انتهاك الحرية الفردية والسلطة الأبوية

 

هذا لا يصلي ولا يصوم وذاك لا يؤمن بالله ومعاصيه كثيرة، وتلك لا تضع الحجاب وملابسها قصيرة والأخرى تخرج برفقة شخص لا يقرب لها وصديقاتها يتأخرن في العودة الي المنزل..هذا ليس واقعا افتراضيا في أحد الأفلام أو الروايات بل أحاديث تجرى كل يوم ومسائل نتعرض لها جميعا وقصص نسمعها شخصيا او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

تتفرد مجتمعاتنا العربية بمثل هذه التدخلات الشخصية الخصوصية بكل ماله شأن بالآخر والآخر المختلف، بملابسه وكلامه وايمانه وصلاته وأفكاره وحتى بكيفية نومه او دخوله الي الحمام. فمن أين جاءت هذه الثقافة الفضولية؟ ولماذا استمرت الي اليوم؟ ولماذا لم نتخلص منها رغم اعترافنا ببعض الاحيان او كتابتنا عن مثل هذه المواضيع بانها انتهاك للانسان وحياته الخاصة ورغم ان هناك حديث للنبي محمد يقول فيه “من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه”؟!!.

فالتدخل في حياة الآخرين وفي أمورهم الخاصة وحشر الأنف في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة يعتبر اليوم نوع من انواع التجاوز القانوني على حياة الفرد في المجتمع. ففي مجتمعاتنا العربية تحولت الحياة الخاصة للانسان إلى عامة، أما في المجتمعات الغربية بشكل عام لا تجد الناس يتدخلون في حياة الآخرين، وحتى وان وجدت هذه العادة لدى البعض ولكنها أقل بكثير من مجتمعاتنا العربية المسلمة، فالغربيون بطبيعتهم، ليس فقط لا يملكون الوقت لمثل هذه الثرثرات الفاضية بل ايضا يعتبرون الحياة الخاصة للانسان شأن خاص لا يمكن تجاوزه او الإعتداء عليه. وهناك عامل اساسي في هذا الأمر وهو ان المجتمعات الغربية قد وصلت الي درجة عالية من التفوق الاقتصادي والمعرفي الذي انتج علاقات مجتمعية سياسية واجتماعية واخلاقية ذات وعي بالإنسان والحريات الفردية.

في الواقع، ان من يمارس مثل هذا النوع من التدخل في الشأن الخاص للافراد انما يعاني من أمراض نفسية يتم تفريغها من خلال التدخل في حياة الناس، إما بالنصيحة المفرطة او مراقبة الناس والتدخل بشكل لا أخلاقي في سلوكهم. ومنهم ايضا من يهوى التسلّط على الآخرين برخصة يملكها دينيا او اجتماعيا او سياسيا وهو ما يعرف بالسلطة الأبوية، سواء مرجعيتها من الدين او الأئمة أو شيخ القبيلة. ومنهم ايضا من لا يعرف اين تنتهي حدود منطقة نفوذه وصلاحياته, ومنهم اناس غُلاظ امتلكو سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستباحوا المنطقة الخاصة للانسان بحجة مراقبة الأخلاق والدين وان الانسان قاصر ومستعد لعمل المعاصي والذنوب وانه بحاجة للمراقبة الدائمة حتى أخذ هؤلاء الأفراد دور الله على الأرض.

حتى نضع العلاج اللازم لمثل هذه الثقافة المهينة للانسان في العصر الحديث، علينا ان نعرف ان مثل هذه الثقافة تتزايد في المجتمعات والبيئات التي يتصف افرادها بالضعف والاتكالية والخوف وعدم النضج الاجتماعي والنفسي، فمن يقبل بتدخل الآخرين في حياته الخاصة هو شخص لم يمارس الحرية الفردية، ولا يعيش في دول قانونية دستورية تقدس الانسان، ويخاف حتى من رفض تدخل الآخرين في توجيه سلوكه وأخلاقه، والأهم انه يتعلم ويسمع في المدارس والمساجد والاعلام ان الحريات الفردية حرام وان المجتمع له خصوصياته وتقاليده التى عليه ان يلتزم بها حتى لو خالفت مساحته الذاتية في الحياة، فانتجت هذه المعرفة مجتمعات عدائية يتصف ابناؤها بالحالة النفسية السلبية, فكل شخص فيها يعيش هاجس الخوف من الآخر لذا تراه يبحث جاهدا عن عيوب وزلات وأخطاء الاخرين من أجل حماية نفسه من هجومهم وأخطارهم، حتى تعلمنا أمثلة غارقة في السلبية والعدائية.. فنحن نربي اطفالنا على “ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”.

نحن شعوب تفتقد معنى الحرية الفردية، فالحرية ليست شعارات جميلة ولا ميل نحو الرفاهية والترف والمثاقفة. فتخلفنا الحضارى والإنسانى اليوم هو نتاج فقدان مفهوم الحرية الفردية فى مجمل حياتنا ووعينا وتعليمنا.

فحين يستطيع أي فرد منا ان يعبر عن ذاته وإستقلاليته ووجوده وسلوكه وقدرته على الفعل والإبداع والحراك بدون قيود تكبله، حينها تتقلص تدريجيا ثقافة التدخل القميئة من حياتنا. لذا أرى أننا بحاجة للبحث عن حريتنا المفقودة وإعادة احياؤها, ولماذا هى غائبة عن وعينا ولماذا تركنا غيرنا يتحكم في شؤوننا الخاصة دون أذن او موافقة .

علينا ان نخوض بجدية فى البحث عن سبب إختلال عقولنا وثقافتنا التى أدت لفقداننا لقيمة الكرامة الانسانية، فانتهاك حرياتنا ليس أمرا قدريا ولكنه بفعل تخاذل بشري وثقافة مجتمعية وموروثات دينية أساءت لوجودنا وعطلت حياتنا.

علينا اليوم ان ندين ونرفض ونقاوم كل فعل تاريخي ماضوي يتعارض مع تطلعاتنا المستقبلية وبناء انسان اليوم، علينا ان نرفض إسقاط الموقف التاريخى والحالة الفكرية والنفسية والسلوكية للإنسان القديم على واقعنا، فهذا الفعل يجلب معه ثقافة الوصاية والرقابة والخوف من السلطة الأبوية. بينما الإنسان ولد حرا ويعيش حرا ويموت حرا.

لا تعليقات

اترك رد