التصوف .. لماذا ؟


 

فى السنوات الأخيرة وبعد ظهور المد السلفى والجماعات المتشددة والإرهابية منها بأسماء مختلفة تتخفى تحت عباءة الدين والسلف من الصحابة والتابعين …..ظهر على الساحة مد موازى ، وغير ممنهج وغير مرتب ولكنه فى ازدياد مستمر لعشاقه ومحبيه حتى لو لم يكن هناك انتماء له .

فظهور الوجه القبيح لكل تجار الدين الذين تخفوا تحت عباءة السلف الصالح الذي هو منهم برئ ونسبوا لهم من اقوال وافعال ليست لهم ، وتاجروا وقتلوا ودخلوا عالم السياسة والحكم باسم الدين ، جعل العامة تنفر منهم وتدينهم ويتبرؤون منهم ومن افعالهم واقوالهم بل ويتخلصون منهم ومن حكمهم .

وذلك مما جعل الكثير يبحث عن شيء او طريق اخر ليروي ظمأه الروحي الذي كان يظن وجوده مع هؤلاء الذين تاجروا بعقيدته وروحانياته ..

وبعض اخر من جيل الشباب ..كفر بكل عقيدة وكل دين ..نتيجة شعوره انه خدع وان كل الرموز التى كان يعتبرها قدوة ..انكشفوا له وظهروا انهم اصحاب دنيا لا اصحاب دين .

من هنا ظهر بحث هؤلاء عن التصوف ..علهم يجدوا فيه مالم يجدوه عند الذين تاجروا بعقيدته ودينه .
فبدأوا قراءة التصوف وبدأوا يعرفون اسماء أئمة المتصوفين وبدأوا يقبلون على احتفالاتهم وحفلاتهم .
والصراع بين ما يسمى بالسلف أو السلفيين وبين التصوف أو الصوفيين صراع كبير ….

ولكن الحقيقة التاريخية تقول انه ليس هناك ما يسمى بالسلفيين ..ولا مذاهب سلفية وكل مارأيناه فى القرن الماضى وحتى الأن .ليس الا جماعات تاجرت بالدين وبالسلف الذين هم صحابة النبى وتابعيهم للوصول للحكم ..كذلك لا يوجد مذهب صوفي معين ..لان الصوفية ليست مذهب وليس لها فقه معين ولا شرائع مذهبية معينه كما فى الفكر السلفي الذي اخترعوا له شرائع ومذاهب كثيرة ..
وكل مذهب له فكره وله فقهه ..بين التكفير والتحريم والثواب والعقاب …

اما الصوفية ..فكل أئمتها واعلامها من أمثال بن عربي والجنيد والشاذلى والحسن البصرى وعمر بن الفارض وغيرهم ..

يقولون ان التصوف ..هو ما يتفق مع الكتاب والسنة ولا يخرج عن ذلك ولكن منهجهم ليس علم الشريعة من فقه حدود وفقه الحلال والحرام فقط ..ولكن هناك علم الحقيقة ..وهو كيفية الوصول إلى الله بالله وإلى مقام الإيمان والإحسان …..والصوفي فى عرفهم من صفا قلبه وسلك الطريق إلى الله واصبح الله عنده كل شيء.

ونستطيع ان نقول ان التصوف ..طريق ومحبه وزهد وإخلاص يؤدى لمعرفة الله وحبه والزهد فيما عند الغير والبحث عن السلام النفسي والرجاء فى الله وماعند الله وماسوى الله عند الصوفي باطل .
واهل التصوف لا يبحثون عن جاه ولا عرش ولاسياسة…من اجل ذلك بحث اصحاب السياسة عنهم ..واصحاب العلم عنهم وأصحاب الدين عنهم ..فان لم يصبحوا منهم لم يكرهوهم ولم يبغضوهم ..
ولكن ماعاب ويعيب عليهم ويأخذه البعض ضدهم ..مظاهر الاحتفالات بالأولياء التى تقام لهم الموالد كمولد الامام الحسين وأل البيت وموالد الأولياء المشهورين كالسيد احمد البدوى، والرفاعى وغيرهم فى مصر او بعد البلاد العربية كالعراق …وهذا ما اخذه عليهم السلفيين واتهموهم بالخروج عن الشرع ..واحيانا كفرهم بعض منهم من المتشددين .. ولكن ليست هذه المظاهر والاحتفالات هى التصوف …فى حقيقته .

وليست كثرة الطرق الصوفية .. واختلافاتها باختلاف شيخها هى التصوف فى عمقه الحقيقي …

لان الصوفي يكابد ويعانى ويجاهد نفسه ويجتهد فى عبادته ..ويسهد ويسهر ويصمت وان نطق لا ينطق الا بذكر الله ..هو يريد ان يصل الى هذه المرحلة ..ان يكون كل فعل له لله وبالله ..حتى ينقي نفسه من كل حب للدنيا فى قلبه ..فيصل الى مرحلة من الشفافية والنقاء ونور بالقلب مصدره الحب الذي يبحث عنه .

ويصل ايضا الى مرحلة اخرى اسمها الإستواء ، وهى المرحلة التى يتساوى عنده فيها التراب او الثرى بالذهب فيصبح لا فرق عنده بينهما ..وهو هنا يقول :
إذا تساوى الثري بالذهب عند الإنسان …لاستطاع ان يمشى على الماء …ذاك هو المقام العلوى الذي يتمناه الصوفى وهوهنا فى هذا المقام يرى الخضر عليه السلام رمزا له فى العلم اللادنى وعلم الحقيقة وعلم اليقين وعين اليقين الذى علمه الخضر لسيدنا موسي عليه السلام …والصوفي مثله و قدوته ايضا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..فهو إمامهم ويعتبرونه إمام المتصوفين وأنهم اخذوا علم التصوف منه صلى الله عليه وسلم ..من خلال سلوكه وزهده وسيرته ..واخذوا ايضا من الأنبياء كثيرا كسلوك سيدنا عيسي عليه السلام وتقشفه وزهده وحبه للمساكين .

فالتصوف اذا هو ما يتفق مع الكتاب الذي هو القران والذكر الحكيم والسنة الصحيحة التى ياخذوها من النبي ..وخاصة فيما يتعلق بزهده عليه الصلاة والسلام ..اذا نستطيع ان نقول ان كل صوفي هو سلفي ..يأخذ من نبع القران والسنة الصحيحة …وليس كل سلفى صوفي ..لآنه يأخذ من شيوخ السلفية وفقه مذاهبهم المختلفة فمنها قد يقترب من السنة الصحيحة وكثيرها من يتقول ويؤلف سنة واحاديث على مزاجه وهواه ..ومن هذا نشأ التطرف والارهاب الفكرى والفقهى فخرج من تلك العباءة الارهاب المادى والجماعات الارهابية .

من اجل ذلك نجد رغبة الكثيرين من كل الفئات والأوساط الثقافية والفكرية يسعون الى معرفة التصوف الحقيقي…علهم يجدوا ارتواء لظمأ الروح
فى ظل عالم مادى مليء بالمتناقضات وبالخوف من الغد والمجهول .

لا تعليقات

اترك رد