فوتغراف رفعة الجادرجي ..


 

ستون لقطة فوتغرافية توثق الحياة العراقية بتجلياتها المتنوعة , التقطتها عين المعماري الرائد رفعة الجادرجي , وقدمتها السيدة بلقيس شرارة باضاءة تمهيدية وافية , لتصدرها مؤسسة المدى ضمن منشوراتها النافعة والانيقة طباعة ومحتوى , ولكي يتعرف القارئ على مبدع هذه الوثائق الناطقة , لابد من تقديم موجز عن الجادرجي رفعه باعتباره المنتج و الموثق لهذا الجهد الجميل ..

فهو ــ رفعة ــ ابن الطبقة المتنورة والذي تربى في كنف أسرة عريقة ساهمت في ارساء مرتكزات عراق مدني منذ نشأتها الأولى , ولم تقف بعيداً عن حراك الجماهير وتطلعاتها لترسيخ الحياة الديمقراطية ــ ولو في اشكالها وتطبيقاتها الوليدة ــ فالجادرجي رفعة ــ أمد الله في عمره ــ ابن الشخصية العراقية المعروفة بشخص الراحل كامل الجادرجي الذي لعب دوراً مهماً مع مجموعة من زملائه في رسم معالم عراق متحضر ينعم بالعدل والديمقراطية , وقدّم الكثير من التضحيات على ذات الطريق السوي عبر العمل السياسي المنظم والصحفي المشهود له بالتحدي ومجابهة الظلام ومشعلي الحرائق , في مثل هذه الاجواء نشأ رفعة الأبن ,

وأطلع عن قرب على واقع الحياة اليومية في تلك الايام , واختار الفوتغراف هواية لتوثيق مفردات الواقع عبر عين ناقدة حريصة على ادانة كل ما هو قبيح فجاءت لقطاته التي قاربت الثمانين الف صورة لتسجل لنا ما غاب عن العين و ما تجاوزته ذاكرة الأجيال التي دوختها وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال الحديثة التي شغلتها عن تحسس أوجاعها وقسوة ظروفها الراهنة ….

.. ولد الجادرجي رفعة في 1216 / 1926 , وهو مؤسس و مدير مكتب الاستشاري العراقي ( 1952 ــ 1978 ) ,ومستشار في امانة العاصمة ( 80 ــ 1982 ) , كما عمل استاذا زائراً في جامعة هارفرد من السنوات ( 1983 ــ 1992 ) , حاز على العديد من الجوائز المرموقة من بينها جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007 , كما منح دكتوراه فخرية من جامعة كوفنتري 2015 , وله العديد من الكتب المهمة التي اصدرها منها صورة اب / 1985 , الاخيضر والقصر البلوري 1991 , واخر اصداراته : دور المعمار في حضارة الانسان / 2014 عن مركز دراسات الوحدة العربية ــ ولمعرفة المزيد من تفاصيل السيرة الشخصية والعلمية للاستاذ رفعة يمكن الأطلاع على كل ذلك بالرجوع الى ( فوتغراف رفعة الجادرجي ) الصادر في أوائل 2017 عن مؤسسة المدى …

تشير السيدة بلقيس شرارة ــ التي رافقت الجادرجي حياة و ابداعاً منذ اقترانها ــ الى بدايات الاهتمام بفن التصوير الفوتغرافي في بلادنا وارتباط ذلك ببدايات الاحتلال البريطاني للعراق في اوائل القرن العشرين اذ تقول في اضاءتها التمهيدية للأصدار :

لم يكن في العراق مصورون معروفون أو توثيق فوتغرافي للعراق إلا بعد ما أحُتل العراق من قبل بريطانيا , ويُذكر ان اول كاميرا دخلت الى العراق كانت في عام 1895 م , كان التصوير يتم من قبل بعثات الأثاريين الذين ركزوا على تصوير المواقع الاثرية التي قاموا في تنقيبها , أو البعثات التبشيرية الدينية التي كانت تصور الاماكن المقدسة و المعالم الدينية ولكن باحتلال الجيش البريطاني للعراق , الذي كان يصطحب مصوريين ممتهين , فصوروا الجيش عند
احتلاله المدن العراقية , كما قاموا بتصوير الأبنية والشوارع والمعسكرات , لكنهم لم يوثقوا الحياة الاجتماعية والحرف والارياف في العراق ….
وعن الاستاذ كامل الجادرجي والد المعماري رفعة تقول السيدة شرارة :

في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي أخذ كامل الجادرجي هواية التصوير بجد وهو من بين القلائل , بل كان الوحيد في العائلة الذي اتخذ التصوير الفوتغرافي كهواية وليست مهنة , كان عنده حس تأريخي , يحاول دائماً ان يفهم التاريخ وتطوره وأصل الاشياء فقد كانت نظرته عندما يصور نظرة انثريولوجية وتضيف السيدة شرارة :

وقد أثّر على ابنه رفعة , الذي أهداه أول كاميرا عندما كان عمره لا يتجاوز عشر سنوات , كان رفعت يرافق والده أحياناً , عندما يخرج في جولاته المتعلقة بالتصوير , وبدأ يتقن كيفية استعمال آلة التصوير , لكن لم يبقى اثر للصور التي التقطها في تلك المرحلة أو المراحل التي تلتها قبل سفرة الى بريطانيا للدراسة . وبعد عودة رفعة الى بغداد في بداية الخمسينات من القرن الماضي , بعد ان انهى دراسته في العمارة كان العراق قد تغير , وخضعت معظم مؤسسات الدولة والمجتمع المدني الى سيطرة مركزية الدولة ـ كما بدأت في تلك المدة الهجرة من الريف الى وعن بدايات اهتمام رفعة الجادرجي بالتصوير الفوتغرافي تقول السيدة شرارة :

بدأ رفعة في البداية تصوير الفنانين والرسامين في الاجتماعات التي كانت تعقد في بيوت بعضهم , والنقاشات الحادة التي كانت تدور بينهم أحياناً .. وفي توثيق وتصوير مشاريعه المعمارية , منذ بداية وضع أسس الدار أو المبنى حتى يأخذ شكله النهائي , اضافة لتصويره الفيضانات التي اجتاحت بغداد عام 1954 م .

وتضيف السيدة شرارة :

واستمر يصور البلدان التي كنا نسافر إليها , لكنه لم يأخذ التصوير الفوتغرافي بصورة جدية إلا في بداية السبعينيات من القرن الماضي , وقد ظهر مصورون حرفيون في تلك الفترة التي بدأ بها رفعة يصور بها الجوانب المختلفة في العراق , منهم ناظم رمزي و مراد الداغستاني و حازم باك ولطيف العاني وغيرهم , جميعاً كان محترفين لمهنة التصوير , أما رفعة فكان هاوياً كوالده ..

وتختتم السيدة بلقيس شرارة اضاءتها القيمة التي أرختها في ( 11/ 10/ 2016 ) بالقول :
المجموعة في هذا الكتاب هي من اللون الابيض و الأسود , تعكس جزءاً يسيراً مما قام به رفعة من توثيق فوتغرافي , فقد صور المواضيع الشعبية , من الاسواق , وحتى الطقوس الدينية في كربلاء والنجف والكاظمية , كما صور الطقوس الدينية في جامعي ابوحنيفة والكيلاني , وطقوس الايزيديين , جال من اقصى شمال العراق الى جنوبه , وصور الباعة في الأسواق , والحرف المختلفة , والازقة والمقابر , كما صور البؤس الذي يرزح تحته ابناء الطبقة الفقيرة , والوجوه المعبرة للناس البسطاء في الواقع الصعب الذي يعيشونه , انه تعبير عن عبثية الوجود ولا معقولية حياتهم التعيسة وتسجيل لذاكرة العراق من خلال ارشيفه الذي يحتوي على اكثر من ثمانين الف صورة …..
… ومن حقنا ونحن نستعرض ما انجزه الاستاذ رفعة الجادرجي في هذه الوثيقة الفوتغرافية التي امتعتنا بها مؤسسة المدى , ان ندعو القائمين على شؤونها باصدار المزيد من هذه التحف التي تؤرخ حياتنا الغابرة بعين ثاقبة ناقدة سلط فيها الجادرجي الضوء على ما كنا نعيش تفاصيله وما آل اليه راهننا الملتبس , فستون وثيقة مصورة في هذا الكتاب القيم لا تكفي للاطلاع على تفاصيل حياتنا التي وثقها الجادرجي باكثر من ثمانين الف صورة … ولابد لنا ان نشير الى ان هذا الأنجاز ما كان ان يقع بين ايدينا لولا ( المدى ) التي اسهمت بفعالية تحسب لها في اغناء المشهد الثقافي ورفده بكل ما هو نافع ومفيد …

فشكراً لمن أمتعتنا وقدّم لنا زاداً معرفياً نحن بمسيس الحاجة إليه … شكراً .. شــــــــــكراً

لا تعليقات

اترك رد