في الديمقراطية ومناهج البحث فيها وما له صلة !! – ج٢


 

ملاحظات أولية
١-لقد نشأت الديمقراطية المعاصرة في المجتمعات الغربية وهي ثمرة تطور اجتماعي – اقتصادي استغرق قروناً ، ولكنها تجربة تمت في مجتمعات حكمتها قوانين تطورها الذاتية ؛ نحن نعيش بيئة مختلفة اول سماتها هي الاحتلالات الأجنبية التي تكررت على مدى ثمانية قرون متتالية وما ترتب عنها من اعباء على عملية التطور الذاتي واتجاهاته ، كما ان البيئة الجيوسياسية تختلف وتعمل باتجاهات تساعد على نمو الطغيان مع تحفظي الشديد على نظرية الطغيان الشرقي الأزلي التي ابتدعها جيل المستشرقين الرواد في القرن السابع عشر مع ما ابتدعوه من نظريات عنصرية مثل تنظير العداء للسامية لتبرير حملات الفتوح الاستعمارية بعد بلوغ الرأسمالية نضجها واصبح البحث عن موارد الخامات والأسواق من عناوينها الاساسية ، ومع ذلك فانه ينبغي الإقرار بأن التطور الذاتي يبقى محتفظاً بصفته العامل النهائي الحاسم دون اغفال تأثير العوامل الاخرى .

نحن لا ندرس التاريخ لكي نعيشه مرة اخرى بتفاصيله منتظرين حتمياته ، ولكن ندرسه من اجل استخلاص دروسه الاساسية من خلال فهم قوانين صيرورته . حتميات التاريخ هي قوانين الهندسة الاجتماعية كما تعرف حالياً في مجال العلوم الاجتماعية ، والديمقراطية كما قلت وأكرر ليست ثمرة عبقرية خاصة وليست ثمرة ندوة للإصلاح او قرار اتخذه حاكم مصلح ، بل تراكم تاريخي استغرق قروناً ؛ لكن هذا لايعني انتظار قرون لاحلال نظام ديمقراطي في عصرنا هذا، بل فهم الشروط الواجب توفرها لانجاح تجربة ديمقراطية في عالم معقد اصبحت الديمقراطية فيه انماطاً ومدارس تبلغ حد التناقض .

في بيئة لاتقل تعقيداً ، رغم ان ماينتابها من نوازل ليس امراً غير مالوف في تجارب الغرب التي سبقتنا ، فأن ما ينبغي عمله هو دراسة متأنية لتلك التجارب والاستفادة من دروسها دون احكام مسبقة . من ذلك فهم مضامين العناوين الكبرى للتجربة الغربية على وجهها الصحيح وفي إطارها وسياقها التاريخيين من اجل ضمان عدم الالتباس في فهم تلك المضامين ، وفي هذه ينبغي الإشارة بوجه خاص الى تنوع المسارات التي اتخذتها مسيرة التجارب الديمقراطية في العالم وتنوع تطبيقاتها وعلاقتها بمفاهيم تكميلية أساسية مثل العلمانية والليبرالية والنزعة الاجتماعية وحتى الاشتراكية .

هذه ملاحظة وجدت نفسي مضطراً لإدراجها في ضوء التساؤلات التي اثيرت بعد نشر الجزء الاول من المقال .

٢-ان للسلطة المطلقة ، وهي معكوس الديمقراطية ، اساسها الاجتماعي – الاقتصادي ، وان تفكيك هذا الأساس هو الشرط الأهم لنشوء الديمقراطية ، وهذا هو الدرس الأول في موضوع الديمقراطية ، وله شروطه لاعادة تفعيله في مجتمعاتنا وان كان بصيغة لها سماتها المحلية الخاصة ولابد من توفر الوعي الواضح بملابسات ذك ، وهذه مهمة الشريحة الاجتماعية التي نسميها النخب بمختلف أصنافها ، نخب المجتمع المدني والنخب السياسية والنخب الثقافية، كما سنرى في قسم لاحق من المقال .

ان اهم حدث في تاريخ العالم الحديث هو نشوء النظام الراسمالي وإنتاجه لمنظومة من العلاقات الاجتماعية متعددة الأطراف في قلب مجتمعات العصور الوسطى ذات النمط الموحد المكرس دينياً . لقد ظهرت الطبقة العاملة وظهرت الى جانبها الطبقة البرجوازية وبينهما تقف الطبقة الوسطى من متلقي الاجور والبرجوازية الصغيرة من الراسماليين الصغار والحرفيين اضافة الى بقايا الطبقات القديمة التي انقرض جزء كبير منها وجوداً وثقافة . هذه الطبقات Class ( او الشرائح الاجتماعية Strata ) تمثل مراكز استقطاب ولها وعيها بذواتها والنابع من مصالحها .

منذ القرن العاشر وحتى القرن الخامس عشر كان العالم يشهد تحلل النظام الاقطاعي وتفككه تحت وطأة إثقاله التي كان ينتجها من قلب منظومته الاقتصادية – الاجتماعية . وكانت وثيقة الماغنا كارتا محطة في منتصف الطريق تضمنت مبدأين أساسيين هما ترجمة المستقبل الناشئ في قلب النظام القديم .

رغم ان الوثيقة ومعظم نصوصها قد اندثرت خلال القرون اللاحقة الا ان مبدأين أساسيين ظلا يشكلان علامة فارقة في تاريخ المجتمعات الغربية :

المبداً الاول ، هو سقوط القدسية التي كانت تغلف بنية النظام القديم والسلطة المطلقة للحاكم – الفرد الذي تولى الحكم بالارادة الإلهية .

اما المبداً الثاني فهو ” حكم القانون ” بديلاً عن إرادة الملك او الحاكم المطلق ، وفي هذا الصدد ورد نص في الوثيقة سيُصبِح من الأسس الراسخة في الفقه الدستوري في العالم الحديث وبفضله اعتبرت وثيقة الماغنا كارتا من الوثائق الخالدة في تاريخ الانسانية ” لايجوز احتجاز اي رجل حر ، او سجنه ، او تقييد حريته ، او حقه في التملك ، او انتزاع أملاكه ، او المصادرة على افعاله ، او اعتباره خارج القانون ، او نفيه ، او إيقاع اي ضرر عليه ، ولن يتم الحكم عليه الا بواسطة محاكمة عادلة من نظرائه او بقانون البلد . لن نترك اي رجل او نسلمه الا بالحق او العدل ” .

تفكك بنية النظام الاقطاعي ومنظوماته الفوقية :
لقد شهدت القارة الاوروپية خلال اكثر من ثلاثة قرون بدءاً بالقرن العاشر نمواً كبيراً في السكان وبداية نشوء المدن الكبيرة ( بورج ) ، وهي معاقل الطبقة التجارية – الرأسمالية الناشئة ، ومنها تم اشتقاق كلمة ( برجوازية ) ، ورغم ذلك فقد كانت الإنتاجية العامة ، الزراعية خاصة ، في تراجع بينما كانت نفقات الطبقات الأرستقراطية في تزايد وخاصة نفقات الحروب حول الارض ومد السلطان الاقطاعي والتي سادت القارة مثل الوباء ، وقد زاد الحالة سوءاً تغيرات دورية في المناخ قادت الى موجة من الجفاف . كانت تلك ظروف مثالية لكل انواع البؤس البشري من الموت جوعاً الى الموت جراء موجات الأوبئة والطواعين او الموت في الحروب .

حفلت القرون المذكورة بسلسلة من الثورات والحروب والحروب الأهلية ومنها حرب المائة عام بين إنكلترا وفرنسا من جهة وبين أمراء الاقطاع المتناحرين حول الارض والسلطة في فرنسا ، وقد استدعت هذه الحروب فرض المزيد من الضرائب قادت بدورها الى تاجيج تمردات الفلاحين المتواصلة والتي اخذت أحياناً شكل ثورات واسعة النطاق ومن أشهرها ثورة جنوب إنكلترا ولندن ( ١٣٨١) التي شاركت فيها الطبقات المسحوقة اضافة الى الشرائح الجديدة التي كانت تولد مثل التجار واصحاب الحرف والفلاحين الأحرار وعمال المدن وقد رفعت شعار انهاء الخدمة لدى لوردات الارض الاقطاعيين وتوزيع أراضيهم على الفلاحين بما في ذلك أراضي الكنيسة . لقد سحقت الثورة كما سحقت الثورات المثيلة ولكنها اسست لسقوط القدسية عن النظام القديم .

سادت القارة فترة من الهدوء خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر والسادس عشر بعد ان استنزفت الفترة السابقة معظم إمكانيات السكان واصبح تكريس موارد إضافية لمزيد من الحروب امراً مستخيلاً ، ثم اعقبت ذلك قرنان آخران من الحروب والثورات الأهلية .

لقد ادى تفكك النظام الاقطاعي وبروز الرأسمالية التجارية ثم الرأسمالية الصناعية الجنينية ( الانتاج الحرفي لاغراض السوق ) الى مواجهات دامية بين النظام القديم وبشائر النظام الجديد وتمثل ذلك في اربع ثورات كبيرة أرست الأسس الفكرية للديمقراطية التمثيلية . هذه الثورات هي ثورة الإصلاح الديني التي حررت العقل من قيود الكنيسة الإقطاعية لصالح كنيسة تؤمن الغطاء العقلاني – الروحي للرأسمالية الصاعدة والتي يرى منظر اجتماعي كبير مثل ماكس ويبر انها مثلت روح ومنظومة القيم الاخلاقية للرأسمالية الحديثة ، ثم الثورة الانكليزية أعقبتها الثورتان الامريكية والفرنسية . ادى تنوع الأنماط التي اتخذها انهيار النظام الاقطاعي الى تنوع الخبرات والدروس والتي ستترجم في تنوع المدارس الديمقراطية وخصوصياتها المنبثقة من تنوع المسار واتجاهات الصيرورة .

ان المجتمع الراسمالي ليس مجتمعاً ديمقراطياً بالضرورة ، ولكنه يصعب تصور قيام نظام ديمقراطي في بلاد تتركز فيها السلطة والثروة بيد الحاكم ، سواء كان فرداً او هيئة . ان النظام الراسمالي يوفر قدراً من تعدد مراكز القوى الاجتماعية ، وهو بالتالي يؤمن البيئة المناسبة للنظام الديمقراطي ولكنه لايشكل مآلاً حتمياً دون وعي وارادة القوى الاجتماعية الفاعلة .

ولكن كيف حصل هذا التفكك في هيكل وبنية النظام القديمة وأدى الى قيام هذه الاحداث الكبرى الاربعة والتي أسالت الكثير من الدماء ودمرت بلداناً باكملها حتى استقر نظام الپرلمانات والحكومات التمثيلية منذ أواخر القرن السابع عشر رغم محدودية رقعته حتى أواسط القرن العشرين بسبب تحول الرأسمالية الى نظام امپريالي حول جزءاً كبيراً من المعمورة الى مستعمرات مما افقد الرأسمالية وقيمها قوتها الاخلاقية ، فسادت بقية العالم أنظمة طغيان او دكتاتوريات عسكرية { لم يتجاوز عدد الأنظمة الديمقراطية في فترة مابين الحربين العالميتين في القرن العشرين ١٢ دولة في العالم رغم ان ان بعض التقاليد الديمقراطية صاحبت المستعمرين ، فتم ارساء بعض هذه التقاليد مثل سيادة القانون والقضاء النزيه وقدر معقول من الحريات الاساسية في المستعمرات وخاصة البريطانية دون نظام حكم تمثيلي . حصل ذلك في المستعمرات البريطانية الامريكية وفي أماكن اخرى وتُساق هونك كونغ مثالاً لذلك } .

لقد ساد اوروپا كما أسلفنا نوع من الهدوء النسبي بعد الحروب الدامية التي شهدتها القرون من العاشر الى منتصف القرن الخامس عشر . أعقب ذلك قرن ونصف من فترة التعافي لاستعادة الانفاس بعد تلك الحروب ، هذه الفترة آمنت قدراً من الاستقرار ووفر فرص أفضل لنمو قوى الرأسمالية – الصناعية والتجارية الصاعدة ، وبذلك شهدت البنية العامة للنظام الاقطاعي المزيد من التآكل خاصة مع تنامي المدن الكبرى وتحولها الى مراكز وقلاع لحماية طبقة التجار واصحاب المهن والصناعات الجديدة . كما كانت ثورات الفلاحين المستمرة في مختلف أنحاء اوروپا تشكل عامل ضغط لإجراء المزيد من الإصلاحات على أنظمة الارض وعلاقات الفلاحين بلوردات الاقطاع الذين تحول قسم منهم الى تجار عقاريين . شكلت تلك الفترة مرحلة انتقالية بكل تعقيداتها من حيث تداخل مصالح الطبقات وتفاوت نوعية هذه المصالح من منطقة لأخرى .

نوع جديد من العلاقات بدأ يسود الريف حيث تحول بعض لوردات الارض الى اصحاب ملكيات عقارية معروضة للإيجار لقاء بدل نقدي ، واصبح الفلاحون الأحرار يتجهون تدريجياً نحو الانتاج للسوق لتأمين بدلات الايجار ، وبالتالي زالت الحاجة الى استخدام القوة والسلاح لإخضاع الفلاحين من اجل الاستحواذ على محاصيلهم او إجبارهم على دفع الضرائب اذ حلت بدلات الايجار محل نظام المشاركة القديم في المحاصيل او التقدير العشوائي للضرائب التي تعين على الفلاحين دفعها وغالباً ما كانت تضع في الاعتبار حاجة الملك او السيد الاقطاعي وليس ايراد الارض الحقيقي . بالتالي فقد حلت صيغة تجارية بشكل تدريجي لترتيب شكل هذه العلاقة . شكل هذا عاملاً اضافياً في احلال نمط العلاقة الرأسمالية في الارياف ، وكان لذلك اثره في تطور البنى القانونية والسياسية لتاخذ منحىً جديداً .

لقد اصبح المرجع في حل آية خلافات بين مالكي الارض من اللوردات وفلاحيهم هي المحاكم الملكية التي كانت تحظى برعاية ودعم الملوك . هذا التطور ادى تدريجياً الى سحب السلطات من اللوردات المحليين الى مركز السلطة الملكية ، وقد استغرق هذا التطور حوالي قرن من الزمن منذ منتصف القرن الرابع شر الى منتصف القرن الخامس عشر ، وتفاوت في مداه . في المانيا وفرنسا وانكلترا كان أسرع من بقية أنحاء اوروپا التي كانت تعاني من الركود بفعل تعرضها للضغط العثماني الذي شكل في معظم هذه المرحلة عامل استقرار للوضع القائم بحكم نفوذه الكبير فيها .

ان العلاقات الجديدة قد استدعت كما ذكرنا نظاماً قضائياً جديداً لحماية حقوق الملكية الخاصة وفض آية منازعات بشأنها وقد استدعى ذلك أناطة الامر الى المحاكم التي يعينها الملك ومن هنا أضيفت بذور اخرى لتعزيز الفكرة القومية الناشئة توافقاً مع مطالب الرأسمالية التجارية لحماية مصالها في إطار حدود سيادة الملوك الذين اعترفت بتبعيتها لهم ؛ بدات حدود القضاء التابع للملوك برسم حدود سيادة الملوك الاقليمية كما استدعى ذلك تعزيز الافكار الداعية الى انشاء الدولة الرشيدة ذات السلطة المقتدرة ، مع دور للنخب ، لاحلال السلام بين الرعايا وهي أفكار تحدث بهاالقديس توما الأكويني منذ القرن الثالث عشر . كان لهذه المرحلة منظروها وفلسفتها كما سنرى في جزء اخر .

الاصلاح الديني : طليعة الثورات الاوروپية
لقد كانت الكنيسة خلال العصور الوسطى والى فترة متاخرة من القرون الاولى للعصر الحديث تمثل مالكاً إقطاعياً كبيراً ، كما كانت الى جانب ذلك تمثل الرقيب الاول على الايمان والعقيدة والمحتكر الوحيد لقرار صوابهما . احتكرت الكنيسة وفرضت ليس فقط فهم وتفسير الكتاب المقدس بل اعتبرت قرائتها له مقياس الشرعية الوحيد لكل زاوية من زوايا الحياة بما في ذلك المعرفة في مجال الطبيعة والطب وتفسير ظواهر الكون والفلك . امتدت سلطتها من خلال إمبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة ومتحالفة معه ، الذي اكتسب هو الاخر قداسته ببركات الپاپا ، الى معظم ارجاء اوروپا المسيحية . كانت اوروپ حتى القرن الخامس عشر عبارة عن مجموعة من الممالك والإمارات والاقطاعيات ترتبط رسمياً ، وان اسمياً ، بالإمبراطور .

اصبحت العلاقات القديمة والتي تشكل جوهر النظام الاقطاعي وخاصة هيمنة الكنيسة والسلطة المطلقة للملوك عاملان رئيسيان في اعاقة قيام الشرائح الاجتماعية الجديدة الناشئة ( تجار المدن ، ملاكي الارض الذين حلوا محل لوردات الاقطاع ، الفلاحين الأحرار المتعاقدين مع الملاكين ، المتعلمون ) عن لعب دور يتناسب مع دورهم الاقتصادي – الاجتماعي الصاعد . في عام ١٥١٧ أعلن مارتن لوثر تمرده على الكنيسة الكاثوليكية ودعا الى وضع الإنجيل بين أيدي العامة باللغات التي يتكلمونها بينما كان حتى ذلك الحين محصوراً بقلة من رجال الدين المتحدثين باللاتينية مما خولهم سلطة إصدار مايشاؤون من الفتاوى الدينية باعتبارها أوامر الهية مقدسة ماخوذة من الإنجيل ، كما اعتبر ان الايمان قضية فردية وان العلاقة مع الاله علاقة مباشرة ولاحاجة فيها لوساطة الكنيسة .

تم حرمان لوثر من الكنيسة الامر الذي ادى الى سلسلة طويلة من النزاعات الدامية بين أنصاره وانصار الكنيسة الكاثوليكية عرفت بالحروب الدينية في العصر الحديث وكانت أشدها حرب الثلاثين عاماً ( ١٦١٨-١٦٤٨ )التي أتت على الأخضر واليابس في اجزاء كبيرة من اوروپا وخاصة المانيا ، كما كانت الملهم للثورات اللاحقة في اوروپا .

وفقاً لمؤرخي الفترة المذكورة وحدثها الأهم ، فان الحروب الدينية التي قادت اليها حركات الاصلاح الديني لم تكن دينية خالصة شانها شان اي صراع سياسي اخر . لقد كانت ثورة متدرجة شابتها طموحات سلالات حاكمة محلية ضد تركيز السلطة بيد ملك او أمير وسببها تغييرات جوهرية في أنماط العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية الناجمة عن تطور تقنيات تلك المرحلة والشرائح الاجتماعية التي ولدتها . كانت الارضيّة ممهدة لتفجر الصراع على نطاق واسع ، وكان يحتاج فقط الى قدحة البداية التي وفرتها ثورة پروتستانتية محلية في منطقة بوهيميا الألمانية ضد الهيمنة الكاثوليكية للإمبراطورية الرومانية المقدسة . كانت عوامل هذا الحدث تتجمع منذ فترة طويلة ويرجعها البعض الى حوالى مائة عام سبقتها . كان الإمبراطور يمثل النظام القديم المدعوم من قبل الكنيسة الكاثوليكية والپاپا فيما مثلت الپروتستانتية النزوع نحو استقلال الممالك والإمارات بعد تطور المصالح المحلية الى حدود اصبحت تتطلب التعبير عن نفسها في اطر سيادة محلية للأمراء والملوك .

انفجر الصراع في منتصف القرن السادس عشر في المانيا بين المقاطعات الپروتستانتية والكاثوليكية وانتهت الجولة الاولى ( ١٥٤٦-١٥٤٧) بنصر كاسح للكاثوليكية ثم تجددت الحرب بين الطرفين عام ١٥٥٥ وتم الاتفاق حينها على الاعتراف بان الدين السائد لكل مقاطعة هو الدين الرسمي فيها وان أمير المقاطعة هو صاحب القرار في ذلك وفق مبدأ ” دين الامير هو دين الإمارة ” . رغم هذه التسوية فقد استمرت فتاوى التكفير بين الأطراف التي استقطبتهم ثنائية الكاثوليك ( الإمبراطور وكنيسة روما ) والپروتستانت ( الأمراء المحليون والكنائس المحلية ) ، وكان هذا في المانيا . اما في إنكلترا فقد بدات الملكة ماري الاولى الكاثوليكية باجتثاث شأفة الپروتستانتية ، التي ادخلها الى البلد اخوها الملك الطفل ادوارد السادس ، وقامت بحرق المئات من رجال الدين الپروتستانت وتشريد اتباعهم ، ثم خلفتها اختها إليزابيث الپروتستانتية التي اعادت الاعتبار للديانة الپروتستانتية التي كانت ديانة القوى الاجتماعية الجديدة الصاعدة ، وفي إسكتلندا حصلت احداث عنف ديني مماثلة .

ان احداث كهذه شاعت في أنحاء عديدة من القارة ، غربها ووسطها بشكل خاص ، وأخذت شكل استقطاب ديني – طبقي ، فقد شكلت الطبقة البرجوازية الصغيرة والكبيرة وقود الديانة الجديدة الداعية الى الاستقلال عن هيمنة الإمبراطور والپاپا ومن كفاحها تطورت نظريات الدولة القومية المستحدثة في اوروپا مابعد الاقطاع كما نقلت موضوعات الشرعية من ساحة الدين ، بعد ترسخ خارطة توزيعه الجديدة بشكل لم تعد القوى القائمة قادرة على تغييرها ، الى ميدان جديد هو مبادئ الحكم الرشيد ومانسميه اليوم بمبادئ التنوير .

لقد استمرت هذه الصراعات لحوالي قرن ونصف منذ منتصف القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن السابع عشر وانتهت بتسوية مشهورة وهي التي تعرف بنظام وستفاليا ، هذا النظام مهد لولادة الدولة الوطنية الحديثة ومبدأ السيادة الاقليمية للحكام كما شكل نقلة نوعية في علاقة الكنيسة بالدولة ، ولعل اهم ثمار هذه المرحلة وثورات الاصلاح الديني هو تأسيس اولى مبادئ الهوية الوطنية مع بداية انبثاق ظاهرة الدولة الوطنية او دولة – الأمة ، التي تعتبر الأساس القانوني الذي سترتكز اليه الديمقراطيات بمفهومها الحديث .

اعقبت حركات الاصلاح الديني وحروبها وثوراتها ثلاثة احداث كبيرة شكلت القطيعة النهائية مع النظام القديم وأسست لسيادةة مبدأ شرعية الحكومات المستمدة من التمثيل الشعبي ، الثورات الانكليزية والأمريكية والفرنسية . هذه الثورات مثلت الانتفاضة الاخيرة لإزالة بقايا ورواسب النظام القديم وشكلت بوابات الديمقراطية المعاصرة وبدرجات ومسالك متباينة .

من ذلك وَمِمَّا سيرد في الاجزاء القادمةيمكن القول ان الديمقراطية في اي من معانيها الاساسية الثلاث ( عقيدة سياسية حول السلطة والحكومة ، او ترتيبات دستورية ومؤسسية للهيئات الحكومية ، او نمط سلوكي اجتماعي من القاعدة حتى القمة ) .. لم تكن بهذه المعاني ثمرة اجتهادات الفلاسفة بل كان هؤلاء هم انفسهم من نتاج النمط الراسمالي الجديد للمجتمع ، واكبوا أحداثه وصنعوا له فلسفته ؛ كما لم تولد لان محاججة عقلية او فلسفية قد نظمت حولها وأقرت ، وانما سالت من اجل إحلالها دماء غزيرة وكانت الفلسفات السياسية سلاحاً في هذه المعارك على مستوى الافكار ، كذلك لم تكن خياراً عقلانياً مدروساً لتحل بديلاً عن نظام قديم سادته الحروب الأهلية والخارجية لان الفترة اللاحقة لم تلغ الحروب والعنف من قاموس علاقاتها وانما حولت اتجاهاتها ومضامينها .

من السياق العام يتضح ان البذور الاولى للديمقراطية التمثيلية جاءت حصيلة تراكم خبرات وصراع وأمنت لها طبيعة المصالح الاجتماعية – الاقتصادية الناشئة بيئتها المناسبة . ستضطر هذه القوى الاجتماعية الجديدة الى خوض سلسلة جديدة من العنف الداخلي كي تطيح باخر بقايا النظام القديم لتمهد الطريق لظهور بنى النظام الجديد بتجلياته المختلفة تحت عنوان الديمقراطية التمثيلية .

يتبع

شارك
المقال السابقالاعلام والارهاب – ج3
المقال التالىذات اتقاد

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد