إشكالية تدوين التراث الشفوي وبعض الإقتراحات للحفاظ عليه – ج6

 

-إشكالية تدوين التراث الشفوي:
إنّ التراث الامادي الشفوي يتميّز بالهشاشة فهو مهّدد بالتلاشي والإندثار والإضمحلال نتيجة تراجع تداوله شفويّا في نطاقاته التقليدية وإنعدام إعادة إنتاجة ونقص عدد الرواة والحفّاظ ،وعملية التدوين أي جمع المادة الأدبية ثمّ توثيقها بالكتابة والنسخ في سجلات ورقية أو إلكترونية يمثّل إشكالا واضحا بإعتبار أنّ التدوين يمثّل الإنتقال من الشفاهية إلى الكتابية والكتابة بطبيعتها مقصّرة نوعا ما في نقل المنطوق خاصة من خلال مخارج الأصوات فمثلا على ذلك نجد في النصّ الشعبي القاف البدوية المعقوفة بتثليث النقاط التي تعلو حرف (ق) هي من المخارج الصوتية التي يتميز بنطقها الشمال الغربي بصفة عامة وجهة سليانة بصفة خاصة ولا يمكن التعبير عنها كتابيا بقدر ما نعبّر عنها شفويّا لذلك فإنّ هناك فروق كبيرة بين ما يقال وما يقرأ ،لذلك فالكتابة هي إماتة وإعتداء على كل ماهو شفوي ،ونحن نعلم أنّ كلّ ما وصل إلينا إلى يومنا هذا هو في الأصل شفوي بإمتياز دوّن في الفترة التي نشطت فيها حركة التدوين أي منذ منتصف القرن الثاني للهجرة ،فالقرآن الكريم جاء شفويّا نزل وحيّا ولو ينزل مكتوبا وقع تدوينه فيما بعد من طرف أناس ثقات حتى لا يتلف وينسى .

يمكن القول إجمالا إنّ الشفوي بمجرّد إنتقاله إلى المكتوب تتغيّر نوعية تأثيره في المتلقي وبذلك وجب المحافظة على تراثنا الشفوي وإعادة إحيائه والعمل على النهوض به فكيف ذلك؟

إنّ ما يجعل التراث الشفوي يصمد في وجه الزمن هو تداوله ،ففي روايته وإعادة تداوله نحافظ على كل قيم الموروث لذلك يجب تدوينه صوت وصورة وكتابة وليس كتابة فقط للأسباب التي تّم ذكرها سابقا ،حيث تبدأ عملية الجمع بالذهاب إلى مصادر النصّ أي إلى حاملي النصوص ومؤديها ،أي إلى الذين يمثلون حفاظ الذاكرة الشعبية مع وجوب إحترام النصّ خاما في تكراره وإختصاراته وكلّ ما يردده الراوي ،أي كل ما يخّص الإلقاء الشفوي التقليدي.

1- بعض الإقتراحات للحفاظ وحماية التراث الشفوي:
للحفاظ على التراث الشفوي وحمايته من الإندثار والتلاشي في ظّل وجود الغزّو التكنولوجي وتفاقم العولمة التي عملت على طمس الهويّة وجب الإقتداء ببعض التّوصيات التي ستخرجنا من بوتقة التبعية وشبح التكنولوجيا الحديثة التي تهّدد تراثنا يوم بعد يوم ،لعّل أبرزها:
– إنشاء مخابر وجامعات تعنى بالتراث الشفوي لكل جهة رغم أنّ جلّ المناطق تتشابه في تراثها الشفوي
– تفعيل مادة بعنوان التراث الشفوي وتدريسها بداية من المدارس وصولا إلى الجامعات لترسيخ الأصالة في روح المواطن والعمل على تنميتها شيئا فشيئا
– إنشاء مسابقات على مستوى جهوي حول التراث الشفوي والتشجيع على ذلك بجوائز هامة لتحفيز المواطن على العطاء
– العمل على وضع إسطوانات تعنى بكل ما هو تراث شفوي للجهة وتوزيعها على المواطنين
– تنظيم مهرجان موسمي قار كل سنة على مستوى دولي بجمع الأدباء والرواة المحترفين والهواة وتقديمهم للموروث الشفوي الهام فمثلما هو موجود بالنسبة للسينما jcc والمسرحjtc لما لا نقترح أيام قرطاج التراثية jpo وفيها يتّم تقديم التراث الشفوي لكل جهة
– إعداد حملات تحسيسية وومضات إشهارية تعنى بهذا الشأن
– تكثيف القيام بملتقيات ومحاضرات جهوية ووطنية ودولية والإجتماع بالباحثين والبحث على العوائق التي تواجه القطاع والحلول المقترحة في ذلك
– تركيز جمعيات ونوادي للتراث الشفوي بكل جهة ولكل الفئات العمرية للتفاعل فيما بينها والعمل من أجل تسجيل ونشر أكبر عدد ممكن من الموروث الشفوي
– سّن القوانين التي تعمل على دفع التراث الامادي للتعامل به في الحياة اليومية كالعمل على إنشاء حلقات شعر وأغاني… في المقاهي والمطاعم.
– إنشاء دراسات وعمليات جمع وتصنيف وأرشفة وترويج لعناصر التراث الامادي
– إصدار قوانين لحماية هذا التراث الشفوي من السرقة والإتلاف.

الخاتمة
“لا يمكن أن تلغي شعبا إن أنت قتلته ولكن تستطيع أن تقتله إن إقتلعته من جذوره وتراثه” هكذا قيل لإعتبار أنّ التراث الشفوي هو ذلك المخزون من النصوص الشفوية التي إختزنتها الذاكرة الشعبية الجماعية كالأغاني والأشعار والأمثال والألغاز الشعبية والتي إنتقلت من جيل إلى جيل مشافهة.

ثّم أنّ المتأّمل والمتمّعن لتراثنا الشفوي على إمتداد فترة زمنية هامة يجده تراث هائلا مرّت عليه السنين وتعاقبة عليه الأزمنة وهو زاخر بكنوزه الثمينة، فهو تلك اللغة المشتركة في الكون والأداة التي توّحد آمال وتطّلعات شعبها، لكن الكثير والكثير من هذا التراث الشفوي إمتّد إليه النسيان والأهمال فبمجّرد موت عجوز تحترق مكتبة غير مكتشفة ،حيث دفن بعضه مع الأجيال السابقة ولم يصلنا من هذه الخيرات إلا القليل والقليل جّدا وحتى هذا القليل بدأ يتلاشى شيئا فشيئا لإندثار وأضمحلال ووفاة الرواة وبإعتباره تراث هشّ يتأرجح بين التهديد والذوبان وجب على كلّ باحث وإنسان غيور على تراثه أن ينقّض ما تبقى إنقاضه ويعيد الإعتبار إليه ،ولعّل ما قاله المفّكر والمستشرق الفرنسي “جاك بيرك”خير مثال “إنّ مستقبل العرب يتمثّل في إحياء الماضي،لأّن المستقبل في كثير من الحالات هو الماضي،أو الحاضر الذي وقع إحياؤه وعيشه من جديد”،خاصة في زمن الثقافة الرقمية التي تسعى إلى طمس معالم الهوّيات الوطنية للشعوب والأمّم وذلك حتى لا تبقى سوى هوّية واحدة وهي هوّيتهم التي يبذلون جهودهم للتعريف بها ويسعون إلى قطع الصلة بين الإنسان وتراثه حتى لا تكون له جذور وتراث يعتّز ويفتخر به أمام الأمم والحضارات الأخرى حيث جعلت الإنسان مجّرد آلة ورقم منبهر بهذا العالم متناسي ومتغافل الزمن الماضي الجميل أين البساطة والجمال والإبداع .
لهذا علينا أن نكون يدا واحدة وطموح واحد من أجل إحياء تراثنا الشفوي وإعادة الإعتبار إليه وإخراجه من أسره الذي كبّلتّه العولمة اللعينة،ونحن نعلم أنّ كلّ شي ممكن إذا توّحدت الجهود وتكاثفت.

لا تعليقات

اترك رد