متى تصب اللّغة تفقد صوابها


 

حين خصّب العرب رمال صحرائهم بعطر نفطهم أنبتت أرضهم زهو العمارة…أرض قلبت ظهر المجنّ لمن ماتوا فيها على إيمانهم بأنّ الحرف خصب الرّمل.

وحين خصّبت الشّعوب الشّرقيّة المتحجّرة لنسيان لين التّاريخ لها عزمها بانشطاريّة الرّفض خصّبت المحيطات بالبوارج الأسطوريّة تحسّبا لنوويّة الغضب.

وحين خصّب المعذّبون في الأرض بفيروسات الرّعب أنتجت الخرافة موادّ ها الجديدة لغسل العقول من الرّيبة ، فاطمأنّ الجميع إلى بياض النّوايا ، وأطلع علينا البيت الأبيض الأوحد في بياضه وجوها بيضا أو سودا ندعو لها حامدين بأن يبيّضها الله دائما ما دمنا ندرك أنّ الحدّ بين الأبيض والأسود نسبيّة المقولات وطواعيّة كيمياء اللّغة…

كم حاولت أن تروّض نفسك على عقلانيّة النّمطيّة ، وكم ارتدّ عليك ظلّك يزجرك ليردّك إلى جادّة الولاء لما فيك من هباء : “لا تهذ بلغة عضّها الدّهر بنابه فهي موجوعة تتخفّى في ذاكرة الذّاهبين إلى الغياب ، واحذر تنصّت أجهزة التّحريم والتّجريم والتّطبيع في دمك وفمك …واهنأ بإرثك …لا يحسن بك أن تكون كافرا بالنّمط كدرويشك الذي ابتلي بمهارات اللّغة فلم يسلم قلبه من تضخّم الحروف و عدم انتظام دقّاتها و ذبحتها المبكّرة ، ولم تنتقل عدوى تمرّد قلبه عليه إلى من له بهم صلة نمط …ولا تبك فقدك لدفق عزّك ، لم يعد في هذا الزّمان عزيز قوم لتطلب الرّحمة له من الذّلّ…الله في علويّة حكمته شاء أن يكون للعولمة ربّ واحد ، فالتّعولم حكمة ميزان الواحد الكامن في كلّ عدد…

لا يغريك قولي هذا بالتّصوّف ، بل عليك بالتّخوّف لأنّ جبّة الحلاّج قد بيعت في مزاد علنيّ لتلبسها المصارف والمخاوف …

حين كنت بهيّا في مقتبل الحلم أغرتك وردة باختزال الجمال في ريحها ، واليوم ترفض اختزال العالم في رأس نوويّ يتعطّر بريحان عبريّ وراح تآمر …

أما زلت تؤمن بحلم الجماعة ؟ ألم توقن بتشظّي الأحلام في مخابئها عند الانفجار الكبير الذي تمّ حين قذف العالم إلى راعي البقر فسكب المحيطات في سوط الرّعي وساق القطيع ؟

من أين لك بالفخر وأنت لم ترث غير صبر النّوق على الغلّة ؟ ألا ترى أنّ نوقك قد استبدلت احتياطيّها من الماء باحتياطيّ من النّفط من أجل احتياط الآخرين من نفاذ صبرك لتنصّب حارسا لحضورهم شاهدا على غيابك ؟

أتعجب أيّها الملتبس كتهمة فيها ما يدفعها وما يثبتها ؟ …ماذا بقي لك من حجّة لتدفع انهيارك أمام الفضيحة …”دمك الفضيحة” …فلا تنخرط في أيّ تأسيس يكافح إرهاب الالتباس معوّلا على صواب اللّغة، متى تصب اللّغة تفقد صوابها .

قال النّاسك المتعبّد الخادم لحرمة الصّلب تضحية من أجل سكّان البسيطة :” إنّ حمدك لنعمة ربّك بختم نبوّة الطّين بمحمّدك ليس ألاّ تواطؤا تاريخيّا مع الإرهاب”…لذلك عليك أن تتعبّد خارج التّاريخ ، التّاريخ الذي لم تعد تصلح له ولم يعد يصلح لك …بل ما حاجتك إلى دين وأنت الذي يدين بفضل قاتله عليه لأنّه إن شاء منحك اختيار مصرعك وأقام حفل شماريخ عنقوديّة تشهد السّماء على نزعك.

الحقيقة أنّ الموت واحد والنّبوءات كثيرة، فلا تحاول أن تتنبّأ بوصول عزرائيل إليك في قذيفة أو فضيحة أو قريحة …عليك أن تأتلف مع إرهاب نفسك لأنّ المجتمعات الرّاقية في حسّها الحيوانيّ وإنكار إنسانيّتك تخشي على شيب عجائزها من سواد قلبك ، ولأنّ التّاريخ لم يحتسبك في عداده إلاّ طرحا ، فعليك أن تروّض نفسك على أن تطّرح أرضا حتّى يحفر انفجارك قبرك …

أتسخر ؟ أنت المجهول كذرّة رماد ، المقتول منذ عهد عاد …تتسلّق ذاكرة الحروف في هرم التّاريخ لتنتهي إلى مهبط الأشقياء من الأدباء الذين تنبّؤوا ذات حالة شعوريّة بأنّهم أتوا الزّمان على الهرم ..وصدقت نبوءتهم عندما رأيت البرهان مرفوعا على قرون البقر لأنّ رعاته خصّبوا التّاريخ بجينات النّهب وزوّدوك بنكهة جديدة تتلذّذ بها في قرمشة هزائمك .”

لا تعليقات

اترك رد