ملف الإنسان المفقود في زيارة ترامب الي الخليج

 

أسفرت زيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب الي المنطقة عن رسائل اقتصادية وسياسية واجتماعية صبت جميعها في محتوى التفوق الرأسمالي وآليته العميقة في دعم وتوطيد مناطق النفوذ والمصالح والهيمنة السياسية لمدة طويلة، وخصوصا ان زيارته التاريخية الاولى شملت المملكة السعودية واسرائيل والفاتيكان في اشارة رمزية الي مكانة هذه الدول في مسألة الأديان الكبرى الثلاث. ويمثل ترامب بعد فوزه في الانتخابات الامريكية مرحلة جديدة من العودة الي الداخل الامريكي وبناء عظمة الولايات المتحدة الامريكية وتوفير الوظائف وتقوية الاقتصاد ودعم حلفاء امريكا، ورغم محاولات عزله من الكونجرس الامريكي بحجة موقفه حيال قضية التدخل الروسي في السياسة الأمريكية وعزله لمدير الـ FBI، واستمرار تدني شعبيته في الداخل الامريكي. إلا انه استطاع وبفضل نتائج زياراته المختلفة من توطيد مكانته باعتباره الرئيس الذي يهتم بمصالح الدولة العظمى الاولى ويعقد الصفقات التاريخية المثمرة لكلا الأطراف ويحارب الارهاب الدولي.

وقد كان لزيارته الي المملكة السعودية أثرا كبيرا مازال صداه يتردد الي اليوم بين ما تريده الشعوب الخليجية من امريكا وبين الواقع السياسي الجديد الذي يريد ترامب فرضه على العرب والمسلمين بالسلام مع اسرائيل وبتعزيز المواجهة مع ايران وبدعم التحالف الغربي ماديا بأموال كبيرة مستمرة وصفقات سلاح مليارية لمدة عشر سنوات. وقد عقدت المملكة السعودية بنجاح عدة مؤتمرات على هامش زيارة ترامب منها ماهو ثنائي ومنها ماهو خليجي ومنها ماهو عربي اسلامي، وتوجت زيارته بافتتاح مركز محاربة التطرف للقضاء على الارهاب الذي تم تحديده بشكل واضح لمواجهة النفوذ الاقليمي لايران وتياراتها المختلفة في لبنان والعراق وسورية مع اشارات الي الارهاب الذي تقوم به تيارات الاسلام المتطرف في بقاع العالم.

ورغم التركيز الامريكي والعربي على نجاح الزيارات المختلفة، الا ان المؤسف والمخجل ان يختفي ضمن هذه الزيارات والمناقشات والمؤتمرات ملف حقوق الانسان والحريات ودعم الديمقراطية والعلمانية المثقل بالانتهاكات والدماء والوحشية في منطقة الخليج والعالم الاسلامي.

فالموقف الامريكي الداعم للحريات المدنية، وان كنا لا نراهن عليه مؤخرا، الا انه في الوقت الحالي يمثل الأمل والفرصة لكل الشعوب المضطهدة التى تعيش القمع والاستبداد، فلن تنفعنا تلك الصفقات المليارية في صنع التقدم ولن يفيدنا مركز مكافحة التطرف في محاربة الارهاب الاسلامي ولن يتحقق السلام بالتأكيد مع اسرائيل طالما ان المواطن العربي ما زال مهددا في وطنه وما زال مقموع الكلمة وما زال فاقدا لكرامته وحقوقه وارادته. والأهم، لن تحمينا الولايات المتحدة الامريكية بدون أموال النفط. فالتاريخ يخبرنا أن الدول التابعة تظل دولا ضعيفة اذا لم تبني الانسان وتؤمن بالحريات والتعايش والعلم.

لقد كشفت زيارة ترامب الي منطقتنا كم نحن ساذجون ومغفلون، وكم نحن نهتم بسفاسف الامور ولا نهتم بالإنسان والكرامة والحريات والديمقراطية، فقد اهتمت غالبية شعوبنا بزوجة ترامب وابنة ترامب اكثر من المسجونين بتهمة الرأي وأكثر من المهددين بالحبس والملاحقة والتهجير وأكثر من الفساد المستشري وأكثر من مؤشرات التخلف وانهيار التعليم وتوحش المؤسسات الدينية واستبداد الأنظة. فنحن لم نطالب ترامب بدعم الحريات وملاحقة المستبدين وتغيير المناهج وانشاء مراكز التنوير بقدر ما ساعدناه على حماية الانظمة التى تشكل تهديدا لنا.. ولكن لحظة ،، كيف نطالب الرئيس الامريكي بذلك؟؟ وكيف بالأساس نتوقع دعمه ونحن جبناء عن مواجهة الاستبداد الديني والسياسي؟؟ وعاجزون تماما عن تحمل مسؤولياتنا التاريخية في النهضة والتحرر؟؟ ومستسلمون تماما بل ومشاركون في الفساد والتردي والانحطاط، فجل نخبنا المثقفة والسياسية مترددة وخائفة ومتصالحة مع الانظمة والطغاة والدين ومع المصالح والمناصب، فالمبادئ والشعارات الوطنية والاصلاحية والديمقراطية في منطقتنا الخليجية والعربية ماهي الا شعارات ترفع في وقت الفراغ وبحسب الدفع على ان لا تتجاوز الخطوط الحمراء والتقاليد والدين وكرسي الحاكم. فهل بعد هذا الخنوع الشعبي نتوقع ان يأتينا المخلص من الغرب لينقذنا أم ان الانقاذ فعل ذاتي ومنهجية وطنية تفرض شروطها وخياراتها على الجميع؟!!.

إن كانت زيارة ترامب قد نجحت سياسيا واقتصاديا في عقد الصفقات وتدعيم منهجية الحكم القبلي الديني وتشغيل مصانع الأسلحة وتهديد ايران وحلفاؤها، الا انها فشلت في أماكن أهم، في الإلتفات الي الانسان المقهور والديمقراطية المفقودة.

لقد تحولنا اليوم وضمن صراع القوي الداخلية وتدخلات القوى الخارجية الي أدوات ومحركات طائفية ومذهبية، فلم نكتفي بالتخلف الاقتصادي والعلمي الموجود بل وأضفنا عليه عبئا جديدا على الوضع العام بأن استمرأنا الجدال الديني والسياسي على مرجعية دينية لم نأخذ منها ما يحض على السلام والمحبة، بقدر ما أخذنا منها ما يحض على القتال والكراهية واستنشاق رائحة الدم، ولعل ما يحدث في سورية والعراق واليمن وحتى لبنان ومصر ماهو إلا تداعيات خطيرة طالت الدول العربية وحولتها الي مستنقعات دينية غرقت الشعوب داخلها.

1 تعليقك

  1. استاذي تتكلم عن صفقات اسلحة وتجهيزات عسكرية ومن ثم تريد منهم الحديث عن ملف حقوق الانسان !!
    دولة امريكا التي تتصدر القائمة الدولية في مجال حقوق الانسان في الوقت الذي تنادي بحقوق الانسان تبيع السلاح للقتال ، عزيزي ليس هناك حقوق انسان في السياسة الرأسمالية ، غير ذلك لعب ونكون سذج واغبياء نعيش في وهم هذه السياسات المادية العاشقة للدم ، انتهى

اترك رد