هل يلفظ ” نظامنا العربي ” أنفاسه الأخيرة ..؟؟


 
الصدى - هل يلفظ

 هل يلفظ نظامنا العربي الحالي أنفاسه الأخيرة، و هل هذا الجسد المتعب المنهك فعلا في النزع الأخير ..

معروف لدينا، أن هذا النظام العربي نشأ و تكون في معظمه في أعقاب الحربين العالميتين في القرن الماضي، أو ربما كنتيجة بشكل ما لهاتين الحربين الكونيتين ..

و هنا، عندما أقول النظام العربي، لا أقصد بالتأكيد لا الشعب العربي، و لا اللغة العربية، بل النظام و الصيغة التي تحكم بها هذه البلاد العربية و الشعوب العربية، و التي لم تكن لها الكلمة العليا على الأغلب في تشكيلة هذا النظام و إدارته طوال عشرات السنوات من القرن الماضي و حتى اليوم ..

شهدنا حروب و معارك كثيرة و متعددة، و ربما كانت بداية التدهور في نظامنا العربي الحالي مع زرع الكيان الصهيوني داخل حدود بلادنا العربية، بل في جزء هو الأكثر قدسية و إعتزازا و إحتراما لدى الجميع، ليس فقط في بلادنا العربية، بل حول العالم، و ليس للمسلمين فقط، بل المسيحيين و اليهود أيضا ..

لا ننفي دورا مهما في زعزعة النظام العربي، ربما ليس فقط الآن، بل منذ القدم، وجود نظامين إقليميين قوميين كبيرين و قويين حوالينا، للأسف لهما خطط و طموحات و رغبات تتعدى حدودهما الأقليمية، لتدخل ضمن حدود بلادنا العربية، و هما النظامين الفارسي و العثماني، أو الإيراني و التركي ..

و إن كانت علاقاتنا مع الجار التركي العثماني عبر سنين طويلة بين مد و جزر، لكن يمكننا أن نقول أنها في معظمها كانت إيجابية نوعا ما، لكن لا يمكننا أن نقول نفس الشئ عن جارنا الثاني الفارسي، فطموحاته و تدخلاته في شؤون البلاد العربية عامة، القريبة منه و البعيدة، ليس لها نهاية و لا بداية، و في معظم الأحيان، يمكننا أن نصف العلاقات بالمتأزمة أو الحذرة بين الطرفين، و هو لا يختلف كثيرا عن طبيعة العلاقة مع الضيف الثالث الثقيل المفروض المرفوض ، الا وهو الكيان الصهيوني الغاصب لارض دولة فلسطين ..

و كأن وجود هذه الضغوط على عالمنا العربي لم تكن كافية لإعاقة تقدمه و تطوره، و تسريع مهام تدهور أموره و شؤونه و تأزمها، لنجد أن هذه المنطقة أصبحت مثار تنافس و في أحيان كثيرة تقاتل و خلاف ما بين الدول و القوى العظمى في العالم، و بشكل خاص أميركا و روسيا و الدول الأخرى التي تدور في فلكهما، و ربما ذلك يعود إلى الموقع الستراتيجي التي تتمتع بها منطقتنا، إضافة إلى الموارد الطبيعية المتميزة و الغزيرة التي من الله بها على هذه الديار و أهلها ..

مما يؤسف له، و يدمي القلب و يدمع العين، و كأن كل هذا لم يكن كافيا، لنبتلي بقيادات ما بين ضعيفة و خائنة و جاهلة و متعددة الولاءات أو عديمة الولاء لبلادها و أرضها و شعبها، و هذا ما كان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، و لتمثل هذه القيادات عبئا جديدا مضافا، بل عدوا و منافسا و سببا جديدا لعدم الإستقرار ..

ما نراه اليوم في بلادنا العربية يثير الحزن و الغم و الشجون، الدول الأكبر في المنظومة العربية في حيص و بيص، العراق و سوريا و مصر ..

العراق فرضت عليه حروب و معارك و تحديات جسام، الآن ملايين من أبنائه بين مهجر و مهاجر و لاجئ و جريح و أسير و سجين و معتقل و معوق، و الشرذمة الفاسقة الفاسدة التي تحكمت في شؤونه بعد الإحتلال بدعم و تأثير من الجارة الفارسية و التي جاءت و تكونت من خلال إدارة قوات الإحتلال، عملت على سرقته و تهديم بناه التحتية و الطريق الآن بات مفتوحا نحو تقسيمه ..

وضع سوريا ليس بالأفضل إن لم يكن أسوأ، فحاكمها الأسد، و بدعم الجار الفارسي و الأممي الروسي، لا زال يتمتع بتقتيل و تهجير و تدمير أبناء الشعب السوري و مدنه، حتى بات ما يقارب الثلث أو النصف من أبناء الشعب السوري مهجرين خارج ديارهم أو خارج بلادهم، و الأزمة قاربت او تعدت سنتها الخامسة، و لا زال الطريق مغلقا نحو أية حلول معقولة، إلا التقسيم، كحال الجارة العراق، فقد كثر الكلام، و ربما يفرض كحل يرضي العديد من الأطراف، إلا أبناء الشعب السوري ذاته ..

جارة سوريا الأقرب ، لبنان دخلت معمعة الأزمات و المشاكل على المستوى العربي و الدولي و الداخلي معا، معظم هذه المشاكل تعود إلي تدخلات حزب الله و ضغوطاته، و هي ناشئة كما هو معروف من ولاء هذا الحزب الأعمى و المطلق للجار السوري و حكومته العلوية، و الطرف الإقليمي الإيراني الفارسي، و طبعا لا ننسى الجار اللدود، إسرائيل .. و في ضوء تأزم العلاقات بين لبنان و السعودية و عدد من دول الخليج و الدول العربية، لا يمكننا إلا أن نتوقع إنتكاسات كبيرة ، سياسية و أمنية و إقتصادية في هذا البلد العربي الجميل ..

أما مصر فوضعها مختلف، و هي تعيش أجواء أزمة سياسية و إقتصادية متصاعدة منذ سنوات، و هناك عقبات سياسية و إجتماعية تقف أمام الإستقرار، و هناك تهديدات كبيرة لوحدة الأرض و الشعب هناك، لا نعرف لحد الآن مدى جديتها و قوتها في ضوء سيطرة قوى الجيش على مقاليد الأمور هناك، طبعا من غرائب نظام الحكم في مصر تأزم أوضاعه و علاقاته مع العديد من الدول و الجهات، و كأن حاله و مشاكله الداخلية ليست بالكافية، فعلاقات متأزمة غريبة مع قطاع غزة و حماس، و علاقات متأزمة مع تركيا كلها تجعل من تطورات الأمور في هذا البلد العربي الكبير و المهم خطيرة و حساسة  ..

السودان ربما سبق الآخرين، حيث فرض عليه التقسيم، ليكون هناك سودان جنوبي و آخر شمالي، و الأثنين يعانيان من أزمات سياسية و إقتصادية و شعبية و أمنية متفاقمة، و خوفي أن يصل بهما الحال ليعاد تقسيم السودانين لأجزاء و أقسام أخرى ..

و ما زلنا في الجانب الأفريقي الغربي للعالم العربي، فأن الأوضاع في ليبيا لا تسر عدو و لا حبيب كما يقولون، و لا ندري كيف سينتهي المطاف بهذه الدولة الأفريقية البترولية الغنية سابقا، فشبح التقسيم أيضا يخيم عليها، و العصابات و المافيات و الميليشيات تتقاسم السلطة و القوة و الموارد فيها بعد قتل رئيسها القوي القذافي في بدايات ما يسمى بالإنتفاضة أو الربيع العربي ..

أخيرا و ليس آخرا، بلد الحضارات و التاريخ العريق، اليمن السعيد، طرح نفسه منافسا قويا على ساحة الأزمات و المشاكل في العالم العربي، فالرئيس السابق المعزول علي عبد الله صالح، و معه بعض قوات الجيش المنشقة، و بعض القبائل، و الميليشيات إيرانية التمويل و التدريب، و المقصود بهم الحوثيون، هذه القوى باتت تشكل تهديدا ليس لأمن و إستقلال و وحدة اليمن، بل لوحدة و إستقرار العديد من الدول المجاورة، و على رأسها السعودية، لأهداف و غايات واضحة و معروفة و معلنة، و هذا البلد أيضا باتت تأزمات أوضاعه مهددة بإنقسامه ليس فقط إلى يمن جنوبي و شمالي، بل ربما أقسام أخرى، ما لم يرعوي الرئيس السابق المعزول المهووس صالح و يعود إلى جادة الصواب هو و معه القوات و القبائل و الميليشيات المتآلفة معه و تحت أمرته ..

باقي البلاد العربية ليست بالأفضل حالا كثيرا، فلكل منها همومها و تحدياتها و تهديدات و مخاطر تحيط بها من كل مكان، و أحوال شعوبنا العربية تقريبا متشابهة و متقاربة، إلا ما ندر، و ربما المنطقة الأكثر إستقرارا لحد الآن هي منطقة الخليج العربي، رغم أن الجميع يشعر أن هذا الإستقرار ليس بالمتانة و القوة الكافية، و ربما نكتشف يوما أنه هش جدا، و الله أعلم ..

ما نلاحظه، أن معظم ما إستعرضناه آنفا يرتبط بشكل ما بضغوط و تطلعات و مصالح و علاقات مع الجارة اللدودة، بلاد فارس، و هي تصب بشكل آخر في مصلحة الكيان المزروع المنافس في الأزمات و الصراعات، إسرائيل ..

برأيي لا يمكن أن نستعرض و نناقش أزمات البلاد العربية اليوم، و أوضاع نظامها العربي الحالي و ما يتعرض إليه من ضغوط و تهديدات، ما لم تكن نظرتنا شمولية و ليس فردية و منفردة ببلد ما، فهناك خيوط عديدة تربط ما بين الأحداث و الأزمات المتعددة التي يعاني منها هذا النظام العربي المتهالك المتعب، و ما لم تتوفر لدينا قيادات عربية مخلصة و واعية و مرتبطة بالأرض و الوطن و الشعب، و تتمكن من قياس نبض الشعب العربي و رغباته و طموحاته و معاناته، فأن حال بلادنا العربية و نظامنا العربي سائر إلى الهاوية لامحالة، و ربما نحن الآن نشهد أيامه و لحظاته الأخيرة ..

ندعو الله أن يمن علينا، نحن شعوب هذه البلاد العربية و المسلمة، بالأمن و الأمان، و أن يمن علينا بقيادات عربية قوية مخلصة و واعية تتمكن من إجتياز هذا الإختبار الصعب و الأيام العصيبة، و من الله السداد و التوفيق ..

 

لا تعليقات

اترك رد