الحداثة والعلمانية في المجتمع العربي


 
الصدى - الحداثة والعلمانية في المجتمع العربي
لوحة للفنان جاسم محمد

 تذهب نخية الحداثويين الى حد المطالبة بالقطيعة مع الماضي من اجل بناء مجتمع حداثي، و يرى العلمانيون ان بناء مجتمعات حديثة لن يتاتى الا بفصل الدين عن الدولة، ان لم نقل انهم يطالبون بتغييب الدين عن الحياة العامة وانشاء مجتمعات لا دينية.

خلفت الافكار التقدمية في دول ما بعد الاستعمار جدالا بين نخبة المفكرين العرب الداعين الى دمقرطة المجتمعات العربية الحديثة الاستقلال، مرتكزين على النماذح الغربية ذات المرجعيات العلمانية. وبهذا المبدا سوقت النخبة، العلمانية كعقيدة تحل محل العقيدة الدينية وكانها الضامن الوحيد للحرية الفكرية للفرد.

النخبة العلمانية او الحداثوية اتخدتها ايديولوجية لتمييز داتها عن باقي فئات المجتمع، وحولوها الى هوية وعقيدة قائمة بداتها، الا انها خسرت الصراع الايديولوجي السائد في الاقطارالعربية. فالعلمانية في معناها الحقيقي هي ان الدولة كمؤسسة لا يمكن ان تميز بين مواطنيها حسب انتمائاتهم العقائدية، وهي في الان نفسه لا تعادي اي عقيدة دينية ولا حتى لا دينية.

يمثل تيار العلمانيين والحداثيين نخبة من الفركفونيين بدول المغرب الكبير وجماعة من انصار الفكر الغربي بالمشرق العربي. شيدوا لانفسهم ابراجا بعيدة عن واقع باقي مكونات المجتمع وسعوا الى جعل انفسهم من منشدي الحرية والانعتاق. وحتى في خندقهم وصل الخلاف حتى كسر العظم.

كانت المسالة فقط رمي الاخر باي سلاح يقع في اليد، وجرى تصوير ما يحدث من جدال وسجال على انه تناحر وضاعت الحقيقة ومنطق الاشياء. فاستبدل قانون التحاور والجدال الى تناحر تطرفي لا ينتظر منه الا التشتت وتفويت فرص بناء حقيقية على الامة.

تصادمت التيارات، فانزوى المحافظون الى زوايا ضيقة واحتضنوا الماضي وانتظروا عودة العصور الذهبية والازمنة المجيدة وبدا البكاء على الاطلال، واغلقوا النوافذ جيدا حتى لا تصلهم نسائم الخارج. في حين هرول الحداثيون المقلدين وجماعة العلمانيين الى معانقة الغرب عشقا بحضارته سابقين الواقع العربي بمسافات ضوئية.

وحيث يكون التقليد تكون الرتابة، فشتان ما بين المبدع والمقلد.

اخطا المحافظون الذين فضلوا الركود والانزواء والعيش مع الماضي وتمسكوا به ليخرجوا من الحاضر ولم يتطلعوا الى المستقبل. في حين طار الحداثيون الى المستقبل متناسين الماضي وزاد الازمنة الغابرة فكانت الثمار هواءا. وصح القائل: لكي نقفز الى الامام عليك الرجوع خطوتين الى الوراء.

فالعلمانيون يحاربون الدين باسم محاربة التخلف والجهل، وليس اي دين وانما الدين الاسلامي. فهو في نظرهم سبب تخلف الشعوب العربية وانحدارها. وان الاسلام والعقلانية لا يتماشيان وان الاسلام والديمقراطية لا يمكن ان يلتقيا ابدا. فالعلمانية بالنسبة لهم هي الدين العقلاني الذي يجب ان يسود بدل الاديان السماوية لبناء دول ديمقراطية حديثة.

تراجع بعضهم عن الافكار التي سادت عقدي السبعينيات والثمانينيات وبدا وكان العلمانيون ينشدون انشودة بدون كلمات. تاهوا في زمن لم تعد الايديولوجيات الماضية تنفع في شئ، اعترف بعضهم ان الاسلام هو الحل كما ذهب الى ذلك محمد عابد الجابري، وان الشعوب العربية مهما حصل تبقى الهوية الدينية احد مكونات وجودها.

في نضالهم ضد التطرف الديني والدين عامة سقط العلمانيون في فخ التعصب واقصاء الاخر الى حد عدم الاعتراف به. وبدلك دفعهم تطرفهم الى الغاء الدين كمعادلة في عملية بناء الدولة وتحولوا من علمانيين الى ملحدين او لا دينيين. كما دفعهم ايمانهم القوي بالانظمة الغربية ونماذجها الى اعتبار العلمانية المحور الاساس لقيام دول ديمقراطية ويذهبون الى ان العلمانية هي نواة بناء الديمقراطية.

الدين الاسلامي هو نمط للحياة، متكامل جامع وشامل لكل امور الدين والدنيا. واتفاقه اوتقاطعه مع الديمقراطية يكمن في المعنى والتفسير الذي نفهم من خلاله الديمقراطية والحداثة. وكذا مدى فهمنا للدين وتاويله التاويل الصحيح الذي لا يخدم فقط السلطان والحاكم كما يذهب الى ذلك فقهاء البلاط والمجالس السياسية.

لا احد يشك في ان المؤسسات الدينية تسيطر عليها في اغلب الاحيان الدوائر السياسية وتحاول تمرير سياسياتها تحت يافطة الدين ،وتارة باسمه يتم الحكم الاستبدادي. في هته الحالة يظل الدين خاضعا لارادات واغراض سياسية اكثر من اشتغاله بالجانب الروحي للافراد. المؤسسة الدينية محكومة باناس ورجال دين يميلون للسياسة اكثر من اهتمامهم بامور الناس.

ألام الجسد العربي لا تكمن في استيراد علمانيتهم او حداثتهم او انحلال اخلاقهم وتسويقها باسم الحرية والعصرنة. مستقبلنا يكمن في مدى تشبتنا باعرافنا وتقاليدنا وهويتنا الدينية والتقافية والعمل على تجديدها وتنقيتها من شوائب التقاليد الخاطئة والبدعة التي تغزو مجتمعاتنا. والا سنظل معلقين بين الغرب والشرق كالغراب الذي فقد مشيته حين اراد تقليد مشية الحمامة.

المجتمعات العربية انهارت امام الغزو الخارجي واستستلم شبابها لكل ما ياتي من الغرب على انه الواقع والسيرورة التاريخية للمجتمعات الحديثة واتباعه ضرورة لا مفر منها، واصبحت المجتمعات العربية اشبه بجماعة افراد تائهة في الصحراء ليلا تتجه نحو كل شرارة ضوء اينما كان صوبها.

إن الحوار مع الاخر والجدال العلمي والنقاش الثقافي- الحضاري أخذ وعطاء بين كل مكونات الأمة والاستفادة من افكار الآخرين لم تعد موضوع نقاش. وتبقى مسألة أن ندرس تربتنا الثقافية جيدا وأن نحسن التربية ورعاية النشء، وأن نربي اجيالاً فريدة متميزة قادرة على استيعاب الحاضر والحفاظ على الموروث الغني والمتطلعة لمستقبل مشرق.

لقد بدأ رواد النهضة الثقافية العربية حواراً جاداً فيما بينهم ومع العالم. ونعود لنطرح اليوم قضية متابعة الحوار وتطويره عمقاً واتساعاً، فهل نفعل ذلك؟

لا تعليقات

اترك رد