عبدالرحمن دريعي .. الفنان الذي ظلم نفسه فظلمناه أكثر


 

( في ذكرى رحيله ال ١٦)
……
قبل أن يدخل الفنان عبدالرحمن دريعي يوم ٢٢-٥-٢٠٠١ إلى غرفة العمليات حيث كان يعاني من ورم خبيث يفتك رئته ، حوّل غرفته في المشفى إلى معرض فني ، فلم يكن القلم يبرح أصابعه ، يرسم به وجوهاً عذبة قد ترسل الفرح في أرواح متعبة لأكثر المرضى ، كان يزرع الجمال و يسقيه أينما حل ، دخل إلى غرفة العمليات بأمل كبير ، لكن الأمل كانت إبنة زنا خانته و غدرت به في عز تفاؤله .
كان يجمع بين الرسم و النحت و الموسيقا و الشعر ، و أبدع فيها جميعاً ، و لكن مع الأسف الكبير ذهب أكثر ما تركه لنا ضمن الحريق الذي هب في بيته في قصف للنظام على حلب ، فأخذ كل تلك الثروة ، و لهذا تعذبنا كثيراً للوصول إلى القليل مما تبقى بين أيادي أبنائه و أصدقائه و جلّها اسكتشات سريعة ،

و يعتبر دريعي أحد أهم مؤسسي الفن التشكيلي في الشمال الشرقي لسورية و كان له أثره على الجيل فكان الأب الوفي بل الروحي لكل من أحب اللون و حمل الريشة وقتذاك ولعل أكثر من شق طريقه من هؤلاء ولمع إسمه في الساحة الفنية العالمية عمر حمدي ( مالفا ) الذي بقي وفياً بدوره لأستاذه وتأثيره عليه إذ يقول في أحد حواراته : ( قبل تخرجي من المعهد، بقليل، سكن في بيتنا، في الغرفة الثانية، بالإيجار، شاب في العشرينات، مع زوجته، قادماً من عامودا، إسمه عبد الرحمن دريعي ، كان يعزف على الناي مساءاً، ويرسم في النهار،

كان عبد الرحمن أول معلم لي في الرسم، كلما غاب عن البيت ، وضعت حجراً تحت قدمي، ونظرت عبر أسفل النافذة العريضة إلى لوحاته. مرة سمعته، يقول لوالدي: “دع عمر وشأنه. دعه يرسم، سيأتي يوم ليتركه، حين يكبر”

كان عبد الرحمن فقيراً مثلنا، وكان حزيناً في عزفه للناي الخشبي. ) و آخرين كثر تاه بعضهم في أزقة السياسة الضيقة بل القذرة .
و يعتبر دريعي دون منازع أميراً للناي على إمتداد الخارطة الكردية و العربية معاً ، أبدع فيها أيما إبداع و كان يشغل أمين سر الجمعية الموسيقية بالحسكة عام ١٩٧٠ ، كما أنه قدم مع كل من محمد شيخو و شفان برور و محمد طيب طاهر و محمود عزيز و جميل هورو و آخرين معزوفات ستبقى خالدة في ذاكرة أكثر من جيل ،


و دريعي أكثر من ظُلم من نفسه أولاً و من آل بيته ثانياً و من أصدقائه ثالثاً ومن أبناء جلدته رابعاً و من بعض الذين تتلمذوا على أصابعه . فهو مهد للفن التشكيلي في الشمال الشرقي السوري حوّل الفضاءات التشكيلية إلى حقول وتناغمات بصرية قد تكون محاولة أولى في البحث عن صيغ تجمع التعبير حيناً و التصريح ذي الدلالة حيناً آخر فهو ينطلق من مساحات مفتوحة الجهات لإختصار المسافات و توظيف لغة ملائمة لإهتماماته بها يتخطى المجال الزمني ..


و ليس آخراً هل سيكون بمقدورنا أن نعيد له إعتباره فنسرع إلى جمع ما تبقى من أعماله و أشيائه في متحف صغير ، في بيت صغير ، في مدينة صغيرة ( عامودا ) جميلة كروحه ليكون مكرمة من أبنائه و من أحفاده الفنانين له .
و لا بد أن نذكر بأن عكازة شارلي شابلن ستبقى خالدة و كذلك ناي دريعه و ريشته .

لا تعليقات

اترك رد