ما هو الشعر؟


 

المقدمة:
ما هو الشعر؟ سؤال قديم جديد سأله الشعراءُ أنفسَهم قبل سؤال غيرهم ، فمنهم من اهتدى الى جوابٍ أقنعه ومنهم من وجد جواباً غير مقنع ، ومنهم من لم يأبه بتعريفه ولم يشغل فكره فيه.
وكل الثلاثة يقرأون الشعر ويمتعون به وبمعانيه وحكمه واشاراته ودلالاته ولم يؤثر تعريفُ الشعر على اي أحد منهم؛ شاعراً كان ام قارئاً للشعر، لكن كل ذلك لم يلغ السؤال من البال على مدى العصور ، كما ان هناك من يهمه أمر الشعر شاعرا كان أو دارساً ، واكثر من حاول تعريف الشعر هم النقاد الذين درسوا الشعر خصوصاً والأدب عموما ودرسوا ايضاً تاريخ الأدب ونشأته وتطوره وخصائصه وما طرأ عليه في كل عصر من عصوره.
وسأحاول هنا ان ألقيَ نظرةً على تعريف “الشعر العربي” والعربي حصراً لإيماني ان الشعر يختلف تعريفه بين امةٍ وأخرى تبعاً لخصائصه عند كل أُمة من الأُمم كما أن تعريفه ربما اختلف بين عصر وآخر لمتغيرات طرأت عليه من خلال قرون طويلة تتغير فيها الذائقة والبيئة والاختلاط مع الآداب الاخرى منذ نشأته ولحد هذا العصر.

تعريف الشعر عند اهل اللغة والأدب:
وُضِعت للشعر عدةُ تعاريفَ اختلفت باختلاف رؤية المُعَرِّف ، فطالتْ وقصرتْ وضاقتْ واتسعت تبعاً لعصرِ وعلمِ وثقافةِ كلِ واحدِ منهم.
فقال بعضهم مختصِراً: الشعرُ كلامٌ موزونٌ مقفىً يدلُّ على معنى.
وقال آخرون: هو كلام مفصل الى قِطعٍ متساويةٍ في الوزن، متحدةٍ في الحرف الأخير، تسمى كلُ قطعةٍ عندَهم “بيتاً”، ويُسمى الحرفُ الأخيرِ الذي تتفق فيه “رَوِيّاً وقافيةً”، وتُسمى جملة الكلام إلى آخره “قصيدةً” وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه، حتى كأنه كلام وحده، مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاماً في بابه في مدح أو نسيب أو رثاء أو اي غرض آخر.

وقالوا: عنه أيضا: الشّعر هو كلامٌ يعتمدُ على استخدامِ إيقاعٍ خاصٍ به يُطلقُ عليها مُسمّى الوزن الشعريّ كما يُعرّفُ الشّعرُ بأنّه نوعٌ من أنواع الكلام يَعتمدُ على وزنٍ دقيقٍ، ويُقصدُ فيه فكرةٌ عامّةٌ لوصفِ وتوضيحِ الفكرة الرّئيسة الخاصّة بالقصيدة.

وفي تعريف آخر: الشّعر هو الكلماتُ التي تحملُ معاني لغويّة تؤثّرُ على الإنسان عند قراءته أو سماعه، وأيُّ كلامٍ لا يحتوي على وزنٍ شعريّ لا يُصنّفُ ضمن الشّعر.
وقالوا عنه ايضاً: الشعر علمٌ، وهو ضرب من ضروب الكلام المنغم الموزون تتعاطاه طائفة متميزة من الناس عرفوا بالشعراء.

وعرض ابن قتيبة في القرن الهجري الثاني في كتابه الشعر والشعراء قائلاً: لأمر عَرِفَه النقدُ العربي قبل عصره بزمان؛ وهو أن الشعر في تصور العرب مصدر رئيسي من مصادر المعرفة الموثوقة؛ فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قولته المشهورة : كان الشعرُ علمَ قوم لم يكن لهم علمٌ أصحُ منه.

تعريف أئمة اللغة والنقد للشعر:
وعرّفَهُ أبن طباطبا في القرن الهجري الثالث في كتابه عيار الشعر بقوله: الشعر -أسعدك الله- كلامٌ منظومٌ بائنٌ عن المنثورِ الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجّته الأسماع، وفسد على الذوق. ونظْمهُ معلومٌ محدود، فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعَروضِ التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به، حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه.

وعرّفَهُ أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي وهو عالم من علماء اللغة العربية في العصر العباسي القرن الثالث للهجره : الشعر القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها، وقائله شاعر لأنه يشعر ما لا يشعر غيره أي “يعلم ما لا يعلم غيره”.

وقال الجرجاني وهو من علماء القرن الهجري الرابع ومؤسس علم البلاغة: الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء.

وعرّفه ابن منظور في لسان العرب في القرن الهجري السادس بقوله : منظوم القول غلب عليه؛ لشرفه بالوزن والقافية ، وإن كان كل علم شعراً.

وقال أحمد بن محمد بن علي الفيّوميّ وهو احد اللغويين في القرن السابع الهجري ، الشعر العربي هو: النظمُ الموزون وحده ما تركّب تركباً متعاضداً، وكان مقفى موزوناً، مقصوداً به ذلك. فما خلا من هذه القيود أو بعضها فلا يسمى شعراً ولا يُسمَّى قائله شاعراً، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزوناً، فليس بشعر لعدم القصد والتقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من “شَعَرْتُ” إذا فطِنتُ وعلِمتُ، وسمي شاعراً لفطنتِه وعلمِه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يشعر به

ومما قيل في الشعر من المتأخرين :
قال عنه د. احسان عبّاس -وهو ناقد ومحقق وأديب وشاعر فلسطيني- : الشعر في ماهيته الحقيقيه تعبير أنساني فردي يتمدّد ظلّه الوارف في الأتجاهات ألأربعه ليشمل ألأنسانية بعموميتها.

أما عبد الكريم كاصد فلم يؤمن بالتعريف أصلا ، فقال لا احبذ التعريفات كثيرا فهي تجرد الأشياء والمخلوقات من حياتها , وتحيلها الى هيكل فارغ . خذ مثلا تعريف الانسان بـ ( حيوان ناطق ) , او التعريفات العديدة منذ ارسطو وحتى الآن ، هل عمقت هذه التعريفات فهمنا للأنسان والشعر ؟
ألا يبدو ان الفارق بين الشعر والاجناس الأدبية الأخرى آخذ بالتقلص إلى حد التلاشي ؟
الا ترى ان بعض هذه الأجناس كالرواية والمسرح تقترب من الشعر مثلما يقترب الشعر منها ؟
وقد تتجاور هذه الأجناس جميعا في العمل الواحد ، اليست قصيدة النثر نموذجا لغياب الفاصل بين الشعر والنثر ؟
وإذا كان للشعر إيقاعه الذي يتميز به عن النثر فان للنثر ايقاعه الخفي ايضا ، وقد تكون القصيدة الموزونة صوتا خارجيا هو صوت التفعيلات ذاتها مجردة من الشعر .

وأخيراً قال عنه الاديب والشاعر السعودي عبدالله ادريس : ليس الشعر الّا وليد الشعور , والشعور تأثر وانفعال ، رؤى وأحاسيس ، عاطفه ووجدان ، صور وتعبيرات ، ألفاظ تكسو التعبير رونقاً خاصاً ونغماً موسيقياً ملائماً ، أنّه سطورٌ لامعةٌ في غياهب العقل الباطن تمدّها بذالك اللمعانِ ومضاتُ الذهنِ وأدراكِ العقلِ الواعي .

ولو نظرنا ملياً في هذه التعريفات المختارة على مر العصور لوجدنا تفاوتاً وتبايناً واضحاً -وإن اتفقوا على بعض خصائصه- مما يدلل على عدم وجود تعريف ثابت وواضح للشعر العربي على مدى العشرين قرناً الماضية كما وجدنا ايضاً ان احد مصادر هذا التباين هو العصر الذي عاش فيه المُعَرِّفُ ودور البيئة وتطور المفاهيم البيئية من حوله كما أثر عليه ايضاً تأثر الأدب العربي بالآداب الاخرى المحيطة به، القريبة منه أولا كالأدب الفارسي والروماني ثم البعيدة عنه بعد سفرِ ودراسةِ كثيرٍ من ادباء اللغة العربية للأدب الانجليزي والفرنسي والروسي وغيرها من الآداب الغربية ،، كذلك ظهور بعض المستشرقين في جزيرة العرب وبعض الدول العربية الاخرى.

لا اريد هنا في هذا المقال ان اضع تعريفاً آخرَ للشعر ليضاف للتعريفات التي ذكرت ولكني اريد ان أبين واسحب الى الواجهة تعريفاً موجوداً للشعر هو بمثابة التعريف الحقيقي الذي لا يجوز لنا ان نتخطاه ونتجاوزه رغم كل المتغيرات في الرؤى والتجاذبات التي تحدث بين شعراء اليوم وحدثت بين شعراء الأمس .

لا شك ان العرب -قديمَهم وحديثَهم- يجمعون دون اختلاف على ان المرجع لهم في لغتهم هو القرآن الكريم ، والقرآن الكريم -كما هو معلوم لدى الجميع- هو كلام الله تعالى أوحى به لنبيه محمد ابن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- في وقت وصول العرب الى ذروةِ علمِ الكلامِ “شعراً ونثراً” وقد قدّسوا هذا الكلام حتى علقوه بالمقدس لديهم “الكعبة المشرفة”، ومنذ نزوله اصبح القرآن الكريم هو المنهل الذي يَرِدُ عليه كل مهتم بلغةِ العرب -عربياً كان أو اعجمياً- ولا يكاد شاعرٌ او ناثرٌ او خطيبٌ أو دارسٌ او حتى متكلم يطلب بلاغةً او بياناً الا وكان القرآن الكريم منطلقَه ومردَه ، ولم يبقَ أديبٌ في هذه اللغة الا وحاكى معاني القرآن في قصصه وصوره وتشبيهاته ودلالاته ثم بلاغته وبيانه ولم يتقن هذه اللغة احدٌ الا وكان القرآن مقياساً لفصاحته وتلفظه وصحةِ مخارجِ حروفِه مداً ووقفاً وإدغاماً وقلقلةً وتفخيماً وترقيقاً ، فالعلم في الصدور محكوم عليه بالموت بموت حامله مالم يحيه لسانٌ فصيحُ ليتمَ الفهمَ ولتعيَه الآذان وليأخذَ منه خلفُه ومن جاء من بعده.

ولقد جاءت مفردتا “شعر” و “شاعر” في القرآن الكريم في مواضع عدة
فقال رب العزة: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ
وقال جلّ شأنه: والشعراء يتبعهم الغاوون ، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
وقال تعالى اسمه: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
وقال وهو خير القائلين: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍ

وكلا المفردتين “شعر وشاعر” مُعّرفة مفهومة ولا تحتاج الى تأويل لكي يفهم الناس -أيام البعث- معناها والقصدَ منها ، وللدلالة على انهما مفردتان معرّفتان لدى القوم ، سافترض هذا الحوار بين اثنين من اهل زمان نزول القرآن:

سأل أحدُهم اخراً فقال له : أترى ذلك الجبل؟
أجابه صاحبه -ولا جبل في مدى رؤيته-: أي جبل؟ لا يوجد جبل
فقال الأول : كيف لا تراه ذلك الذي يمشي أمامك؟
فقال له صاحبه : يمشي ؟ الجبل لا يمشي لعلك تقصد ذلك الجمل
انتهى الحوار

ما نفهمه من هذا الحوار إن للجبل خصائصَ تدلُّ عليه ، وهذه الخصائصُ معلومةٌ في ذهنِ العربيِّ أيّام النبوة وأن للجمل خصائصَ أُخرى معلومة يعرفها العربي ، ولو تحدثت لاحدهم صغيراً كان ام كبيراً رجلاً كان ام امرأةً عن كلا المفردتين لما أراد شرحاً لها أو تأويلاً فهي مَعْرفةٌ لا تحتاج الى تعريف وبائنة لا تحتاج الى تبيان ، فلما جاءتا في القرآن الكريم كانتا واضحتي الدلالة بَينَتي المعنى، كذلك مفردة “شعر” ومفردة “شاعر” فلم يحتج الناس الى تأويلٍ أو تفسيرٍ لهما فهما مفردتان معرّفتان لدى القوم وحين جاء بهما القرآن الكريم لم تستفهم عنهما الأُذنُ ولم ينكرهما العقلُ ، ففهم الناس معناهما حالَ سماعهما، كذلك آلآف المفردات التي ذكرها القرآن الكريم كان العربي يفهمها دون استعانة بشرح وذلك لانها اتت من جنس كلامهم ولفظهم.

من هنا نستطيع ان نعرّف الشاعر ببساطة متناهية دون الخوض في تفاصيل تعقّد من وعيِ وفهمِ هذه المفردة ، فالشاعر ببساطة : هو الذي يقول الشعر ، ولكن هذا التعريف سيبقى ناقصاً ولن يكتمل الا بعد اكتمالِ تعريف الشعر لتعلقه به معنىً ودلالةً، فما هو الشعر؟
بعد الذي تقدم سيكون تعريف الشعر سهل وبسيط هو الآخر.

فالشعر: هو ما عرِفَهُ وألِفَهُ الناسُ عندَ نزولِ القرآن بصيغتِه التي يعرفها العرب في ذلك الحين ؛ من جنس وصيغة وتركيب ومعنى ، وكل كلام يحمل خصائص الشعر حين نزول القرآن فهو شعر.

والسؤال ، هل يجوز تغيير هذا التعريف وهذه الرؤية لمفردتي “الشعر والشاعر” بعد أن ذكرتا وتعرفتا في القرآن الكريم وتم توكيدهما بكلام الله في محكم كتابه؟

أما ما تبقى من التسميات الأخرى كـ 🙁 موشح ، ورباعيات، وزجل ، وتفعيلة ، وقصيدة نثر ) فربما جازت تسمياتها بهذه الاسماء لان هذه الاسماء لم ترد ولم تُعرَّف في القرآن الكريم وبالتالي لم تؤكد مفاهيمها قرآنياً، وكل ما طابق منها معنى وخصائص الشعر في المفهوم القرآني لمفردة “شعر” ، فهو شعرٌ.

والأصل فيما تقدم من هذا الكلام أن يحتكم الناس الى مرجعٍ واحدٍ وقولٍ واحدٍ ومصدرٍ واحدٍ ، ولن يجد العرب منذ ان بُعث النبي صلى الله عليه وسلم الى اليوم مصدرا لإرجاع معنى الكلمة الى اصلها أعلى وأفضل من القرآن الكريم ، سيما اننا نتكلم عن الشعر ، والشعر شأن من شؤون اللغة وفرعٌ من أهم فروعها ليس ذلك فحسب بل إن أحد أسباب نزول القرآن الكريم هو الإعجاز ، اي بمعنى إعجازه للبلغاء من المتكلمين -شعراً ونثراً- بعد ان وصل علمهُم هذا أقصى الغايات وكتبوا فيه اروع الاشعار وقالوا فيه ابلغ الخطب.

1 تعليقك

  1. انتباهة رائعة غير مسبوقة ان الشعر هو ماكان عند نزول القرآن يستطيع ان يحتج بها محبو الشعر العمودي ضد من ينكرون ان الشعر العمودي شعر فالقران يؤكد انه هو الشعر انتباهة بل براءة اختراع

اترك رد