اغتصاب


 

اغتصاب
للمخرج فادي نور
جرأة الطرح في الحديث عن المسكوت عنه وتجاوز الخطوط الحمراء

يذهب فلم اغتصاب للمخرج فادي نور الى قاع المدينة الحقيقي ، القاع الذي لا تتناوله الأفلام بشكله الواقعي ، بل غالبا ما تشتغل على حافته ، تاركة التفاصيل وحقيقية العيش في هذا القاع خوفا من الوقوع في مسألة تجاوز المسموح به .

العنوان
يثير العنوان فضول المشاهد ، كون الاغتصاب يشكل في الذاكرة الجمعية لأي مجتمع فعلا مستهجنا ، تصل عقوبته القانونية الى الإعدام أحيانا ، وتساهم البيئة بشكل كبير في توفير الجو الملائم للقيام بهذا الفعل ، وهو ما بحثه مخرج الفلم ، اذ اتخذ من احدى حارات الإسكندرية مكانا لبحثه السينمائي ، وأقول (بحث) هنا لان الفلم في حقيقته عبارة عن بحث مسهب وجريء في موضوعة الاغتصاب ، الأسباب ، البيئة ، انعدام الثقافة الدينية والقانونية معا ، عند جيل من الشباب ، وخضوع الكبار لهذا الفعل وتقبله على مضض ، من واقع ليس في اليد حيلة .

الحكاية
يتناول الفلم مجموعة حوادث اغتصاب ، وكذلك انحراف جنسي ، لشريحة شباب يعيشون في قاع مدينة الإسكندرية ، حيث الحواري لا تتوفر على الكثير من مقومات المدن الحديثة ، شباب يتلفظون بألفاظ فيها الكثير مما يخدش الحياء .

المشهد الأول صادم جدا ، رجل وزوجته وابنته يسيرون في الشارع يتعرضون لهجوم من قبل مجموعة من الشباب ، يريدون اخذ البنت ، لكن توسل الام يجعلهم يتركون البنت ويأخذون أمها ، فيما الاب يقف عاجزا بعد وضع السكين على رقبته ، هذا المشهد هو مدخل للعديد من حالات الاغتصاب التي يسردها الفلم تباعا ، طفلة تلعب على سلالم العمارة التي تسكن فيها ، يقوم احدهم باغتصابها ورميها خلف العمارة ، احدهم يغتصب طفلا بحفاظة البمبرز ، فتاتان تمارسان السحاق ، ونعرف انهن لا يعرفن الحكم الشرعي على ذلك ، احدم يواقع اخته ، وتحبل منه ، وعندما تطالبه امه بإجهاض البنت ، يحتج بانه نفس ولا يجوز قتلها ، مجموعة من الشباب لا تعيش سوى على المخدرات والسرقة ، وممارسة الجنس ، احدهم يواقع زوجة أخيه العاجز عن ممارسة الجنس بسبب مرضه ، ورغم معرفة الأخير بأمر زوجته واخيه الا انه يسكت ، احدى البنات تمارس الجنس مع عشيقها قبل زواجها بأيام ويقوم الأخير بتصويرها ، وهكذا يستمر الفلم بكشف الواقع المزري والذي يتخلله جرائم قتل كثيرة .

تأويل النص المرئي
من خلال طرحه لواقع حال ابطاله ، يضعنا الفلم امام تساؤلات عديدة ، لعل أهمها غياب الثقافة الاجتماعية والدينية ، فالشابات اللواتي يمارسن السحاق ، لا يعرفن موقف الشرع منه ، ويذهبن لعدة جوامع ” عشرة بالتحديد ” لمعرفة الموقف ، وهنا الرقم عشرة يشير الى كثرة الجوامع التي لم توفر هذه الثقافة للشباب ، فما الداعي لكثرتها ، كذلك الشباب الذي يواقع أخته ، ويهدد امه بالذبح ان هي اجهضت اخته ، كون هذا حرام والذي في بطن امه نفس لا يجوز قتلها ، مما يؤكد التناقض الكبير في فهم بعض الشباب للنص الديني .

يطرح الفلم موضوع الحشيش والمخدرات كعامل مهم في انتشار الفساد بشكل عام والفساد الأخلاقي بشكل خاص ، وكذلك الجريمة المنظمة ، وتنامي ظاهرة التحرش ، التي يبدو انها تشمل الكل ولا يمكن لأي فتاة التخلص منها ، والسؤال لماذا اللجوء للمخدرات ، اكيد الجواب هو فقدان فرص العمل ، فكل من يستعرضهم الفلم هم عاطلون عن العلم ، والمقاهي هي ملاذهم الدائم .

الفلم أراد ان يقول ان فقدان الرادع الديني والقانوني هو الذي ساعد باستفحال ظاهرة الاغتصاب / التحرش ، السرقة ، الجريمة بكافة أنواعها فالنص القانوني لجريمة الاغتصاب تقول ” من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالسجن المشدد. فإذا كان الفاعل من أصول المجني عليها، أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها، أو ممن لهم سلطة عليها، أو كان خادماً بالأجرة عندها أو عند من تقدم ذكرهم، يعاقب بالسجن المؤبد ” وهذا نص فيه من المطاطية الشيء الكثير وقابل للتأويل .

في مشهد مهم يتناول الفلم موضوع التحرش الذي حصل أيام الثورة ، واتصال احد المسؤولين بأحد الشباب لتحريضه على التحرش بإحدى الفتيات داخل الميدان لتشويه سمعة المتظاهرين ، وتساؤل احدى البنات ” هو ليه محصلش تحرش في 20 يناير ، وحصل في 30 يونيو بس ، وإظهار مانشيتات العديد من الصحف للعديد من حالات التحرش .

الاشتغال
يحسب لمخرج الفلم فادي نور ، هو توظيفه لمجموعة كبير من الممثلين غير المحترفين ، وهم أبناء المدينة الحقيقيون ، والذين ادوا ادوارهم بإقناع تام ، ويبدو ان ذلك عائد الى ان هؤلاء الشباب يعيشون هذا الواقع وليسوا بعيدين عنه .

كذلك فان فادي نور ، تعمد المرور وتجاوز الخطوط الحمراء للبوح ، وهو امر لم يجرؤ الكثيرون عليه ، خصوصا في الأفلام التي بحثت في هكذا موضوع ، وهو ما يحسب له ، في كشف المستور والمسكوت عنه وان كان ذلك قد يكلفه عدم عرض فلمه في المهرجانات السينمائية التي يكون فيها الرقيب حاضرا .

حركة الكاميرا كانت متناغمة مع الاحداث وان بدت مشوشة في بعض الأحيان وغير متناغمة مع الحدث ” مشهد عثور الام على ابنتها مرمية خلف العمارة ” مثلا ، وكذلك مشهد اختطاف البنت الطالبة واغتصابها في نهاية الفلم . رغم ان الكاميرا المحمولة تكون معبرا واضحا عن الواقع .

لم اجد مبررا لظهور مخرج العمل مع مجموعة من الأصدقاء يجلسون في شقة يتناولون الحشيش والبيرة ، ويناقشون الفلم ، ما هي دلالة ذلك ، هل الميسورون لا يخطئون وان تناولوا ما جعل اقرانه البسطاء يرتكبون جرائم عدة ، اعتقد ان هذا المشهد بمجمله زائد ولا داعي له ، كون رسالة الفلم قد وصلت بدون هذا المشهد .

فلم اغتصاب لفادي نور ، واحد من الأفلام الجريئة والمهمة التي تتناول واقع الحال الذي يعيشه الشباب والعوائل التي تعيش على هامش الحياة العامة ، ويحسب لمخرجه جرأته في اشتغاله على هكذا مواضيع .

لا تعليقات

اترك رد