خدعوك فقالوا الانقلاب العسكري ثورة شعبية

 

تفشت ظاهرة الانقلابات العسكرية في عدد من مناطق العالم، طاعونا اطلقته الولايات المتحدة الامريكية، في بلدان امريكا اللاتينية، باعتبارها الحديقة الخلفية لامريكا التي تؤسس في ذلك الوقت وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية لنوع من النفوذ والسطوة كي ترث نفوذ الاستعمار الغربي التقليدي وتعزز مكانها في الحرب الباردة التي دخلتها مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية.

ووصلت هذه الظاهرة الى العالم العربي في عام 1949 بتحفيز وتدبير من عملاء المخابرات المركزية الامريكية، حسب اعتراف مدير المحطة في دمشق ذلك الوقت، السيد مايلز كوبلاند، وهي المدينة التي شهدت اول هذه الانقلابات على يد ضابط مغامر اسمه حسني الزعيم، قاد الانقلاب الذي كان تدشينا لانقلابات قامت على انقاض الزعامات التقليدية ذات التاريخ الوطني والحضور الشعبي، والمكانة التي تحققت في وجدان الناس عبر مسيرة نضالية من اجل الاستقلال.

ففي يوم 30 مارس من ذلك العام، قاد هذا الضابط عددا من العسكريين للاستيلاء على السلطة في العاصمة السورية، ليقوض بهده الحركة الاجرامية، وهذا الانقلاب العسكري المشبوه، الذي كان اول انقلاب عرفته المنطقة العربية، نظاما ديمقراطيا مدنيا يقوده اهل نضال وشرف وسمعة في النقاء وطهارة اليد، والحنكة السياسية هم رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي، ورئيس الوزراء السيد خالد العظم ، ثم اطاح بعد ايام بمجلس النواب برئاسة فارس الخوري، وهو الرجل الذي قال قولة شهيرة في توصيف هذا الانقلاب هي انه ” اعظم كارثة حلت بالبلاد منذ حكم تركيا الفتاة” ، ولم يكن غريبا ان يقتل حسني الزعيم بعد اربعة اشهر من استيلائه على الحكم، على يد انقلاب جديد بزعيم جديد وطغمة عسكرية غير طغمته، فقد ادى مهمته ، وكان لابد ان ياتي من يقدم نفسه على انه المنقذ الذي جاء لمعاقبة صاحب الجريمة، وتم اعدام حسني الزعيم بتهمة الخيانة العظمى، ولكن هل اعاد الانقلابي الجديد السلطة الى الناس، واعاد البلاد الى الصيرورة الديمقراطية والدولة المدنية السابقة للانقلاب، بالعكس لقد صارت الحكومات الانقلابية قدرا ومكتوبا على سوريا، وهي التي اوصلتها الى الكارثة التي تعيشها اليوم محكومة من اخر الانقلابيين.

وفي يوم 23 يوليو عام 1952 وصلت الظاهرة الانقلابية الى اكبر البلاد العربية مكانة، واكثرها كثافة سكانية، واقدمها في تاسيس الدولة والاخذ باساليب الحكم الحديثة، مصر، عندما تاسس تنظيم من العسكريين اسمى نفسه تنظيم الضباط الاحرار، وقام في ذلك اليوم بحركة تمرد اطلق عليها الحركة المباركة، واطاحت بملك يحكم البلاد، متهم بالفساد وعدم احترام الدستور هو الملك فاروق، ولكنها اطاحت معه باحزاب وقيادات شعبية ووطنية ، بينها اكبر هذه الاحزاب حزب الوفد وزعيمه التاريخي مصطفى النحاس، الذي آل اليه المنصب بعد وفاة الزعيم الذي قاد ثورة 1919 سعد زغلول باشا، وتزعم الثورة في البداية واحد من كبار ضباط الجيش من ذوي التاريخ الوطني، وتم تنصيبه رئيسا للجمهورية هو الرئيس محمد نجيب، ويعزى اليه انه كان مع انهاء الانقلاب وعودة الحياة المدنية والحكم بالتفويض الشعبي، مما ادى الى الاطاحة به واستمرار العسكريين الانقلابيين في الحكم، وختم النظام العسكري على كل حراك سياسي حزبي وزعامات سياسية كانت قد اسهمت في الحياة السياسية، وطنيين اومتهمين بالموالاة للعرش او لدولة النفوذ الاولي في البلاد وهي بريطانيا. وجاء الانقلاب العسكري الذي شهدته العاصمة العراقية بغداد عام 1958 ليكون اكثر الانقلابات دموية في تاريخ المنطقة، حيث ابيدت العائلة المالكة بكل افرادها نساء ورجالا بمن فيهم ولي العهد عبد الاله والملك الصبي فيصل وتم قتل القادة السياسيين بمن فيهم رئيس الوزراء نوري السعيد، ليدشن الانقلاب الذي آلت زعامته الى ضابط مضطرب في سلوكه وتصرفاته اسمه عبد الكريم قاسم، عهدا من الانقلابات، التي حتى وان بدأ بعضها بدون دم، الا انه اوغل في دماء العراقيين بشكل غير مسبوق في التاريخ، كما فعل صدام حسين الذي زاد على جرائم اجهزته ونظامه، ان قذف بشعبه العراقي في اتون حروب مهلكة ، لا تنتهي واحدة حتى تبدأ الاخرى.

ثم وصلت هذه الانقلابات الى السودان، غير ان انقلابها الاول الذي قاده الفريق ابراهيم عبود اتخذ شكلا اقرب الى انقلابات القصور لانه جاء اثر ازمة سياسية اسلم خلالها رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل السلطة الى قائد الجيش، ولانه عطل الحياة السياسية الدستورية ، فان ثورة شعبية هبت ضده، فلم يقاومها واسلم السلطة لتعود الى الدولة المدنية والحراك السياسى الطبيعي الذي قادته الاحزاب التقليدية في السودان، الا ان دفعة جديدة من الانقلابات التي عرفها عام 69 وعام 70 جاءت بدفعة من الضباط ذوي الحماقة والشراسة والطبيعة الهوجاء كان في مقدمتهم ضابط اسمه جعفر النميري استولى في مايو عام 1969 على حكم السودان، واطاح بزعماء الاحزاب التاريخية وبينهم الشاب في ذلك الوقت الصادق المهدي، واطاح باحد زعماء الاستقلال اسماعيل الازهري والسياسي الكبير والشاعر المعروف محمد احمد المحجوب، راكبا الشعارات الكاذبة التي بدأها بانه ضد القرار 242 الخاص بالقضية الفلسطينية الا انه بلغ في رخصه السياسي المناقض لشعارات الانقلاب بشكل كارثي عندما تولى السمسرة مع اسرائيل وقبض العمولة على جماعة الفلاشا التي خرجت من اثيوبيا الى اسرائيل عن طريق السودان.

وفي سبتمبر من نفس العام وصلت الظاهرة الى ليبيا، لتقذف الى المشهد السياسي العربي، اكثر الشخصيات غرابة في سلوكه ومظهره وافكاره، واطاح انقلابه بملك صوفي من زعماء الحركة الوطنية التقليديين، واحد أباء الاستقلال، الملك ادريس السنوسي، واقفل هذا الانقلابي الاحمق الباب نهائيا بالف رتاج وترباس على اي حراك سياسي في البلاد من اي نوع، منصبا من نفسه حاكما ابديا للبلاد، مستخدما ثروة دولة نفطية ليجعل نفسه الاب الروحي لكل الجماعات الارهابية في العالم.

ولست هنا بسبيل تقديم مسح لما تم من انقلابات في اقطار المنطقة العربية واحصاء بعددها، فلا نكاد نجد قطرا واحدا نجا من شرورها، الا انها اقتصرت على محاولات فاشلة في ممالك مثل المغرب والاردن وبعض دول الخليج ولبنان، ونجحت وتعدد تكرارها في بلدان غير التي ورد ذكرها مثل اليمن وموريتانيا والجزائر واتخذ الانقلاب في تونس شكل انقلابات القصر، واطلق كل انقلاب عسكري على نفسه وصف واسم الثورة، زورا وكذبا وتدجيلا وباطلا لان للثورة مواصفات وشروط غير الانقلاب العسكري الذي غالبا ما جاء باعتباره اجهاضا للثورة اوثورة مضادة للثورة الحقيقية، لانه مجرد عملية سطو على الحكم، وبدل ان تسطو العصابة التي ارتكبت الجريمة على محل تجاري، او تقوم بقطع طريق على سيارة محملة بالبضائع، سطت واستولت وتوجهت بعملية قطع الطريق على وطن باكمله، اي ان عصابة الانقلاب قد سطت على حياة كل مواطن، وعلى بيت كل مواطن، وعلى رزق كل مواطن، وعلى كل متجر، وكل شركة، وكل ادارة او جهاز او مركز من مراكز الدولة وخزائنها ومصارفها ومتاحفها، ولا اعتقد ان هناك جماعة من الجماعات العسكرية التي قامت بالانقلاب، لم تكن عرضة لاتهامات بانها سطت على متاحف البلاد وتصرف بعض عناصر الانقلاب في بيعها ويذكرون ان هناك شاحنات كانت تخرج من متاحف سوريا كجزء من صفقات عقدها بعض العناصر من المنتمين لآخر انقلاباتها مع عصابات دولية، ونعرف ان جواهر القصور الملكية في مصر تعرضت للسطو وان التهم لاحقت بعض ضباط الانقلاب رغم ما يمكن ان يقال على رئيس الانقلاب الذي حصل في مصرن من كلام في صالحه، ولكن ذلك لا ينفي ان الانقلاب في حد ذاته ينضوي في سياق الاعمال الارهابية الاجرامية، واذا كان لنا ان نضع تحفظا في هذا السياق فاننا نضعه على نوع واحد هو الانقلاب العسكري الذي تحتمه احيانا حالة من حالات انغلاق الافق السياسي فيحدث ان تلبي قيادة الجيش الحاحا شعبيا ووطنيا بالتدخل لانقاذ الموقف، فيحدث الانقلاب الذي تكون مهمته الاساسية اعادة السلطة الى الشعب وهو ما حدث في حالة الانقلاب العسكري الذي قاده قائد الجيش السوداني السيد سوار الذهب ضد النميري اثر حالة الهياج التي شهدها الشارع السوداني، وقبل انتهاء عام واحد انسحب الجيش وقدم السلطة لاهل الحراك السياسي المدني يخوضون الانتخابات ويتنافسون للحصول على التفويض الشعبي، وهو الحراك الذي اجهضه انقلاب اخر قاده المتربع الان على عرش السودان، الذي قاد انقلابا بتحريض احدى جماعات الاسلام السياسي، وهو الان جالس فوق الخراب الذي صنعه بعد ان مزق خريطة السودان، وارتكب من الجرائم ما جعله مطلوبا من محكمة الجنايات الدوليةن وقد نصب نفسه حاكما ابديا للسودان. واذا اردت ان اضرب مثلا ببشاعة الحاكم الانقلابي فلا اظنني اجد مثلا اسوا من الرجل الذي دخل الجيش اليمني برتبة شاويش، سائقا لسيارة عسكرية، واستطاع ان يشق الصفوف ويخوض المغامرة مع عدد من الانقلابيين في اليمن حتى وصل عن طريق الدم والتأمر الى التربع على السلطة، ودشن حكمه في اول يوم تولى فيه الرئاسة باعدام ثلاثين عسكريا بحجة التآمر ضده، وثار الشعب اليمني في سياق ثورات الربيع العربي، وبدلا من ينسحب كما فعل حكام اخرين، سخر ما سرقه من مليارات الشعب اليمني، وتقول التقارير ان المبلغ المسروق وصل ستين مليار دولار، من اموال شعب يعاني الفقر الى حد ان الحفاء مشكلة في اليمن، لتكوين ميليشيات تحارب وتقاتل السلطة الشرعية في البلاد وتنشر الارهاب والاجرام متحالفا مع عصابات الحوثين التي هي عصابات ارهابية ممولة من النظام الظلامي في ايران.

وسامنح نفسى حق الاستطراد قليلا ، لاقول ان ما تعاني منه المنطقة على ايدي جمعيات التوحش والارهاب الداعشي، ( بكل اوجهه ومسمياته سواء كانت القاعدة او جيش النصرة او انصار الشريعة او انصار بيت المقدس او غيره) ليسوا الا امتدادا لهذه الانقلابات، ولدت من رحمها، وتأست بها، وكانت هي المدرسة التي تعلمت فيها، او بالاحرى معامل التفريخ التي ولدت فيها، وهي معامل تواجدت ونمت وتكاثرت في حظائر هذه الانقلابات، والا فليتفضل احد بالقول ان كان هناك فرق بين ممارسات الانقلابيين وممارسات هذه الجمعيات الداعشية المجرمة، فهي تدعي كما ادعت العصابات الانقلابية، انها تحمل رسالة نحو الشعوب جاءت لادائها، ولم تكن هذه الرسالة الا استباحة الاموال والاعراض والدماء، وهي تعطي لنفسها شرعية دينية لها كما فعلت عصابات الانقلابات بانها تملك شرعية اسندتها لنفسها لا يخولها قانون ولا دستور ولا تفويض شعبي اسمتها الشرعية الثورية، وجعلته الجماعات المتطرفة حقا لها فرض الطريق الذي تراه طريق الحق والعدل والايمان الذي يجب اتباعه ومن حاد عليه فهو مارق فاسق فاجر حق ايقاع الانتقام به حرقا وقتلا وهو ما فعلته عصابات الانقلابات العسكرية عندما قالت هذا هو الطريق الصحيح الذي لا طريق سواه واذا كان الداعشي اقتبس اقوالا من كتاب الله اعمل فيها تشويها وتحريفا فان بعض قادة هذه الانقلابات ادعوا ان لهم فكرا ووضعوا حسب تصوراتهم كتبا منزلة من سماء غرورهم واجرامهم وجنونهم فرضوها على الناس كما فعل راس الانقلاب الليبي. ويمكن ان امضى في هذا الاستطراد على اوجه التماثل والتطابق بين الدواعش واهل الانقلابات الى نهاية هذا المقال، ولكن اكتفي بهذه الامثلة والنماذج.

ربما الفرق بين دواعش الانقلابات العسكرية ودواعش الحاضر، ان دواعش التطرف حافظوا على حياتهم الميدانية في الاحراج والكهوف والدشم، بينما دواعش الانقلابات انطلقوا من ثكناتهم العسكرية للاستيلاء على قصور الملوك والامراء وحياة البذخ، وبحث من لم يتزوج منهم عن زوجة من طبقة ارقى منهم، اما المتزوج فقد طلق الاولى وبحث عن انتماء بالمصاهرة يعوضه عن ضعة منبته، وصنعوا من انفسهم قادة بالقوة ، او بحسب التعبير الانجليزي

Self-appointed leaders

تربعون على كراسي القيادة، والتحكم في رقاب العباد، بلا مرجعية مهما كانت، ويكفي ان نعرف ان هناك خطابا مشهورا للحاكم الانقلابي الليبي، الغى فيه القوانين، لتصبح الكلمة التي يقولها هي القانون، وهو الذي غيب ملكا كان يحكم البلاد بدستور وحكومة ومجلس نواب، بينما جاء هو لالغاء كل هذه السلطات والمؤسسات وصنع مجلسا من عشرة اشخاص يراسهم، صار كل واحد مهم ملكا وهو ملك الملوك، ومع ذلك يسمون انفسهم ثورة شعبية، وحكمهم حكما شعبيا جماهيريا، بينما يسبغ رئيس الانقلاب على نفسه كل الصفات الالوهية، وراينا كتبا ينفق عليها وينشرها في العالم يسمي فيها نفسه رسول الصحراء ونبي يحمل بندقية، والقائد الاممي ، وقائد القيادة الاسلامية، وملك ملوك القارة الافريقية.

الانقلاب العسكري في مصرعام 52، كان صادقا مع نفسه عندما اسمى العمل الذي قام به “حركة” وهي حركةعسكرية انقلابية اضاف لها كلمة المباركة، لتصحيح اوضاع ربما تعجز قوى الشعب الاخرى بوسائلها المتاحة ديمقراطيا، تحقيقها، فالجيش هو في النهاية عندما يتولى بعض الناس تنظيمه وتسخيره لعمل سياسي انقلابين او حتى جزء منه، يبقى حزبا الا انه يختلف عن الاحزاب الاخرى في انه حزب مسلح، قادر على استخدام سلاحه المصرح به قانونا، في فرض التغيير، وكان يجب ان تبقى حقا حركة، اباحت لنفسها حق تصحيح الاوضاع التي يضج منها الناس مثل اختراقات للدستور والممارسات ضد القانون، مثل انشاء تنظيم عسكري سري خاص لتصفية الخصوم اسمه الحرس الحديدي، فكان هناك بالتاكيد مبررات لمثل هذه الحركة التي كان واجبها وحق الشعب عليها، ان تقوم بالتغيير ثم يعود ضباطها وعساكرها الى ثكناتهم تاركين الحياة السياسية والدولة المدنية لممارسة عملها حسب الدستور والقانون، وهناك شهود يقولون ان مثل هذا الرأي كان واردا، وحصل ما سمي ازمة عام 1954 وهو الصراع بين استمرار التنظيم العسكري في السلطة او تسليمها الى الحراك السياسي المدني، وانتصراستمرار العساكر، وهزم الراي الاخر، لان الشراهة والرغبة في الحكم وطعم السلطة الذي استشعره العسكريون كان صعبا ان يعيدهم الى ثكناتهم، ويبقى القول بامانة ونزاهة قائد الانقلاب البكباشي عبد الناصر الذي اصبح رئيسا، ومازال حتى الان له شعبية واتباع واناس يؤمنون بتوجهاته ويثقون في انه كان صاحب ضمير ونزاهة وامانه، الا ان خطأه انه انساق وراء بقية العسكريين، وكان جديرا بما توفر له من شخصية احبها الناس وما صنعه من رصيد اثناء تواصله معهم، ان ينزع ملابسه العسكرية، ويقدم نفسه للانتخابات ويتولى الحكم بتفويض من الناس وسط مناخ ديمقراطي حزبي تعددي برلماني، ولعه كان قد نجا وانجى بلاد مما تعرضت له من نكسات ونكبات ونكوص في مسيرة البناء والنماء.

ومرة اخرى اقول انني لست في سبيل الوقوف عند كل انقلاب وحساب ما حققه من ارباح وخسائر، فالخسائر هي الغالبة مع كل انقلاب مهما كان طيب النوايا لان الانقلاب الذي يستمر انقلابا هو باطل يبني باطلا مهما اشاد من بنيان فهي مبنية فوق رمال لابد ان تنهار وتتهاوى كما حصل مع كل الانقلابات، ومهما كانت المسوغات والمبررات لحصوله فهو باطل فاسد اجرامي اذا استمر في غيه وبطلانه، ولا اجد وصفا ادق مما وصف به كاتب ينتمي الى الثقافة الالمانية وان ولد في النمسا هو ستيفان زفايج في الانقلاب النازي على الدستور والشرعية وهووصف اورده كما قراته في كتاب من تاليفه باللغة الانجليزية اسمه عالم الامس، مع ترجمته اذ يقول:

I have witnessed the most terrible defeat of reason, and the most savage triumph of brutality in the chronicles of time وترجمة هذه الاسطر هي: “كنت شاهدا لافظع هزيمة تحدث للعقل واكثر الانتصارات رعبا للتوحش والهمجية، خلال مجريات الاحداث في هذا الزمان ” وهو ما يمكن ان نقوله عن كل انقلاب عسكري عرفته المنطقة، دون ان ننكر مسئولية الشعوب نفسها عن تقديم العون والمناصرة لمثل هذه الانقلابات، التي تاتي كما اسلفنا القول في وقت يكون فيه النظام السابق لها، مهما كان مدنيا ديمقراطيا قد ارتكب من الاخطاء، التي اعطت المبرر والمسوغ للتغيير، فتخرج الشعوب معبرة عن غضبها من النظام المنهار واحتضانها لاهل الانقلاب المتلفعين بدور المنقذ والمخلص، لكن المنقذ سرعان ما يؤسس لنظام كارثي اجرامي اكثر قمعا ورعبا من السابق له، وغالبا ما يستفيد نظام الانقلاب العسكري من شهر العسل الذي اعقب انقلابه، للتمكين لنفسه والسيطرة على مفاصل الدولة وتاسيس الاجهزة الامنية القمعية التي تباشر عملها في ابقاء النظام بالقهر والتسلط والمغالبة وممارسة القتل والتعذيب لكي لا يأتي انقلاب اخر يزيحه على السطلة ولا يترك بابا لتغيير ياتي بالطريق السلمي والقانوني والدستوري ، لانه مع السلطات الانقلابية لا سلام ولا امان ولا قانون ولا دستور.

يبدو واضحا ان الانقلابات العسكرية ، تنتمي الى عالم الامس، بعد ان سادت قيم المجتمع المدني والحراك الديمقراطي، وانتهت الحرب الباردة وصراع الكتلتين، هذا الصراع الذي كان الانقلابيون، يستغلونه ويبحثون فيه عن مناصرة لوجودهم، وهذا التذكير بكوارث الانظمة الانقلابية مجرد دعوة لان ينظر المواطن العربي خلفه في غضب وسخط وهو يذكر هذه الانقلابات، والا يسمح لمن مازل ينظر اليها باعتبارها ثورات شعبية او سبيل للخلاص والانعتاق بتسويق هذا الكلام وبيعه للقلوب والعقول.

1 تعليقك

اترك رد