القلق بين جدليّة النّصّ وجدليّة الواقع المعيش


 

على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي
أُوَجّهُها جَنُوباً أوْ شَمَالاً (المتنبّي

يستدعي هذا البيت للمتنبّي وقفة خاصّة جدّاً أمام عظمة مجد الشّعر الّذي يخلقه الشّاعر كي لا يموت. بل كي يقف أمام الموت وجهاً لوجه ويتحدّى غموضه والتباسه ويمضي قدماً بوهج ذاته الشّعريّة إلى الحياة.

يقول محمود درويش: “سنكتب من أجل ألّا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا”. وكأنّي به يولي الكتابة تحديداً الشّعر فعل الخلق المناهض للموت. فمن عمليّة الخلق يتفرّع بناء المجد الّذي يؤسّس للحياة الخالدة.

لا يدخل معنى الخلود هنا ضمن الإطار الدّينيّ المبشّر بحياة أخرى تسهم في التّعويض عمّا حُرم منه الإنسان هنا ليحقّقه أو يناله هناك. وإنّما الخلود في الذّات الشّعريّة يعبّر عن اكتمال عشقيّ، قوامه الخلق والمجد اللّذان إن فُقدا في الشّعر دلّا على خلل في النّصّ الشّعريّ، بل انتفى معنى الشّعر.

والشّاعر إذا ما تماهى مع فعل الخلق خضع للإلهام الّذي يشكّل صدمة انفعاليّة تفقده اتّزانه الدّاخليّ لينشأ عنه اتّزان آخر كما يعبّر عنه De la croix . هذا الخلل في الاتّزان يفسّر حالة خاصّة عند الشّاعر، تتّسم بالانقطاع الذّهنيّ يحلّ مكانها حالة وجدانيّة عنيفة، تُخرج الشّاعر من ذاته إلى ذاته. فتكون لحظة خاطفة، تومض وتتمخّض ليتمّ فعل خلق النّصّ الشّعريّ.

يلاحظ القارئ هذا الانفعال الوجدانيّ في النّصّ حتّى وإن لم يفهمه، أو يفهم مضمون النّصّ. فإحساسه هنا هو الأهمّ، أو الصّدمة الأولى الّتي تنشأ عند قراءة النّصّ. ما يقود إلى أساس أوّل في قواعد النّصوص الشّعريّة، إذا أمكن الحديث عن قواعد، ألا وهي إثارة الحسّ الوجداني عند القارئ/ Exitation . يقرأ، فينفعل، فيتلمّس فعل الخلق في النّصّ الشّعري.

بيد أنّ الشّعر إذا خلا من إثارة وجدان القارئ وإصابته بحالة من اللّاحركة الذّهنيّة، حال دون لقاء الشّاعر والقارئ في النّصّ. فذاك يدلّ على أنّ الشّاعر أضاع بوصلة الإلهام. فكَتَبَ بدل أن يُكتَب، باح بدل أن ينقاد لانفجار الشّعر في عمق أعماقه.

سأسوق مثلاً يبدو بعيداً غائراً، لنصّ شعريّ للشّاعرة الجزائريّة سيليا بن مالك بعنوان “جدليّة”.

بدت فيه الشّاعرة مستترة أكثر من منطلقة، في خوضها غمار الشّعر. غير خاضعة للإلهام الشّعريّ. اتّسم النّص بالصّور الخياليّة الإبداعيّة، وأظهر اضّطراباً ما في عمقها لكنّه خلا من الإثارة الوجدانيّة. خاصّة أنّ الشّاعرة مدركة لكونيّة الشّعر، وفعله الجماليّ ومؤثّراته في النّفس. فانطلقت من كونيّة العناصر لتدلّ على ذاتها.

ولمّا كان العنوان “جدليّة” ينبئ بإثارة قلق السّؤال عند القارئ، إلّا أنّ النّصّ انزاح إلى شرح قلق الشّاعرة بدل دفع القارئ لاستلهامه.

مَنْ يباركُ؟ ومَنْ يُعزّي؟

بدا السّؤال مجهولاً مبهماً، وتستعين به الشّاعرة للفصل بين كونيّة العناصر الّتي ارتأت اكتمالها بشكل متناقض، والانتقال إلى حضورها الخلّاق في القصيدة.

فلتصافح التّعازي التّهاني، في جدليّـةِ الحيـاةِ المَـوّارة..
وليكتمل البدرُ بكسوف الشمس، في دورةِ الأفـلاكِ الأبـديّـة..
ولتغرد البلابلُ للطّيور الّتي تـرقصُ مثخنَـةَ الجراح..
ولتتخبّط الحروفُ في لجّـةِ نهـرِ دَمي..
ولتحرَّفِ الأوزان وتُبترِ القوافي

وليعوَج السطرُ ولتأخذ راحتها الكلمات.

وكأنّي بالشّاعرة ترجو هذا الاكتمال ولا تعاينه. بمعنى آخر، لا تخضع شاعرتنا للإلهام بل تعبّر عن تصوّرات شخصيّة تطرح من خلالها الحالات الاجتماعيّة الواقعيّة في ما يشبه الشّعر.

(لتصافح/ ليكتمل/ لتغرّد/ لتتخبّط/ لتحرّف/ ليعوجّ). هل أرادت الشّاعرة بلام الأمر، فرض ذاتها كمحوّلة لمسار الواقع؟ أم أنّها أرادت التّعبير عن أمل في تبديله؟ في كلتا الحالتين تسرّب من بين أناملها ماء الشّعر، على الرّغم من أنّها اعتنت بالصّور الخياليّة الإبداعيّة الوافرة، وذلك بصياغة المتناقضات ودفعها للاكتمال بعضها ببعض. اكتمال البدر بالكسوف، تغريد البلابل المجروحة، إظهار نوع من التّمرّد على القواعد والتّقليد (ولتحرَّفِ الأوزان وتُبترِ القوافي/ وليعوَجّ السّطرُ ولتأخذ راحتها الكلمات).

تبدو الصّور بديعة إلّا أنّها خالية من فعل الوحي/ النّبوءة الّذي يخلق صدمة انفعاليّة في نفس القارئ، تمكّنه من الوقوف أمام هذه السّطور للغوص في حنايا الشّاعرة واستنباط حالتها القلقة.

ولئن انتقلت الشّاعرة إلى فعل الخلق المرتبط بالأنا، أتت الأفعال معبّرة عن رغبة في تحويل مسار الكون.

اليومَ متّ.. واليومَ ولدتُ..
اليومَ انتهتِ الحكايةُ إلى بدايةٍ جديدة..
حَنّطتُ التاريخَ وبدأت تأريخاً جديداً..
اليوم أعرّي الزّيفَ لأسترَ اليقين..
وأمدُّ يدي لغدِ بحجم وطن..

الموت والولادة كجدليّة قائمة تفترض مساحة من الحركة وإن كانت آنيّة لحظيّة. (اليوم متّ. اليوم ولدت..) حركة واحدة، فعل واحد في قلب الشّاعرة. قد يؤسّس إلى بداية جديدة تعتزم الشّاعرة أن تخوضها. خاصّة أنّ الأفعال (حنّطت/ بدأت/ أعرّي/ أستر) تعبّر بشكل أو بآخر عن فعل خلق يفرض نفسه. ما يلبث أن يختلّ بعبارة (أمدّ يدي لغد بحجم وطن). وكأنّي بين البيتين التّاليين هوّة عميقة، أم أنّ الشّاعرة تعبّر عن حلم ببدايات جديدة. (اليوم متّ.. اليوم ولدت../ أمدّ يدي لغد بحجم وطن). فلو شاءت الشّاعرة أن تبيّن حالة الخلق لما استخدمت عبارة (أمدّ يدي لغدٍ). بين اليد والغد بعدٌ واضح. ترجو الشّاعرة ما لا تراه ولا تعاينه.

الشّاعرة مقيّدة من داخلها كما تعبّر هي ذاتها عن هذا القيد في السطور التّالية:

اليومَ ماتت ثواني الانتظار..
وأعلنت السّاعةُ الانكسار
مَنْ يُبارك؟ مَنْ يُعزّي؟
فأنا على قيد القيد في زنزانـة الحريّـة.

لكنّ القيد الّذي نتحدّث عنه هو غير القيد الاجتماعيّ والواقعي. إنّه القيد الّذي انساقت إليه الشّاعرة بدل الانطلاق للخضوع للالهام. فجعلت القسم الأخير متناقضاً مع ما سبق. لتعود وتطرح السّؤال المبهم المجهول (من يبارك؟ من يعزّي) فيختلّ معنى الحرّيّة الّذي أرادته في عمق ذاتها.

لعلّ الشّاعرة شاءت أن تعبّر عن حالة من الحرّيّة الدّاخليّة بمعزل عن المحيط المقيِّد، أو لعلّها أرادت إظهار ولادة جديدة في كينونتها بعيداً عن الواقع المرير، إلّا أنّه كان يلزمها الإصغاء إلى الوحي أكثر، وتسليم ذاتها له فيكتُبها بدل أن تكتبَه.

ولذلك فإنّ تلك الجدليّة المنظورة بأفق التّوقُّع والانتظار لدى القارئ أصبح لا وجود له، وسيظلّ القارئ يحرّكه قلق غير ذلك القلق الإبداعيّ الّذي أشار إليه المتنبي، قلق في التّلقّي والبحث عن دهشة النّصّ الّذي لم يخرج من العاديّ إلى شعريّةً اللّحظة والموقف والنّصّ.

لا تعليقات

اترك رد