لن تجد الوطن في انتظارك ..

 

ألا تخاف علي من فكرة تعاطي الحب بمفردي ..؟ أجوس في مسالكه الصعبة أبحث عنك .. وتضرب أنت وحدك في مسارب الوطن الأخرى تبحث عني ..لا تبتعد في البحث عني فأنا من بعضك أُبعث …أنسكب من بعض حبرك ومن هالات الضوء في عينيك … أوراقك .. كتبك …لياليك .. سهرك .. قهوتك و أنبت من غربتك . .. أنا من بعض جبالك .. من سهولك ..روابيك .. أنسل من مدنك العريقة ..أنتشر مع أريج قهوتك …. أصلي وأتهجد .. متكئي الوريد … ومحرابي القلب حيث أتعبد … اقرأ أنفاسك حيث أنتشي .. وأتلو دقات قلبك على المسامع حيث أحط رحالي … أتربع وأرتاح وفي خبايا خطوط كفيك أعلن الوجود .

احترقتْ أوراقي يا سيدي واشتعلتْ الكلمات تحت سن قلم فقد صبره فأعلن التوهج تلك الليلة الحزينة .. سكب نوره وناره واختنقتْ عبرة دفينة وأنكسر البوح .. في قمة التوهج أنكسر سن القلم وأنكسر الكلام ..أنسكب عطر له رائحة الحبر وحبر له رائحة العطر … ودمع أنهال برائحة الحنين والغربة وكنت أغمس سبابتي المرتعشة في عمق أوردتي وأكتب الغياب على الورق بطعم الدمع المالح وأتذوق قسوة الغربة .. غادرتني وتركت بابي موارباً .. ينفرج عن فراق طويل الأمد وانتظار وبراح من الألم .. كسرت يقيني ..قطعت تحيتك بحد سيف جائر ونسيت أن تكمل بقية السلام المتبادل عن بعد بخط إلكتروني متعرج ومن وراء المتوسط الأبيض الساذج السابح في غفلته عنا .. ذاك البحر الهرم رغم أنفه نختلس النظرات ومن وراء أمواجه ترسل الكلمات ومن خلفه نقص جدران الغربة الطويلة المرتفعة كي نطل من وراء الحوائط نتراشق بالسلام وبالحنين وأخر الأخبار عن الإحباط والفجيعة و الوطن المذبوح بنصل سكاكين أبنائه الصدئة .

غادرت وأنت تتسقط أخبار المآتم و الإنفجارت .. واغتيالات الأحبة وقتل الفرح وأنا أتسقط أخبارك وكلماتك وأخر أخبار قصائدك ، لكنني نسيت تلك الليلة أن أخبرك يا سيدي وأطلب منك رغم الاشتياق والحنين أن لا تعود الآن فالوطن ليس كما تشتهي .. لم يتأنق كما ينبغي …لم يقلم أظافره ولم يرتد حلته النظيفة .. لم يتخذ زينته لاستقبالك ولم يتعطر تعال إن شئت ولكن لن تجد الوطن في انتظارك .

دعني أتلوا عليك كل ليلة تلك الأخبار الحزينة .. اقرأ لك ما تتناقله الصحف عن الوطن من أخبار المجازر والجرائم وتهريب الأموال وما يكتبه النشطاء السياسيون عبر صفحات التواصل الاجتماعي من أنباء عن الشرق التائه وأخبار الغرب الحزين وعن الجنوب البائس … يتدفق الوطن عبر كلماتي بدل أن أقرأ أشواقي .. أحاسيسي .. حنيني .. وحاجتي إليك .. تتدفق بنغازي بيننا .. بدل آهات الحب والحنين .. تسكننا الزاوية بدل أن نسكنها مدينة للحب … وأنا التي لا أرى في البيضاء مدينتي إلا وجهك … ويصفعني سؤالك عند كل ممارسة لكتابة الحب إليك

– كيف حال الوطن ؟

فأرتد .. عائدة .. تائهة.. هائمة .. على وجهي أبحث عن أخر أخبار الوطن لأرسله إليك ..بدل أن اصرخ أمامك و أمام الملأ .. أحبك.. من أين لك بكل هذا البهاء سيدي .. من أين لك بكل هذه القدرة الفائقة على استفزاز دهشتي وبراءة طفولتي الغائبة وانبهاري بقصائدك وكلماتك .. هذا السحر الذي يحتويني ساعة حضورك .. ألم أقل لك من قبل أن كل هذا الضوء القادم منك لحظة مرورك الخاطف بي يؤلمني ..؟!!

روعتك تشلني … وهذا التوغل لكلماتك وقصائدك في ذاكرتي يرعبني ..السكن الذي اتخذته ملجأ لك ومكاناً قصياً في أعماقي يرهقني .. امتلاؤك بي يلغي وجودي فأصبح أنا أنت وامتلائي بك يثريني ..فأصبح أنا وأنت ، كانت قصائدك تحلم بوطن أخر … وطن أجمل .. وطن قادر على نسيان الخلافات والتشتت والحروب والتقسيم والتمزق … والأحقاد والضغائن .

لا تعليقات

اترك رد