من ذاكرتي الاذاعية: القبانجي ..والاذاعة

 
الصدى القبانجي والاذاعة

اعتاد الاذاعيون العراقيون الآحتفال في الاول من تموز كل عام بذكرى تأسيس إذاعة بغداد ويتم الاعداد لمنهاج حافل تنهض به كل الاقسام البرامجية بمشاركة عدد من الفنانين وحضور نخبة من الشخصيات الاعلامية والثقافية والسياسية ومباركة المؤسسات الصحفية العراقية والمماثلة في الوطن العربي.. وفي العام 1974 شكل مدير الاذاعة الناجح الاخ الاستاذ ابراهيم الزبيدي لجنة تحضيرية لوضع فقرات الفعاليات التي تناسب أهمية الذكرى ذلك العام… وكنت من بين اعضاء اللجنة التي ضمت الاساتذة الاذاعيين عبدالحميد الدروبي..حسين حافظ.. مشتاق طالب ..حافظ القباني.. بهجت عبد الواحد..أمل المدرس.. ونهاد نجيب.. توالت اجتماعات اللجنة وتوصلت الى وضع منهاج الحفل الذي اقيم حينها في حدائق نادي الصيد بالمنصور.. ومما تضمنه المنهاج افتتاحية بدخول احدى المذيعات حاملة بلبل الاذاعة وهو يغرد بصوته الشجي الذي كان يفتتح البث فجر كل يوم وسط اطباق زينت بالورد والياس والشموع وحفت بها الزغاريد.. ثم تقطع كعكعة الميلاد ويتواصل منهاج الحفل.. وقد كتبت حينها سيناريو وحوار لمشهد آختبار مذيع جديد أدى فيه دور رئيس لجنة الاختبار الزميل الاستاذ بهجت عبد الواحد أما المذيع المتقدم للاختبار فقد ادى دوره الزميل اكرم محسن.. وكان مشهدا تميز بروح المرح والفكاهة والدعابة وأسعد الحاضرين.. كما اقترحت اللجنة التحضيرية تكريم عدد من رواد الاذاعة والعاملين فيها اضافة الى فقرات منوعة وغنائية من بينها أداء الزميل غازي البغدادي أغنية الورد جميل مقلدا زكريا احمد بالزي الفولكلوري المصري وبمصاحبة التخت الشرقي ..

لكن الاهم من ذلك وهو بيت القصيد في موضوعنا أن الاستاذ عبد الحميد الدروبي لفت انظارنا الى انه علم بجفوة آنتابت فنان العراق الكبير محمد القبانجي ، رائد ومجدد مدرسة المقام البغدادية الحديثة والحائز على وسام مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة عام 1932 الى جانب منجزاته الابداعية الاخرى.. وآقترح الدروبي ان نغتنم مناسبة ذكرى تأسيس الاذاعة لدعوته بآسم المدير العام الاستاذ محمد سعيد الصحاف وتكريمه من قبل وزير الاعلام حينذاك الاستاذ طارق عزيز وسط حفاوة مديري الاذاعات والتلفزيون وحشد الاعلاميين والفنانين .. وتم الاتفاق على يقوم الدروبي وأنا بزيارته في مكتبه بشارع التجار والعمل على تلطيف الاجواء وكسب رضاه خاصة وانه يتمتع بعلاقة متميزة مع القبانجي الذي يكن له ولي أيضا المودة والتقدير.. وفعلا قمنا بزيارته فبادر الى الترحيب بنا كصديقين وليس كممثلين لمؤسستنا.. وما إن تململ صاحبي لمفاتحته حتى أطلق عتبا يطبعه الألم لكنه لم يصرح بالدواعي كما أحجم عن ذكر الاسباب.. ثم افاد بأنه أساسا مريض ومتعب وقد منعه طبيبه الخاص من السهر في مثل هذه المناسبات.. وقد عرفنا بطبيبه الذي كان يجلس بجواره.. فشكرناه متمنين له تمام العافية وودعناه على امل زيارته ثانية.. وخرج معنا الطبيب فآستثمرنا الفرصة ودعوناه الى إقناع فناننا الكبير وانه مدعو ايضا بشكل رسمي للحضور معه.. فوعدنا خيرا وافاد انه سيتصل بنا لاحقا.. مرت ثلاثة ايام ولم نتلق خبرا ، فبادر الاستاذ الدروبي الى الاتصال به وذهبنا مرة اخرى ..

وكان اللقاء مطولا دغدغ فيه الدروبي مشاعر القبانجي وفتح معه مايسره بشأن ريادته وآرائه وتجديده للمقام العراقي ، وأنه من رعيل الاذاعة الاول وهو ملك للمشاهدين والمستمعين الذين لادخل لهم بأية جفوة أو خلاف خلف الكواليس.. وقدم له الدعوة الرسمية التي هيأناها مسبقا والمطبوعة بآسمه بشكل خاص وبديباجة وصيغة فيها الكثير من الآعتبار .. وبينما هو يقرأ نص الدعوة أشرنا الى طبيبه بالتدخل لإقناعه فآستجاب.. عندئذ أجاب بالقبول على أن يحضر لمدة ساعة فقط ولا يدعى للغناء..!! وفي ذلك المساء الجميل كان حضور القبانجي بهيا وآستقبله واحتفى به الوزير وأجلسه الى جانبه وأثنى عليه بعبارات الاكبار والشكر على حضوره.. وبعد حوالي ساعة من الزمن همس الدروبي في أذني بآغتنام آرتياح القبانجي ودعوته الى المسرح.. استقبلت المايكرفون وآنتقيت أحلى العبارات التي توفي بحق فنان العراق الاول ..فنهض على الفور وصعد الى خشبة المسرح وتجلى بوصلة غناء ختمها بقصيدة بغداد للشاعر خضر الطائي : سلام على دار السلام جزيل وعتبى على أن العتاب طويل أبغداد لا أهوى سواك مدينة ومالي عن أم العراق بديل لقد زان القبانجي الكبير فنا وشأنا بدرره اللألاءة وأدائه العذب وصوته الرخيم أجواء تلك الآحتفالية التي لاتبرح الذاكرة.. فسلام على ذلك الرعيل النبيل الباهر .. وسلام على تلك الايام الخوالي التي لن يجود الزمان بمثلها..!!

لا تعليقات

اترك رد