نحن والآخر :ما أشبه اليوم بالأمس – ج1


 

الجزء الأول: الآخر مهماز الإصلاح بالأمس واليوم

شكل القرن التاسع عشر نقطة تحول هامة في تاريخ البلاد العربية,فقد استيقظت من سباتها العميق ونفضت عنها غبار عصور الإنحطاط والتحجر الفكري والعقم الحضاري.وجاء ذلك بعد صدمة اللقاء بالآخر عسكريا مع حملة نابليون على مصر واحتلال الجزائر وهزم المغرب في معركتي ايسلي وتطوان,وحضاريا من خلال الرحلة إلى الآخر إما في إطار بعثات دبلومسية أو تعليمية,واكتشاف مدى تقدمه وتطوره في مقابل تأخر البلاد العربية والإسلامية. ما ساعد على بروز علائم اليقظة في صفوف النخبة جلية وواضحة ,وهاته الرياح الجديدة إنطلقت من مركز الامبراطورية العثمانية في شكل إصلاحات,لتصل إلى مصر مع دولة محمد علي, وتونس مع أحمد باي وخير الدين باشا, والمغرب في عهد السلطانين محمد الرابع والحسن الأول.

فصدمة اللقاء بالآخر واكتشاف تفوقه عسكريا وحضاريا,جعل الإجابات تتبلور في شكل محاولات إصلاحية كان مصيرها الفشل لأسباب ذاتية وموضوعية.فما الآخر الذي نعنيه ؟ وماهو الإصلاح ؟

اتخذ مفهوم”الآخر” عدة تعريفات في المعاجم العربية,فعند ابن منظور في “لسان العرب” يعني الغير,كقولك رجل آخر وثوب آخر.وفي تاج العروس,هو أحد الشيئين بمعنى الغير,كقولك رجل آخر وثوب آخر,ثم صار بمعنى المغاير.ويعني”الآخر” في المعجم الوسيط أحد الشيئين من جنس واحد, بمعنى الغير.فالمعنى الغالب لكلمة الآخر في معظم المعاجم هو الغيرية أو المغايرة.

ويرتبط الآخر بالأنا في علاقة جدلية لا يمكن إلغاؤها أو تجاهلها,لأن طبيعة الحياة الحقيقية تجعل كل واحد منا شرطا لوجود الآخر,بغية فهمه والاعتراف به,فهما طرفان منفصلان ومتصلان,متفرقان ومتحدان في نفس الآن.

تجعلنا هاته المفاهيم نتساءل عن من هو الآخر الذي نعنيه؟أهو المختلف دينيا أو ثقافيا أو المغاير عرقيا؟هل معايير تحديده دينية أم ثقافية أو أثنية؟هل يميل الأنا إلى رفضه أو التكامل والانصهار معه؟أم تقليده ولعب مركز التابع؟

إن الآخر الذي نعنيه في دراستنا هاته, هو الغرب خصوصا دول أوربا الغربية لتأثيرها في صيرورة الأحداث في العالم الإسلامي,ومساهمة تقدمها في يقظة العرب بتأخرهم وميلاد دعوات للإصلاح ببعض الدول العربية. فماذا نعني بالإصلاح؟

اختلفت معاني الإصلاح الدلالية, حسب الحقول والميادين المعرفية واستعمالاته الكثيرة والمتعددة فهو قديم,قدم الفساد,وستظل صعوبة ضبط وتحديد مفهومه مستمرة,والكلام حوله مفتوحا وثريا ما دام هناك حاجة إلى إصلاح.

عرف ابن منظور الإصلاح في مادة”صلح”, بالصلاح ضد الفساد,صلح يصلح ويصلح صلاحا وصلوحا والإصلاح نقيض الإفساد, والمصلحة الصلاح والمصلحة واحدة المصالح, والاستصلاح نقيض الإستفساد, وأصلح الشيء بعد فساده أقامه . أما دائرة المعارف الإسلامية, فينطوي مصطلح الإصلاح حسبها, على الفكرة العامة للإصلاح ويشملها,وهو يدل في الكتابات الإسلامية المعاصرة على الإصلاح المتشدد بصفة خاصة. والمصطلح مشتق من فعل أصلح, الذي يدل تارة على معنى إجراء الصلح أو عقد الهدنة , ويدل تارة أخرى على معنى فعل الخير أو العمل الصالح.

وقد ورد فعل أصلح وحده, دون فعل صلح في القران الكريم في اثنا عشر موضعا,منها قوله تعالى”قل يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب”.فالإصلاح من منظور الفكر الإسلامي,هو العودة إلى الإسلام الصحيح وينابيعه الصافية( القران والسنة). فاستمرارية الإسلام تاريخيا وتطور أمته, ارتبطا بفكرة الإصلاح وما تخفيه من معان مادية ودينية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه, هل استعمل مصطلح الإصلاح خلال القرن التاسع عشر بالمفهوم الذي حددناه سلفا أم كانت له دلالة أخرى؟

عرفت كلمة إصلاح تطورا خلال القرن التاسع عشر,من حيث دلالتها المفاهيمية,حيث أصبحت تطلق على الاتجاهات الفكرية والحركة السياسية والاجتماعية التي ظهرت في العالم الإسلامي,بهدف تغيير الأحوال السياسية والاجتماعية,تغييرا لا يصل إلى درجة الانقلاب. فهو لم يعد مجرد حركة دينية ترمي إلى حماية الإسلام,بل صار أيضا نداء من أجل التقدم والبحث عن مستقبل أفضل. وجاءت هذه الرغبة نتيجة الوعي بالتأخر أو بالأزمة,والفعل الإصلاحي يهدف لإلغاء وتقليص المسافة والفارق ما بين الواقع الذاتي القائم وذلك القياس النموذجي.

يعد القرن التاسع عشر,قرن الاصطدام بأوربا وقرن الاستيقاظ,ففيه سقطت أجزاء عامة من العالم العربي في يد الاستعمار,ليكشف حجم الهوة بين الغرب والشرق,وعن حجم تقدم الآخر وحجم تأخرنا,وكيف استطاعت أوربا القفز بخطوات كبيرة عن باقي العالم ومنه العالم الإسلامي.

وقفة للتأمل

نلاحظ أن الآخر في منظومتنا الفكرية والحسية بقي إلى اليوم,هو نفسه الغربي المتقدم المتطور,وأن الإصلاح السياسي والاقتصادي والإجتماعي اليوم رهين بمدى الإقتباس منه, والإصلاح على شاكلته في إلغاء للذات.فالآخر هو السيد ونحن التابع,هو المتقدم ونحن عنوان التخلف.فأليست منظومتنا الفكرية في تعريفها ونظرتها للآخر والإصلاح هي نفسها, لم تتغير بين الأمس واليوم رغم تغير المسميات؟

لا تعليقات

اترك رد