الأفكار الشّاذة لا تحدث تغييرا


 

لا شك أن تحرير الفكر هو ما يسمو له كل إنسان على سطح الأرض، والمشكلة ليست هنا ولكن مكمنها في أي اتجاه ستحرره ، فهل يكون في الاتجاه النافع المدر بالخير والفائدة على الفرد أو على من حوله أم في اتجاه سلبي يضرب بقواعد المجتمع ويُذّل الفرد أكثر ويجعل الإنسان كالجماد لا تفكير، له أو تفكيره مادي لا يؤمن إلا بالملموس فلا وجود للروح في قوامسه، ولكن وجوده مقرون بإرضاء حياته لرغباتة وأنانيته التي قد تصطدم في الحكمة من وجوده أصلا.

إننا نعيش في زمن انفتاح لم تسبقنا له أي حضارة، فيمكنك أن تطل على أخبار العالم بعين وتنظر الى حياتك والمجتمع التي تنتمي إليه بالعين الأخرى، لكن هذا الانفتاح المتوحش إن صح التعبير، دائما ما جوبه بالدين فألجمه وألجم أفكاره المادية على الأقل، فالبعض يرى أن الدين يحــد من هذا التحرر الفكري، فالدين يجعل للحريات أفقا محدودا، بموانع كثيرة، والدين هو آخر الحصون لمواجهة هذا المد الفكري وصّد ومجابهة تلك الأفكار التي قد تفكك المجتمع المعاصر وتؤخره، وإحاطة الأفكار السامية التي نص عليه الإسلام، الجانب الإنساني وجعل الحضارة والفكر التحرري البناء في منآي من الابتعاد عن إنسانية الإنسان والتفكير الذاتي الذي ينقص من التفكير الشمولي للمجتمع كبنيان واحد، بينما يرى البعض أن الإلحاد هو البديل لتسلط الدين ورجعيته على حد رأيهم، والواقع أن فكرة الإلحاد في المجتمعات المسلمة وهي الوجه المتوحش للعلمانية حيث ينكر الفرد وجود الله كليا أو على الأقل يعتقد ذلك، في مقابل العلمانية التي هي أكثر تهذيبا حيث تبعد الدين كليا عن الحكم وهو ما يتنافي مع مبدأ الأخلاق في تصريف أمور العلاقات سواء داخلية أو علاقات عالمية وتجعل العائد والمردود المادي فقط هو الهدف، ومنه النظرة المادية البحتة.

هذه الأفكار هي من قبيل الأفكار الشاذة التي سرعان ما ترتد على صاحبها،ككرة رميت على جدار فسرعان ما ستعود على صاحبها بنفس القوة، ولعّل ما جرى في تركيا من ارتداد على منهج أتاتورك وعودة الى النهج العقائدي الديني ورفض للعلمانية الصرفة، حتى بعد اتخاذ المناصرين للعلمانية لتدابير تقلص أو تحاول محو الدين من الفكر التركي برمته و غيره من مثل المحاولات في هذه الطريق جوبهت برّدة فعل تكاد تكون آلية نظرا لمركز الدين في قلوب المجتمعات المسلمة، وبعيدا عن اتجاه الفكر الملحد، فإن نظرة الدين تعد أكثر توسعا حيث تشمل الروح والجسد على حد السواء، مما يجعل من فكرة الإلحاد بعيدة كل البعد عن تفكير الفرد المسلم، فقبل التفكير في مجابهة الدين لمثل هذه الأفكار وجعلها من الرّدة التي تبيح دم المرتد، إن لم يرجع عن أفكاره، وحتى أن مثل هذه الأحكام تحتاج الى إجماع تام والخوض فيها غير وارد الآن.

ولعّل بعض هذا الفكر صار يروج له مع تفتح بعض المجتمعات العربية على الديمقراطية، وعلى المجتمعات الأخرى، والنظر الى تقدمها العلمي و التكنولوجي وربطه بالفكر التحرري للمجتمعات الغربية، لكن بالنظر الى الخلف قليلا، سنجد أن الدين الإسلامي كمنهج كان وازعا في خلق حضارة تفوق أي حضارة قبلها، نظرا لاهتمامه بالفكر الإنساني و تطلعاته وجعل عمل الدنيا يتماشى في خط متوازي مع العمل للآخرة…

إن المشكلة ليست في الدين الإسلامي على وجه الخصوص، لأنه لم يشبه تغيير ،فالعلم رسّخه الإسلام في أول آيه نزلت، ولم يكن في يد أشخاص أو حكرا على بعض رجال الدين حتى يساوموا به،مثل ما أصبحت عليه المسيحية، حتى وإن كانت بعض الأفكار التي تبناها البعض هدامة وهي تحسب على المسلم لا على الإسلام، فالدين جعل في اختلاف الأزمنة اختلاف التوجه والفكر والرؤية دون المساس بالجانب العقائدي.

فالمشكلة لا تكمن في الإسلام كدين فكر وتفكر في هذا الزمان وما يليه من الأزمنة، ولكن الخطأ في المسلم نفسه وفهمه للدين حسب زاوية يراها صحيحة أو يُخيل له أنها صحيحة في إتباع منابت شر قد تكون هدفها الإنقاص من الإسلام وبعد نظرته لتحرير الفكر من الشهوانية والسمو به إلى مكارم الأخلاق، و الحقيقة أن المسلم دائما في امتحان يمكن أن ينجح كما يحتمل رسوبه، سواء مع الله أم مع نفسه، لكن الامتحان الذي لا نلحظه هو أمام الغرب حيث أصبح المسلم محسوب الخطى، لا يمكنه الخطأ وهم في الحقيقة يحاسبوننا ليس الأخطاء ولكن يحاسبوننا بجانب أكثر غِلاّ و أغلب الظن لا يسألون أنفسهم كيف أخطأنا لأنهم لهم يد في ذلك ولكنهم يسألون أنفسهم كيف نخطأ ظنا منهم أننا ملائكة بتعاليم هذا الدين، ولكننا في آخر المطاف بشر مثلهم نخطئ ونصيب ولكننا فقط متمسكين بديننا.

إن مثل الإلحاد والدين في وقعهما على الفرد كمثل تحرير سمكة من حوض و تحرير عصفور من قفص فالغاية واحدة و النتيجة تختلف، فالإلحاد يحرر الفرد ليلقى حتفه في أنانيته الفردية فيصبح تفكيره في نفسه ماحيا لغيره وروحه وهو ما يحدث الآن ،حيث تستغل الحضارات الغربية لكل خيرات المجتمعات الأخرى ولو بإبادتها، بينما تحرير الإسلام للفرد كتحرير عصفور ليجوب الدنيا بفكره ويكتشف العالم، ويكون منبع خير وإطلالة فائدة أينما حّل، ولعل أكبر دليل هو ما أصبح هاجس الأحزاب المتطرفة في الغرب هو أسلمة أوربا.

الأفكار الشاذة لا تحدث تغييرا في مجتمع مسلم ليس لسبب كبير ولكن لأن السواد الأعظم لا يهتم لها كثيرا وهي بمثابة نقطة ظل في كون قد ملأه النور،في الجهة المقابلة فإن الفكر الحقيقي الذي يسمو بالإنسان، يكون له صدى كبير وهذا ما يحدث مع الإسلام في أوربا.

لا تعليقات

اترك رد