الوهابية واستغلال القرآن الكريم وفق منهجهم الإرهابي

 

كيف يخادع الخطاب الوهابي عقول الشباب؟

يمتد الخطاب الوهابي ويمس بنور القرآن قلوب السامعين ويؤثر في عقولهم أشد تأثير بالكثير من الحيل، ولا يكُف عن الخديعة لتنجذب له عقول الشباب ويُبهرهم ببريق الآيات المُرتبة على لسان هؤلاء الممنهجين “الشيوخ” الذين اعتادوا الخداع بوضع أيات قرآنية أو أجزاء من الآيات في سياقات مغايرة عن سبب نزولها الكريم، وبعيدا عن تفسيرها ومعانيها الأصيلة حتى يُكسبها السياق الوهابي منهجيته الخاصة، والتي لا تمت بصلة عن الدين الإسلامي الصحيح بفلسفته الإلهية، بل تُرتب الآيات على ألسنة شيوخ الوهابية وفي خطابهم المغرض لخدمة المنهجية الإرهابية فقط.

والأمثلة على تلك الحيل الوهابية كثيرة، ولا تنتهي أو تتوقف عند حد بعينه أو علم من علوم الدين الإسلامي، بينما تتحرك بمرونة ويسر من منطقة إلى أخرى ومن هدف لآخر، فمثلا ورد في كتاب الله العزيز قوله تعالى من سورة الحشر:ــ “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” الأية”7″، والسؤال المطروح هو هل قوله تعالى: “وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا” أمر للمؤمنين المعاصرين لرسول الله؟، بطاعته طاعة مطلقة، باعتباره القائم على تنفيذ شريعة الله بينهم، حسب ما بيّن سياق الآية الكريمة، أم هو أمر لكافة المسلمين في أي عصر؟، باتباع ما نسبه إلى الرسول الكريم رواة المذاهب المختلفة من أحاديث دُوّنت بعد وفاته بقرن ونصف القرن؟!.

فهذا المقتطف من الأية الكريمة من أخطر وأكثر المقتطفات القرآنية التي تستخدم في الخطاب الوهابي المتشدد لإستمال المتلقي له، فالمتدبر لسياق الآية، يعلم أن الأمر بطاعة الرسول، أوالنهي عن معصيته، قد سبقه حديث عن توزيع مال الفيء أي هناك سبب لطاعة، وهو موضوع تحدثت عنه آيات أخرى، كما ورد في سورة “الأنفال” من حديث عن توزيع مال الغنائم، قال تعالى “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “41”
وهذه الآية، وآية سورة الحشر، يبيّنان مدى مسئولية رسول الله عن توزيع الغنائم، ويبدو أن خلافا قد نشب بخصوص هذا التوزيع، فنزل الوحي القرآني يحسم هذا الخلاف، كما يبيّن ذلك سياق آيات سورة الحشر التالية: ” لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ “8” وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ “9”، وكما هو ملاحظ، فإن جملة “مِمَّا أُوتُوا”، في هذه الآية، تشير بالدلالة القطعية إلى قوله تعالى، في الآية “7” من سورة الحشر: “وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”، وهو ما يتعلق بتوزيع الغنائم، ونهي الصحابة أن يتكلموا في هذا التوزيع، خصوصا أن للمنافقين موقف من توزيع رسول الله للصدقات، فإذا رأوها تُوزّع على غيرهم طعنوا ولمزوا، فيقول الله تعالى في سورة التوبة: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ “588”، وتدبر العلاقة بين قوله تعالى: “وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”، وقوله في هذه الآية: “مَا “آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ”. لا شك أن إيتاء الله هو عين إيتاء الرسول، فالله تعالى هو المشرع، ورسوله هو القائم على تفعيل شريعة الله بين المسلمين.

ولكن يقول “المذهبيّون”: إن “العبرة بعموم السبب، لا بخصوصه”، وتلك القاعدة تخرج أغلب ما أنزله الله تعالى على رسوله الكريم من آيات مُحكمة من سياقاتها حين تستغل وتعطي الحق وكل الفرص لأصحاب المذاهب لإستخدام كلام الله عز وجل في غير موضعه، وتثبيت السلطة القرآنية في قلوب المتلقيين لإكساب الخطاب المتأسلم قوة ونفوذ ومن ثم طاعة عمياء لشيخ المذهب وسلطة.

إلا أن الحكم المستنبط منها حكم عام، بوجوب طاعة الرسول في كل ما أمرنا به، ونهانا عنه!!، ولا خلاف معهم في هذه المسألة الإيمانية، التي لا ينكرها مسلم، ولكن استقطاع جزء من سياق الآية، وهو: “وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا”، ثم من سياق الآيات بعدها…، ثم من سياق مرويات وأحاديث وآيات سور أخرى…، وهكذا، هو محض عملية مضللة ومخادعة لا تسير في طريق صحيح الإسلام وعمل لا يرضي الله ولا يرضي رسوله، هذا الرسول الكريم الذي يدّعي “المتأسلمون” أنهم يتمسكون بسنته، ويدافعون عنها، وهم يفتروا على الله ورسوله الكذب وهم يعلمون وينطبق على أفعالهم قوله تعالى “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ”.

لا تعليقات

اترك رد