الأغنية الشعبية في تونس – ج5


 

أغاني المآتم:
لابدّ للإنسان من نهاية ،والمعتقدات حول هذا الموضوع متنوّعة ،فالموت في نظر الكثير رحمة إذا كان المتوّفي مريض أو طاعن في السّن ،ومصيبة بل وكارثة إذا كان الفقيد لا يزال في ريعان شبابه أو إمرأة حامل أو إمرأة تاركة وراءها أبناء صغار.

ومن أهمّ عادات جهة سليانة في الرثاء هو أن يغلق الباب على الميت ويخرجّن النساء إلى وسط الدار مع مجموعة من الجيران والأقارب ومعهم “الندّابة” أو “العداّدة” أي التي ترثي الميت وتعدّد مناقبه بكلام بليغ موزون مقفى وأخريات يردّدن اللازمة مع رفع الصوت بالصياح ولطّم الوجه وشدّ الشعر وتقطيعه ويخدشّن وجوههّن حتى يسيل الدمّ.

وتزداد حرقة الشوق ولواعج الحنين والنحيب والعويل إذا كانت الفقيدة إمرأة وخاصة إذا كانت أمّ تاركت وراءها أبناءا صغارا حيث يرتفع صوت النائحات بقول:
“لكنهي كانت ولا صارت ولكنهي في بيتها ما دارت
مثيل حمامة صرفقت طارت
دقيت باب الدار ما طلعت ونديتها بالصوت ما سمعت
قالوا جيرانها رحلت
دقيت باب الدار بالمسمار تطلع الأميمة كاتمة الأسرار
نشكيلها بمواجعي وما صار
البيت بيت أمّي وعتبتها والساكنة مهياش نغمتها
ترّد الجواب على إيتامها
خليني نبكي ع الجودة على بيتها في الصّف مردودة
وخروجها على أولادها بلا عودة”

وهذه أغنيّة أو مرثيّة إن صحّ التعبير تصف حالة أمّ فقدت إبنتها بسرعة البرّق التي تركت بدورها أطفالها يتامى فنجدها مع النائحات الباكيات.
ولا يمكن أن نصف حجم الأسى والحزن واللّوعة عندما يكون الفقيد رجلا لا يزال عريس جديدا لم يخّلف أبناء بعد:
“يوليدي ما تستاهل المدّة كان ركوب الخيل والعدّة
إنت مشيت يا حلول الشدّة
يوليدي ما تستاهل النواح كان ركوب الخيل والسلاّح
ودخولك على مرتك ديما بالأفراح
ياوليدي ما تستاهل التعديد كان الحوايج والحرام الجديد
ودخولك على أمك نهار العيد
خليني نبكي على الأجواد حطّوا برانسهم على الأعواد
ماتوا صغار ما خلفوشي أولاد
ياغاسلو حطو على فرشو حتى يجي الحجّام بامواسه
يشيع الخبر ويسمعو ناسو”

وكل هذا البكاء والعويل وما يصاحبه من لطم وتقطيع للشعر وخدّش الوجه حتى سيالان الدم يدّل على عدم الصبر على المصيبة وعدم الرضا على قضاء الله وقدره ،والإسلام كان قد حرّم مثل هذه الممارسات. فكانت العادات المتّبعة في جهة سليانة أنه ولمدّة ثلاث أيام كاملة يستمع الحاضرون للذكر والقرآن الكريم لمواساة أهل الميت وتذكيرهم بأنّ كل نفس ذائقة الموت مثل هذا الذكر:
“إنت عالم بسّري يا سميع يا مجيـــب
يا مولايا أصلح أمري نتوّسل بالحبيــــــب
باركلي في حياتي قبل فوت الممـــــات
وإصلح لي في كل آتي وأختم لي بالثبــــات
وإتقبّل صلاتي مدّة فصل الحيـــــاة
يا مولايا أصلح أمري نتوّسل بالحبيــــــب
يا ربي عبدك تالف ولبابك واقـــــــــف
دلّني للخير وأعطف وأغفر فيما سلـــف”

حسب المقابلات التي قمنا بها وجدنا أنّ مثل هذه المرثيات وهذه الطقوس تتفاوت من منطقة إلى أخرى حسب درجة تعليمهم وحسب سنّ المتوفيّ وجنسه وهذه الأغاني موجودة في مجتمع البحث رغم يقينهم بأنّ كل نفس ذائقة الموت بإذن الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم:”وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله كتابا مؤجلا”
” وما تدري نفس بأي أرض تموت

لا تعليقات

اترك رد