في المقهى

 
الصدى - هل نشرب القهوة - زياد الجيوسي
لوحة للفنان نذير نبعة

قبل أن يزدحم المقهى..
انتهى من صُحُفِ  اليوم التي غَصَّتْ  بأنباء الوفياتِ
ومن قهوتهِ..
طالباً  من نادل المقهى..
الذي قَرَّرَ  أن يهجرَ هذا العملَ المٌتْعِبَ..
بعضَ  الماءِ
كي يأخذَ  في الموعد أَقراصَ دواءْ
قَبْلَ  أنْ  يزدحمَ المقهى.. كما في كلِّ يومْ
اقتَحَمتْ  عُزْلَتَهُ .. ذاكرةٌ تذبلُ  كالوردةِ  أحياناً..
وكالنهرِ  تَفيضْ
. . . . . .
. . . . . .
يبدأُ النهرُ  مع الضوءِ..
وتبدو السٌفُنُ  السودُ  التي خبَّأها  الليلُ..
على مقرُبَةٍ  من ثرثرات الصِبْيَةِ  الآتينَ..
من أقصى الحكايات ومن أدنى الوعودْ
كبروا..
واكتَشَفوا  النهرَ.. لَكَمْ  كانَ  حَييِّا ؟!
بعدَ  أَن  صارا بعيدين وما عادا كما كانا صغاراً..
نَسِيَ  النهرُ  ثمارَ  الليلِ..
إذْ يقطفُها  العاشِقُ  من دونِ  رَقيبْ
أتُرى  يذكُرُ  ماكانَ  من  الماءِ.. إذا  مرَّ  بنا..
يَسأَلُ  عنا
وفرحنا بهداياهُ  وما خَبَّأَ  من سحر المَسرّات..
وَكُنّأ..
نتوارى من  خَطايانا..إذا جاءَ  إلينا..
خَلْفَهُ..
صرنا بعيدينَ .. فَهَلْ يسأَلُ عنّا ؟
. . . . . .
. . . . . .
طافَ في مملكة الله.. رأى ما لايُرى
عاشَ كما كانَ يُريدْ
رافَقَتْهُ  لغةُ  الأسئلةِ  الأولى إلى حيثُ  مَضى
كُلَّما  حاوَلَ  أن يفتَحَ  أبوابَ  الرِضا
وقفتْ  بينهُما  نارُ  الغَضا
طافَ في ما تَفْتَحُ  الألفةُ  من حالٍ..
وما يغلقُهُ  الشكُّ..
أكانَتْ  مُدُناً  تلكَ  التي مرَّ بها؟
لمْ  يَبْقَ  منها..
غيرُ  مايُحكى لهُ عنها..
كما الرُهبانُ  في حفلٍ .. رآها
كلّ ما تَكْشِفُهُ  الروحُ  تُغَطيِّه المسوحُ
أفلَت أقمارُها.. قبلَ رجوعِ  الليلِ من سهرتِهِ
قَبلَ  عزوفِ  البحرِ  عن عاداتِهِ
كانَ  يخافُ  البحرَ..ينأى عنهُ  في الليلِ..
وما شارَكَهُ   في صَخَبِ  الموجِ  إذا جاءَ النَهارْ
. . . . . .
. . . . . .
في الضُحى يزدحمُ  المقهى بأخلاطٍ  من الناسِ..
كما المقهى..
فيحتاطُ  لهم بالصمتِ  كي يُحرجهمْ
أو يفتَحُ  الأبوابَ للحظة.. كي يخرجهمْ
مما بِهمْ
يَزدحِمُ المقهى به.. ماهذه الأسئلةُ  الجارحةُ..
التفَّت على ذاكرة تذبلُ  كالوردة أحياناً..
وكالنهرِ ت فيضْ
أيُها الغادي إلى شيخوخةٍ  مُربِكَةٍ..
كيفَ تآلفتَ  مع الوردِ الخُلاسيِّ..
وفارقْتَ النخيلْ ؟
. . . . . .
. . . . . .
راجِعاً  من آخر الليل إلى ليلٍ بعيدْ
كلَّما غاب عن السهرَةِ  مَوّالٌ ..
أتى لحنٌ  جديدْ
ذلكَ الليلُ  الفراتيُّ .. صلاةٌ  وغِناءْ
وانتظارٌ  وفَناءْ
يُقْبِلُ  البُنِّيُّ  محمولاً على الموجة.. يدنو ساخراً..*
مِنّا..
سَكَرْنا ..
رَحَلَ  النهرُ  إلى نجمتِهِ  الأُمِ.. حُرِمْنا من عطاياهُ..
وأَطْفأنا  كوانينَ  الشواءْ
. . . . . .
بعدَ  أن  يزدَحِمُ  المقهى  بأفواجِ  الرمادْ
تَلِدُ  اللحظةُ  بركاناً ثقيلَ  الظلِّ من نسج الخَيالْ
أيُجاريها.. ويجري خَلْفَها ؟!
لا..
هل رأى فيها الذي كانَ بِهِ ؟!
لا..
غادَرَ  المقهى إلى الشارِعِ  لايبحثث عن شيئٍ..
غداً  سوفَ  يعودْ

لا تعليقات

اترك رد