المخرجة السينمائية التونسية ايمان بن حسين


 

أبحث من خلال الكاميرا عن مساحات بيضاء تنير الطريق المظلم الذي أجبر البعض على السير فيه بعد أن رسمه الآخرون .

تمثل المخرجة التونسية الشابة ايمان بن حسين التي تحمل معنى اسمها بحق و حقيق ، نموذج السينمائية المتمردة التي سخرت كاميراتها للكشف و فضح المستور عبر طرح مواضيع ما زالت في عداد المحرمات في المجتمعات العربية ، ترفض ايمان قطعا الافلام التجارية و أفلام المقاولات باعتبارها لا تضيف شيئا للسينما الوطنية ، و تفضل العمل بعيدا عن الابتذال في محاكاة لكل ما له ابعادا سياسية و اجتماعية . لها قدرة على تعرية المحظور دون أن تحتمي بمظلة ما ،صنعت لها مكانة محترمة في الوسط السينمائي العربي ، مما دفع منظمة السلام بلا حدود الدولية أن تعينها مديرة للمهرجان السينما و الموسيقى بالرغم من صغر سنها .

أثارت أغلب أفلامها ضجة اعلامية كبيرة وردود فعل متفاوتة لأنها تجاوزت الخط الاحمر في تناول مواضيع حساسة كشريط “سري جدا ” (2012) الذي طرحت من خلاله سيطرة الولايات المتحدة الامريكية على الاقتصاد العربي برؤوس أموال اسرائيلية ، وفيلم ” في الضباب الاحمر” الذي تناولت من خلاله زنا المحارم ” ، و فيلم “المختفون ” (2012) وهو عن معاناة المواطنين التونسيين في ظل حكم الرئيس المخلوع زين الدين العابدين بالإضافة الي وثائقي عن اغتيال المناضل صالح بن يوسف و ما زال في جعبتها الكثير ، لنتعرف أكثر عليها، خضعت ايمان الى لعبة السين و الجيم :

1 – ايمان لماذا اخترت الاخراج ولم تفضلي الوقوف أمام الكاميرا ، رغبة في الشهرة كبقية البنات في مثل سنك ؟
بكل تأكيد كان اختيار الإخراج هو الرغبة التي بداخلي في صنع شيء مختلف ومثالي وفق رسالة أؤمن بها وأعمل على تحقيقيها ،بالنسبة للشهرة فالممثل الذي يقف أمام الكاميرا لربما حصد شهرة أكبر من المخرج وبات معروفا أكثر في الاوساط ألاجتماعية ، نعم أنا أبحث عن النجاح وتحقيق ما اسعى اليه من خلال الإخراج السينمائي، والشهرة تأتيني ولا أبحث عنها ,

2 هل تتخذين من الاخراج السينمائي وسيلة للتعبير عن وجهة نظرك ، في وقت ما مازالت في عداد المحرمات زالت فيه تونس تئن تحت وطأة المشاكل التي عانت منها ابان ثورة الربيع العربي ؟
تونس تنهض في كل مرة والمشاكل والمحن سنتجاوزها كما عودتنا تونس في كل مرة، أبحث في الإخراج السينمائي عن وسيلة حقيقية تلامس الجميع ليعكس همومهم ومشاكلهم بكل تجرد بعيدا عن مقص الرقيب الاجتماعي وأي استبداد أو ظلم تعرضوا له.
أبحث من خلال الكاميرا عن مساحات جديدة بيضاء تنير طريق مظلم أجبر البعض على السير فيه ورسمه آخرون لهم ، ليأتي اليوم ليسلكوا طريقا جديدا يسيرون فيه بحرية وكرامة بعيدا عن
الظلام وتعديد الاختفاء لطمس ألحقيقة ، الإخراج سلاحي الذي أحراب به طيور الظلام وانا في النور.
الاخراج هو سلاحي الذي أحارب به طيور الظلام و انا في النور

3 – هل كونك امرأة و مخرجة يعتبر تحديا ، يمكن أن تكسبي من خلاله شرعية في الوسط السينمائي التونسي ، أي اعترافا من طرف الفاعلين في المجال السينمائي ، علما أن المرأة في عالمنا العربي ما زالت تعاني من حيف ومضايقات العقليات المتحجرة ، التي تريد أن تعود بها الى عهد الظلمات ؟
التحدي الذي أقوم به هو ما أعرضه وأعمل من أجله في أعمالي، لا أنظر في عملي كوني إمرأة تتحدى الرجال في هذا المجال ، كلانا نقف على خط واحد وأجد الإبداع والتحدي والنجاح لا يرتبط بجنس أو شكل ، والشرعية التي أبحث عنها هو كشف الحقائق من خلال أي وثائقي أقوم به، أو أمارس الإبداع السينمائي في رؤيتي البصرية الخاصة في أي فيلم أخرجه.

عالمنا العربي مليء بالتناقضات ، ولكنه أيضا يمكن أن ترسم أي طريق نجاحك وتجد من يدفعك الى الامام وآخرون يجرونك إلى الخلف، إختر أنت ما شئت من الوسائل لتصل إلى أهدافك الحقيقية بتجرد وبعيدا عن المكائد وبداخلك إيمان بما تقوم به وتسعى من أجله، إن للنجاح وجه واحد والفشل عدة وجوه، وكما أن هنالك عقليات تحارب الإبداع هنالك أشخاصا يحملون شعلة مقدسة بداخلهم يستطيعون بها منح الآخرين النور في نهاية الطريق.

4 – ما هي أهم المشاكل التي تطرح لك عند عملية اخراج فيلم ما ؟هل هي اشكاليات عادية أي ما تتعرض له السينما بصفة عامة ، كأزمة الكتابة ,غياب المؤسسات السينمائية وغيرها ، أم هناك اعاقات جانبية أخرى ؟
لكل عمل حالة مستقلة من المشاكل التي أعتبرها أنا في الواقع تحديات، أعمل على تجاوزها أنا وفريق عمل رائع يؤمن بإيمان بن حسين.
في كل فيلم وثائقي قمت بتنفيذه وعملت من أجل إظهاره بالشكل المحايد والصادق لأمانة تاريخية أحملها، أتعرض لأنواع مختلفة من التحديات، البعض منها في التوثيق وآخر من الشهود ووصولا إلى أشخاص يتضرروا من مشاهدة الحقيقة، وفي جميع الأحوال لدي موقف ثابت لا أحيد عنه ولا أتغير وسوف أستمر فيه، ليست قناعاتي وإنما رسالتي وما أسعى إليه.

نعم كما قلت هنالك ضعف في الإنتاج لدينا وتخوف دائما من الممول للفيلم، ولذلك لجأت إلى مؤسسات دولية وخارجية تعمل على تمويل الإنتاج بالشكل المهني المطلوب، وبالرغم من ذلك أتمنى أن يكون هنالك مؤسسات وشركات تونسية تعمل بشكل جدي على تنفيذ تلك الرسالة والبحث عن دعم المخرجين بالشكل الحقيق.

5 –اثار فيلمك الوثائقي “هل يصنع القتلة الدواء ” ضجة اعلامية كبيرة ، و ردود فعل متفاوتة ،لجرأتك في الكشف عن المؤامرة البشعة ضد الشعب التونسي التي قلت عنها “أطفال تونس فئران تجارب للمختبرات الإسرائيلية “، فهل المضايقات التي تعرضت لها لم تمنعك على المضي في نفس الطريق الذي اخترته لنفسك ؟
كل حجر ألقيه في البحيرة لأحرك به المياه الراكدة، أكون سعيدة بهذا التغيير، لم تكن جرأة مني في فيلم (هل يصنع القتلة الدواء) أكثر منها حقيقة كشفت المستور ومن تلاعب بأطفالنا ومستقبلهم وكذلك الفقر والحاجة عند هؤلاء.

المواقف هي من تكشف الآخرون في حقيقتهم أو زيفهم، والفيلم ساعدني أن أعرف من هم الأشخاص الحقيقيين من حولي ومن هم الذين يمكن أن يخذلك في أوقات تحتاجها، وهنا أذكر عائلتي أولا وما قامت به لأجلي في هذا الجانب ووقوفها معي، وكل ما تعرضت له من مضايقات كانت وما تزال صدقني أنها وقود أسير به قادم الأيام ورصيد أسعد به ليزيد من حجم محبة الأشخاص الصادقين ومن تدافع عنهم وتدعمهم.

6 – بمواقفك ضد العنف و الكراهية و الدفاع عن حقوق المرأة هل يعتبر هذا مصدرا لقوتك وإصرارك على تعرية السكوت عنه ؟
بل هو إيمان بتلك القضية التي سار فيها أشخاص من قبلي ويسير فيه آخرون بعدي، أنا أعالج تلك المشاكل من عنف وكراهية وحقوق للمرأة من خلال منظور شخصي وإيمان راسخ وكليس كل القضايا التي تطرح عادلة أو تستحق أن تقف أمامها وتواجهها أو تسعى إلى إنجاحها، فقط ما أؤمن به وأعلم يقينا داخل نفسي أنها رسالة يجب أن تخرج للعلن وتعلج بالشكل المطلوب، أعمل من خلال السينما وأفلامي على مواجهتها والتصدي لها وطرحها برؤيتي وقناعاتني.

مصدر القوة لدى الشخص هو حقيقة ما يؤمن به ويسعى إليه ويعمل من أجله ومساحة الصادقين من حوله والمخلصين الذين يسعون إلى تحقيق رؤيتك من خلال دعمك في مسيرتك ومهنيتك، القضايا التي نواجهها ونعمل على تجاوزها كثيرة، لكني أؤكد لك أن لدي نفس طويل بإذن الله قادر على تجاوز مختلف العقبات والصعوبات.

7 – ما هو الوضع الحالي للسينما في تونس ؟ و هل تأثر الانتاج السينمائي بالأحداث التي عايشتها تونس بعد الاطاحة بنظام الرئيس السابق زين الدين بن علي ؟
لم تتعالم السينما في تونس حتى الآن بالشكل الأمثل مع الفرص الإجتماعية والسياسية الجديدة حتى الآن، هنالك خليط بين الإبداع والإثارة وفي بعض المرات سقطات للسينما، وبعد الإطاحة بالنظام، لم ألمح التغيير الكبير والجذري في السينما والأعمال التي قدمت، نعم هنالك إبداعات ونجاحات تحققت وما تزال، إلا أنه ليس بالحجم والمخزون المعرفي والثقافي والفني الذي تملكه تونس ويملكه العاملين في هذا المجال.

يجب أن نكون الأفضل فلدينا تاريخ نراهن عليه وثقافة إستمرت وما تزال تتطور وتحديات للمرحلة، يحتاج منا هذا الشعب الكثير وأهمه الصدق والحقيقة ومعرفة مستقبله وإلى أين يسير بالأجيال المقبلة.

تونس المحطة الأهم لدى الشرق والغرب في الفن والإبداع ونحن حلقة الوصل الحقيقية في العالم، إن ما أفسدته السياسة يجب أن يصلحه الساسة اليوم لأنها أمانة الشعب علينا، حقوقنا وواجباتنا أولويات المرحلة ولكل منا سلاحه وسوف أستمر في النهج للإبداع في السينما وما أقدم من أعمال لجعل قضايانا الوطنية والعالم العربي أولوية وسوف نصل.

8 – هل تعتقدين أن السينما سلاح فعال ، لمحاربة الارهاب و العنف و التطرف الديني الذي يهدد صفوف الشباب ؟
بكل تأكيد، الجميع اليوم يشاهد ويتابع وينشر عبر وسائل التواصل المختلفة، والأفلام الوثائقية خاصة والسينمائية الروائية عامة تشكل وتغير أيدلوجية شعوب، ونجحت في توجيه الرأي العام متى ما كانت الرسائلة صادقة والرؤية البصرية حقيقية
السينما سلاح حقيقي يعري الإرهاب من جذوره متى ما كان حقيقيا ومركزا وبداخله قضية وملفات تكشف الفساد وزيف هؤلاء الإرهابيون الذين لا وجوه لهم، نحن الحقيقية وهم المجهلون الذين سيلعنهم التاريخ الذي سنكتبه بالحق والعدل.

التطرف الديني إختطف الشباب والحكومات العربية لها مسؤولية في ذلك والعالمية ايضا عليها واجباتها، والجميع مدان بذلك ويجب أن نعمل تحت منظومة واحدة وفق إستراتيجيات وتوجهات موحدة حقيقية لنتخصل من هذا التطرف الذي لم يكن وليد اليوم فقد مر على العصور الإسلامية وكذلك المسيحية واليهودية على مر العصور.

9 – ما هي نظرتك لصورة المرأة في السينما العربية بصفة عامة ، وهل دخول المرأة لهذا المجال كمخرجة وسيناريست ،في امكانه أن يغير النظرة السلبية السائدة لها ؟
أعود لأقول لك أن لدي شكل مختلف من الرؤية في هذا الموضوع تحديدا، نعم هنالك محطات أسائت لصورة المرأة في السينما وأخرى أنصفتها، إن كنت تنظر إلى التعري أو الإراء الذي أظهر المرأة في صورة يلبية، فلماذا لم تنظر لتعري الرجل أيضا في السينما، أليست هي لغة جسد واحدة، الجميع مان في هذا الجانب، ومن إستخدم الرجل أو المرأة بالشكل السيء يكون مسؤولا عن أفعاله وتصرفاته وأفكاره.

أما الكتابة أو الإخراج للمرأة سوف تنصفها وتقدمها بالشكل الحقيق (لا أظن ذلك) المسألة هو فكر بالدرجة الأولى، ليس بالضرورة أن يكون المدافع عن حقوق المرأة سيدة أو أن تكتب النص سيدة ليكون شرعيا في الدفاع عنها وأنها الأقرب إلى تقديم الحقيقة من الرجل، بل أن هنالك نساء أساؤا لجنسهم أكثر من الرجل.

الموضوع قناعات وإيمان راسخ بالقضية التي تبحث عنها وما تقدمه من أجلها وحقائق يجب أن تعمل على كشفها وتسعى للإنتصار لها كنت رجلا أو إمرأة إنها قضية.

10 – ما هي المواضيع التي تعتبرينها من الاولويات للمعالجة في اعمالك القادمة ؟
ما يهم المجتمع ويشغل الرأي العام وأي محطات ظلم وإستبداد هي قضايا تشغل إيمان بن حسين المخرجة يوميا، بداخلي القضية الفلسطينية كنت وما زلت أدافع عنها وسوف أستمر، أشكال الفساد والظلم في بلدي وأي بلد عربي يشغل همي في السينما، إعطاء الشخوص التاريخية حقوقهم من الإنصاف ما قدموه ايضا أولوية لدي.

التاريخ لدينا فيه قصص حبلى بالقضايا والمواضيع السينمائية ويجب أن تولد تلك القصص من رحم السينما ليكون مولودا جديدا يشاهده من لم يعرف تاريخنا.

لا تعليقات

اترك رد