خريف العمر


 

كان يجلس على اريكته الملتصقة بجانب التلفزيون بالبهو الكبير ينظر الى فنجان قهوته القابع منذ دقائق على طاولة صغيرة امامه،يبدو كأن قهوته فقدت بخارها الذي كان يتصاعد قبل قليل منذ ان وضعتها الخادمة امامه وانصرفت.

كان يضرب ضربات خفيفة بآخر عصاه على الارض مستغرقا في التفكير …يسترخي برأسه الى الخلف على اريكته ثم يسترسل في تنهيدات متتاليه لبضع ثواني..يعود الى وضعه ثانية ، يعتدل فيجلسته.. ينظر الى فنجانه في رغبة لارتشاف القليل ،يمد يده المرتعشة يتناوله ببطيء في إتجاه لشفتيه،يتراقص الفنجان بين انامله فتتناثر قطرات القهوة الهاربة على ركبتيه،يبدو عليه الانزعاج والتذمر يعيد الفنجان من نصف الطريق الى الطاولة ثانية دون ان يلمس شفتيه ينادي على الخادمة بان تحضر شيء لتنظيف ما سقط على الارض و أن تقوم بتسخين قهوته مرة اخرى.

يتمتم ببضع كلمات (اللعنة على الشيخوخة)!!! ثواني وتأتيه الخادمة بفنجان آخر بخاره يتصاعد من شدة الحرارة، تضعه امامه وتنظر اليه في استغراب،

وهو يجول بعينيه في اركان المنزل الكبير الواسع يدقق النظر الى كل قطعة من الاثاث الفاخر الذي يقبع هنا وهناك..يحاور نفسه ويتذكر العمر الذي أمضى في تجهيزه من اجل ان يجمع عائلته الكبيرة وان لا تتفرق.

يلتفت الى الخادمة فتبادره بالسؤال:
ماذا يحدث لك سيدي اليوم تتصرف بغرابه..

-يبتسم وينظر اليها نظرة عميقة…حمل الفنجان مرة اخرى ارتشف قليلا جدا ثم اعاده الى مكانه..قام يرتكز على عصاه الغليضة الى درج الكومودون القريب منه اخرج بعض الاوراق ..اقترب من الخادمة سلمها لها وطلب ان لا تفتح الملف الا بعد موته مهما كانت المدة.
ثم بدا يروي لها عن ابناءه السبع..وعن جحودهم وكيف انه افنى العمر في اسعادهم وتعليمهم وحتى ساهم في تزويجهم وشراء منازل لهم والتي كانت السبب في ابتعادهم عنه وانعزالهم .. ثم يضيف بحرقة انهم لا يسألون عني حتى رنة هاتفهم لا اسمعها الا قليل جدا..يميل برأسه نحو الخادمة ويواصل:رحلت زوجتي وتركت لي فراغا رهيبا ومنزلا ضخما يمتلئ بالاشباح التي تؤرق روحي.
كانت تنصت اليه بصمت فهو يعيد قصته على مسامعها كل مرة إضافة الى انها تعيش معه منذ زمن…يواصل التمتمات وتقوم هي الى المطبخ لتواصل عملها.

تنظر الى الاوراق التي سلمها اياها تتساءل عن ما بداخلها..ثم ماتلبث ان تتجاهل التفكير فيها..تنشغل في اعداد طعام الغذاء..بعد مدة تسمع وكأنه طرق خفيف آتي من الصالون،تستطرق لحظة لتتأكد….لا شيء..يصل مسمعها ثانية ..تستغرب يتملكها بعض الشك تضع ما بيدها على طاولة المطبخ..تتجه للصالون..تمشي بخطوات بطيئة خفيفة..تنظر الى انحاء الصالون الكبير و الى زواياه لعل شيء سقط.. لم ترى شيء غريب .. تلتفت اليه تقترب من اريكته اكثر تنظر الى عصاه الملقاة على الارض..تنحني تحملها..تقربها من يده تضعها في قبضته..فتسقط ثانية على الارض..ترتعش اطرافها..تمد يدها الى كتفه تحاول تحريكه..فينحني جسده هاويا على الاريكة بلا حياة.

لا تعليقات

اترك رد