التذمر النفسي العربي


 

مما لا شك فيه، أن المجتمع العربي يعيش حالة من التذمر النفسي والإنتكاسات المتتالية، فثقافة العجز ومصطلحات الجهل انتشرت كالأورام في الجسم العربي. وصورة العربي سواء في الإعلام المحلي أو الغربي أصبحت مرتبطة بالعنف والذمار والتشرد والتهجير والتخلف والدونية وكل المفاهيم التي تقلل من شأنه وقيمته.

فالمجتمع الذي عاش ويعيش تحت القمع والاستبداد وانتهاك أبسط حقوقه الإنسانية والتعدي وتزوير إرادته وتيئيسه وتعجيزه ونشر ثقافة الجهل والتدليس بين كل مكوناته، كلها أمور وأحداث لا يمكنها أن تنتج أفرادا أسوياء أو مبدعين أو منتجين على الإطلاق، بل تنتج أفرادا انهزاميين وتابعين وفاقدين للثقة في أنفسهم وفي قدرات مجتمعهم وجماعاتهم.

إن انتشار الفساد وتقنينه لدى النخبة الحاكمة وانعدام الأمانة والثقة واستعمال النفوذ يؤدي إلى سيطرة الكذب ويصبح بذلك غطاءا للذكاء الإجتماعي والغش سيد الفهم الجمعي للمجتمع. إلا أن الأخطر من كل هته المفاهيم هو تعايش الفرد العربي مع كل هته الأمراض الخطيرة وتتحول مع الوقت إلى ثقافة مجتمعية عادية وتفقد صفة الظواهر الإجتماعية الشاذة أو المقيتة.

فالسياسات العربية وإعلامها نجحوا بشكل كبير في تدهور الحالة النفسية للإنسان العربي منذ عقود، فلم يعد الفرد سيد مشاعره أو سلوكه أو إدراكه أو قائد شروط وجوده أو تصرفاته. بل أصبح عبدا لما تمليه الطبقة الحاكمة عبر وسائل إعلام مأجورة تهدف إلى إخضاعه لواقع مسطر له من قبل يخدم مصالحها ويضمن استمراريتها أيضا.

فجل الأنظمة العربية لم توفر للفرد العربي شروط عيش سليمة ماديا ومعنويا وأن يحس بالأمان وقانون يحمي كل أفراده على حد سواء بمختلف أطيافهم وأعراقهم. أو إشعاره بأنه جزء من هذا الوطن له واجبات وحقوق ويعطي ويأخذ في نفس الوقت، مما أحدث خلل في النشأة والتطور لدى الإنسان العربي، وأحيانا يعيش على الهامش وبعيدا عنه وناقما عليه.

إن القمع والظلم الذي يتعرض له الفرد يخلق بيئة غير سوية للعيش، فشروط عيش ووجود الفرد هو صورة لنظام الحكم القائم، فسلوكيات الأفراد والمجتمع ووجدانه وطريقة عيشه ونتاجه الأدبي هو ما يعطينا صورة عن حقيقة النظام السياسي. فكل هته الظواهر الإجتماعية السلبية الحاصلة أثرت بشكل سلبي على الفرد الشيء الذي أثر على المجتمع وأعاد إنتاج أنظمة فاسدة مستبدة ومجتمعات خائفة وخاضعة لواقع مفروض.

فالفرد يتلقى تعليمه وتكوينه في مؤسسات الدولة، وإذا كانت هته الأخيرة مشلولة ومعوقة فإنها تنتج لنا حتما أفرادا غير أسوياء فكرا وثقافة واجتماعا. لأن النظام السياسي هو المسؤول عن التربية الثقافية، الإجتماعية، الدينية والوجدانية، وحين يفتقد للمصداقية فالنتيجة تكون أفرادا خاضعين وما يزيد من تفاقم المشكلة وجود إعلام غير مسؤول يبث للناس ما يريده النظام.

فالفرد العربي يضل محاصرا بين أنظمة سياسية قمعية وغير ديمقراطية وثقافة مجتمعة متخلفة وبيئة عائلية لا تهدف إلى بناء أفراد منتجين وفاعلين، فالفرد العربي سرقت منه طموحاته وأهدافه، سرقت منه أحلامه ونهبت حقوقه.

فكلما ساء النظام السياسي سادت الأمراض النفسية واضطربت الأوضاع الإجتماعية الشيء الذي يؤدي في النهاية إلى حالات وعقد نفسية لدى العامة بشكل كارثي.

1 تعليقك

  1. نعم الفرد العربي سيبقى محاصراً وغير منتجاً ولا حتى منتمياً لدولته طالما ان هذه الأنظمة لم تفك اسره وتقيد حريته وتمنعه من ممارسة ابسط حقوقه تدعي الديمقراطية وهي منهم براء فلقد مارست هذه الأنظمة العنف ضد شعوبها وكممت الأفواه وصادرت الحريات وزورت ارادة الشعب حتى في انتخاب من يمثله في السلطة فهي انظمة فاسدة تريد شعوباً جاهلة تقودها كالقطيع وتستعبدها .فكيف ستجد مواطناً منتمياً وهو لا يشعر بالعدل ولا بالمساوة وعليه ان يحمد الله على نعمة الأمن ..اصبح المواطن العربي مضطرب غير قادر على التفكير الا في يومه وكيف يؤمن لقمة عيشه خصوصاً مع انتشار الفقر والبطالة ..سيبقى المواطن العربي يعاني من التخلف والتفكك الأجتماعي طالما ان النخب الحاكمة غير قادرة على فهم اصول الحكم واهمية بناء مجتمع قوي ومواطن منتمي فهي المسؤولة عن ما وصل اليه حالنا ..تحياتي لك و اشكرك استاذ عبدالله على المقال

اترك رد