتحملها البشر ، فيُصرِّح القرآن الكريم :
{ ليس البِر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب ولكن البِر من آمن بالله… وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين … } [34]
ويؤكد السيد المسيح لأولئك الذين استجابوا لدعوته قائلاً { أنتم ملح الأرض } [35]
ويضيف أيضًا { أنتم نور العالم } [36] ويلخص النبي ميخا في سؤال يسأله ، موضوعًا يعاد تكراره مرة بعد أخرى في النصوص العبرية المقدسة ويعود فيتكرر لاحقًا في الإنجيل والقرآن الكريم ، والسؤال هو : { وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعًا مع إلهك ؟ } [37]
تتفق هذه النصوص المقدسة فيما بينها على أنَّ توصُّل الروح الإنسانية إلى فهم غاية الخالق لن يكون بفضل مجرد ما تبذله من جهد، ولكن بفضل تلك الواسطة الإلهية التي تمهِّد السبيل لتحقيق ذلك. وقد شرح السيد المسيح هذه المسألة بوضوح لا يمكن أن ننساه، إذ قال { أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي.}[38] فإذا جاز لنا ألا نأخذ هذا التأكيد على أنه مجرد تحدٍ جازم لتلك المراحل الأخرى من مراحل ذلك السياق الواحد المستمر للهداية الإلهية ، فلعله من الجائز أيضًا أن نجد فيه تعبيرًا يوضح الحقيقة الرئيسية في كل دين من الأديان السماوية ، ألا وهي أن الوصول إلى حقيقة الغيب الباعثة على الوجود وعلى دوامه واستمرار حياته ، لا يمكن أن يتم إلا بواسطة الإشراقات المنعشة للروح والمنبعثة من ذلك الملكوت الإلهي .
ويجدربالذكر هنا أنَّ مِن أحب الآيات القرآنية إلى النفس ، تلك الآية الكريمة التي ترد فيها العبارة المجازية التالية : { الله نور السموات والأرض … نورعلى نور يهدي الله لنوره من يشاء . } [39]
أما بالنسبة إلى أنبياء بني إسرائيل فإن الواسطة الإلهية التي عادت إلى الظهور في ما بعد في المسيحية في شخص ” ابن الإنسان ” وبعد ذلك في الإسلام متمثلة في” كتاب الله ” قد اتخذت شكل ميثاقٍ مُلزم أبرمه الخالق مع إبراهيم الذي كان نبيًا وزعيمًا لقومه { وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا. لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك . } [40]
إن تتابع المظاهر الإلهية نجده في كل الأديان الرئيسية سٍمةً من السمات المذكورة ضمنًا أو علنًا في الغالب ، ولعل أول و أوضح إشارة إلى تتابع المظاهر الإلهية جاء ذكره في كتاب ” البهاغاواد – غيتا ” الهندي ( إني آتٍ وأذهب ، ثم أعود ‘ عندما تتضاءل التقوى يا بهاراتا ! وعندما يقوى الشر، أعود من عصرٍ إلى آخر واتخذ لنفسي شكلاً يظهر للعيان ثم أسير بين الناس رجلاً كغيري من الرجال، فأغيث أهل الخير وأدحر أهل الشر، ثم أقيم الفضيلة على عرشها مرة أخرى. )[41]
“دور يمضي ودَوْرٌ يجيءُ، والأرضُ قائمةٌ إلى الأبدِ”. سفر الجامعة-اصحاح1آية 4
هل تقبل القوانين الإلهية ان تخضع لسياسة الترقيع هنا أو هناك أو أن القوانين الإلهية تأتى بثوب جديد وحلة للإنسانية.
لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق، لأَنَّ الْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ الثَّوْبِ، فَيَصِيرُ الْخَرْقُ أَرْدَأَ. متى 16:9 . وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ الْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ الْجَدِيدَ، لأَنَّهُ يَقُولُ: الْعَتِيقُ أَطْيَبُ».لوقا 39:5
ولكل أمة أجل……..(49 يونس)
لكل أجلٍ كتاب………(الرعد 38)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ” (5السجدة آية 5)”
والأمر هو الرسالة الإلهية.
أي أن مدة أي رسالة إلهية على الأرض هو 1000 سنة وبعدها تعود لله سبحانه وتعالى ويرسل لنا رسالة آخرى تناسب الزمن في الأحكام والتشريع وتستمر الرسالات الإلهية ويستمر الوحي الإلهي بلا إنقطاع دائم بدوام ملك السموات والأرضين ودوام العلي المقتدر العظيم إلى أبد الآبدين..

لا تعليقات

اترك رد