بین ضوئیین..الجمال بعين الانسان


 
الصدى - الجمال
لوحة للفنان بلاسم محمد

ما انفك الانسان يمضي في هذه الحياة ممتطياً صهوة نزعته للتفوق؛ فهناك نزعة للخير جعلته يسعى للتفوق على الطبيعة و تطويعها لخدمة البشرية، فعبّد الطرق على جوانب الجبال و حفر خلالها الأنفاق، مد الجسور فوق المياه و الانفاق تحتها، و لم تكفه حدود الارض فانطلق منها الى الفضاء ساعياً وراء ما قد يكون فيه منفعة للانسانية جمعاء.

و هناك من سعى للتفوق بالاتجاه الاخر؛ فكرّس ذهنه لابتكار أساليب قهر بني جلدته؛ فوُجدت العبودية، و بيع الانسان و اضطُهِد من قبل أخيه الانسان. اختُرِعت الحروب و أدواتها و نُظمها، او عشوائيتها، فقُتِلَ الانسان بيد أخيه الانسان! و دُمّرَ العمران الذي أنشأته أيادي الخير.

لكن هنالك حرب اخرى، لا يُسمعُ فيها دوي المدافع او أزيز الرصاص، حرب هادئة يخوضها الانسان ضد نفسه، ساعياً للتفوق عليها، للتخلص من مثالبها و الوصول بها الى درجة الكمال. و في هذه الحرب ايضا نجد من يسعى جاهدا لتهذيب طباعه و الارتقاء بنفسه الى مستويات ارقى من الانسانية. و آخر يسعى لبلوغ الكمال في الشكل و المظهر.

السعي نحو تحقيق مثالية الشكل و المظهر يحتل اليوم مرتبة كبيرة في حياة الكثير من الناس. فمنهم من لا يتوانى عن الذهاب الى ابعد ما يمكن لتحقيق ما يعتقد انه “الجمال الكامل”، فأصبحت عمليات التجميل، سواء كانت الجراحية منها او السريعة التي تتم عن طريق الوخز بالابر و حقن الجسد بمواد كيمياوية، أصبحت جزءاً ثابتا من حياة البعض، و ركناً دائما في ميزانيتهم المالية. و رغم التحذيرات الكثيرة من خطورة بعض الإجراءات التي يُخضع الانسان جسده اليها، خطورة متمثلة بالإصابة بالسرطان مثلا، الا ان تلك الإجراءات لا تزال موجودة، لان الانسان لا يزال يطلبها، بل انها أصبحت ضرورة مُلحّة بالنسبة لبعض الناس.

الحقيقة انا اجدُ ذلك مثيرا للحيرة و الاستغراب، فأنا ممن يؤمن بصحة المقولة “الصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء”، فكيف يمكن لأي إنسان ان يجازف بصحته، لأجل تحقيق جمالٍ وُضعَ مقياسه من قبل بعض الساعين الى تحقيق مكاسب مادية! جمال الطبيعة يكمن في تنوعها، و الانسان جزء من هذه الطبيعة، و عليه فلا يوجد وصف محدد لجمال الشكل الخارجي، فالجميل بعين احدنا قد لا يكون كذلك بعين الاخر. و لكن المتفق عليه هو ان جمال الروح يجعل الانسان جميلا، بغض النظر عن ما اذا كان شكله “مطابقاً للمواصفات” ام لا.

1 تعليقك

  1. صناعة الجمال والترويج لمقاييسه اصبح قطاعا يتشكل بملايين الدولارات ويضم شركات ملابس واكسسوارات ومنتجات غذائية ورياضية وكتب وقنوات تلفزيونية ومشاهير …. الخ ، بكلامك البسيط انت تقرعين باب مافيا من اخطر مافيات عصرنا

اترك رد