قدرات مهارية .. تجذب البعض نحو الإقتداء بالفنان التشكيلي – وليد شيت

 

علينا أن نتناول هنا الجانب الإيجابي في هذا الأمر. . إذا كانت هنالك مهارات من التقنية المجلبة للأنتباه والتقليد، من قبل بعض الفنانين، قد تثير الأستفزاز لدى الفنان – وليد شيت – علينا هنا أن نرفده بجانب الأطمئنان والفخر، كون إسلوبية المصدر لدى الفنان – وليد شيت – هي مشخصة ومتعارف عليها، لاتقبل التأويل والإستبدال، وقد تكون بعض الحالات إحدى الروافد لمنح إسلوبية مختلفة. . كما يحصل بتاثره بالفنان – فائق حسن – أما في حالة مطابقة العمل بصيغة الكوبي. . حينئذ تنبذ تلك المطاولات غير الشرعية. . التي يرفضها المتلقي الواعي. . والمدرك لمصادر الأعمال الأصلية. . لذلك فإن جانب الإقتداء هو مخالف إلى جانب التقليد .

للفنان – وليد شيت – تجارب وأنغام بصرية متنوعة الأساليب، لكنها جميعاً تلتقي في مصبات التقنية الدقيقة، ذات المهارة المركزة، لإبراز القدرات المظهرية التي تستوقف المتأمل به سروحا. . ضمن إطار الإنتباه والأصغاء، والحوار والتساؤل نحو كيفية إجراء تلك المراحل التي تم الخوض فيها. . لمنح المتلقي تلك النتائج العالية .. هنالك إقتداء وإسناد مصدري، يأخذ منها ما يرفد تلك القدرات المهارية، لكنها تعد عوامل مفردة لإثراء معرفي مخزون نحو تنمية التطبيق العملي، تتطور وتتغير وتنقلب نحو علامات شكلانية تعكس هويته الخاصة، حيث نجد إلى جانب الأعمال الواقعية التي تُظهر تأثرا واضحا بالفنان الراحل فائق حسن، فإنه في الوقت ذاته مهتم بشق طريقه الرئيس الذي يعلن به عن نفسة حداثيا،

فإلى جانب ما قدمه في مهرجان بغداد العالمي للفنون التشكيلية من عمل متقن أبرز إمكانياته التقنية في إستعمال الـ air brush والتي برّزت تجعدات الورق بشكل مجسم ضمن سياق الخداع البصري الملفت للنظر ،قدم فيها وجها نسائيا مجلبا للأنتباه .. تجسد ذلك في المعرض الذي أقامه في التسعينات على قاعة بغداد لصاحبتها الفنانة سميرة عبد الوهاب وجد الفنان – وليد شيت – ضالته في الحصى الذي قام بإعادة تكوينه في تشكيلات مختلفة وأنيقة، والتي طافت فيها مراحل من الإتقان العالي المستوى والإنتباه. . إنها كانت بصيغة مظهرية من الأناقة .

تتوافق محتويات المضامين الفكرية والأداءية بأنواعها المختلفة، مع نصوص تراص عبارات القصائد الشعرية لجعلها تبدو أكثر رقياً وجمالاً وإبداعاً في حالة التأمل .. وهي تدعوا إلى ترابط العلاقة بين المعنى الحرفي المهاري للأعمال الفنية ، والمعنى المجازي المطابق إلى عينات من نماذج مختصرة بنسخه داخل الذات ، و كذلك مضامين دلالاتها ومعانيها المعمقة المتداخلة بمفرداته وموضوعاته للأعمال الفنية. . تلك المضامين الموضوعية المتراصفة مع الكوامن الذاتية في خطاباتها التشكيلية، يتضامن مع مخزوناتها الفكرية .. لقد كانت عينات المفردات الأستعارية تنطق بحيوية السكون الهاديء .. وبمنطق إدراكي معرفي ودلالات هادفة ضمن تسلسل متجاور وبوحدات متوالية إستندت على تراصفات الإتقان من خلال وسائل التنفيذ لمواضع أو ( أماكن ) الألوان وإستخدام الخطوط التي تجري عملية الترابط بين الأجزاء للوحدات الشكلية. . بنهايات التفتيش، يتم ذلك التجسيد من خلال كوامن الذات لهواجس المشاعر الوجدانية. . لمفردات مجسدة بتشخيصها الواقعي المرئي. . بلغة إستعارية مركبة. . ولكنها بعيدة عن التأمل الميتافيزيقي .. والسرمدي الأبعاد .. تختلط معها محصلة مخاض التجارب الزمنية. . التي تعكس هوية التشخيص المتفرد له،

يتم ذلك التفسير والتشخيص من خلال تركيبة الصيغ التكوينية لبنيوية الخطوط والألوان الخاصة بترتيبها الشخصي والمشخص نوعيا. .تلك المناخي الأستعارية المرتبطة بمصادر جذورها الرافدة – ROOT METAPHORS – تجعل المتأمل يقف ليفسر, ويحاور ويقارن, بين تلك الأجزاء النصية من المفردات. .برغم أصولها التشخيصية المرئية كما تم ذكرها آنفا. . تسوق المتلقي حالة الأمعان إلى مرحلة الرؤية المخلصة لبنيتها الجاذبة، أي إن الإنسياق السروحي لمراحل التأمل هي ليست بسبب أشكال وآفاق سوريالية تسرح في الخيال والأفق الفنتازي، وإنما ضمن إطار إنجذابية الأداء التقني الهايرموني في التدرجات التي تحتاج إلى مزيد من الوقت الإنتقالي. . والذي يتحفظ بالحذر والأمعان من مداخلات متجاورة محددة التشخيص والإنتقال والخشونة في التدرج والملمس. .

وإذا حصل إستيطان كتلة مغايرة لونا وشكلا وسط هذا الملمس ( السوفت ) فإن إنسيابية الضلال المعاكس والمكمل لها يكون ضمن مراحل الإنسجام والتوافق الضمني مع الأجواء العامة للأرضية التي تم تهيئتها تقنيا، ولكن في أعماله السابقة أبان السبعينيات والثمانينيات، فإنها تأخذ ضربات لونية متجاورة متضادة، تنطق بلغة دراماتيكية منفعلة. . لأحداث مهمة في البلد. . تأخذ منحى الإسلوب التعبيري الرمزي، إذ يتوسط العمل جسد خشن مفتعل. . تحيطه أجنحة كبيرة، تحلق فوق رأسه المخفي نسور مفترسة، إنه صراع محتشد بين أردان محيطها وحيطانها الساخنة العدوانية، وهنالك أعمال واقعية تتضمن خيول في حركات متوازنة وليست عشوائية، فيها حيوية الإنجذاب والتامل .. وهنالك أعمال معمارية تراثية تتخللها مداخل للأزقة الضيقة والشبابيك بألوان هادئة منسجمة، ولكن يبدوا إن مراحل التحول والتغيرات، هي إنعكاس لروحانية المشاعر النفسية بين مرحلة وأخرى .

– مضامين وإنسجام لوني –
تتميز أعمال الفنان – وليد شيت – في رسم تفاصيل دقيقة. . وبترتيب الألوان المنسجمة في هايرمونية التدرج والانتقال. . وبعضها تضادات لونية من خلالها تسترخي إيحاءات التوصيل الإشاري الباث إلى المستلم وإستطاع بطريقة غير مجهولة المعالم والملامح. . بعيدة عن طوبائية الأفكار والخيال. . حيث تسودها البساطة في الخلق الإنشائي. . تقابلها طرديا علو المهارة الجمالية .. تلك العوامل تساعد على إيصال أفكاره للمتلقين بإنسيابية هادئة، معبراً عن مجريات الحياة الإجتماعية ، من خلال توزيع الأشكال والوحدات الصورية وخلق إنشاء تصويري متوازن في التركيبات التكوينية متبعا نظام التمعن والتأني في خلق مميزات النتائج والدقة، فلقد رسم الفنان عتمة الليل والإضاءات البعيدة اللافتة للأنتباه مظهرا في اللوحة رجلان أحداهما يحمل طبل كبير” الدمام “والآخر يلوح بيده كأنه هو المنادي ومن خلفهما هيئة حارس ليلي يمشي متبخترا في الأزقة الموصلية المتميزة بشناشيلها وقرب بيوتاتها الشعبية من بعضها البعض يتوسطهما في مركز اللوحة مسجدا بقبته ومنارته البارزتين، ليمثلا عمقا منظوريا للوحة، مصورا بذلك روح الماضي المبهج للناظر، الذي يشع بالحياة وينبض بعطر ليالي رمضان الساحرة والألفة التي تجمع الناس,

برغم أجواء العتمة وظلام الليل. وبالرغم من إستناد مصادر مفردات أعماله المشخصة حياتيا. .إلا أن الفنان – وليد شيت – كان يركز على خلق بنية جمالية العمل الفني كباقي أعماله الفنية على الناحية التصميمية المتناسقة والمتوازنة، إذ تتوزع الأشكال والألوان كي يمنحها روحية المشاعر والأحاسيس الذاتية المشتركة مع ذوات الآخرين ، فضلا عن إستخدام التكوينات اللونية المسطحة ذات المساحات الكبيرة التي قد تبدوا صلبة أحيانا في الرؤىً ، وأخرى فيها إنسيابية المرونة بمنطق السوفت .

لقد جسد الفنان التشكيلي – وليد شيت – بأعماله أصالة المجتمع العراقي وبعضا من طقوسه وتقاليده التراثية – الموصلية – بلد المنشأ، منها طقس السحور والمسحرجي في رمضان ، ومايتطابق مع أعراف وتقاليد الفلكلو العراقي بشكل عام ، تلك اللوحة للفنان التشكيلي العراقي – وليد شيت طه – وهي من مقتنيات المتحف البغدادي جسد فيها شخصية ” المسحرجي ” وهو يجول في أحد الأزقة الشعبية لمدينته، كتقليد إسلامي رمضاني لتراث قديم . وبجانب نتاجاته التشكيلية المتعددة. . نطق بمخزونات أفكاره المعرفية الشاملة التي رفدته من خلال مصادر التنوع التجريبي التي منحته ثراء الخبرة في إعطاء الرأي والتحليل والاستنتاج، حيث تنطق بلغة ولسان القلم ، لقد ابتدأ الكتابة مجلة العراق اليوم ( IRAQ TODAY ) منذ سنة 1975 ونشر فيها عددا من المقالات النقدية عن الفنون التشكيلية وهو يحمل شهادة البكالوريوس من اكاديمية الفنون الجميلة 1969 والماجستير من جامعة هارتفورد بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1981 عمل في وزارة الثقافة والإعلام، وعمل مدرسا في كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد، ولقد زامنته تدريسا لنا نهاية السبعينيات، عندما كنت في إختصاص فرع – الكرافيك – لمادة التخطيط، كتب عنه الأستاذ حسب الله يحيى والأستاذ شوكت الربيعي، وله محاضرات ودراسات نقدية في المحافل الفنية والدوريات المحلية والأجنبية،


كما إن له رسوما وأعمالا نحتية كثيرة . وفي حوار له في مجلة (الزمان الجديد ) عدد أيلول – تشرين الأول 2004 , يبدي رأيه بإنه منشغل بالآلة على نحو مريع ؛ فالإنسان لديه ليس إلا عقل ويد .. والعقل هو الرؤية ، واليد هي الآلة ..إنها إمتداد لقوى عقل الإنسان، مكنته من تطويع أشياء كثيرة في الطبيعة، حول بموجبها الأحلام إلى حقائق,وهو يعرف ما يعانيه الإنسان في خضم شريعة الغاب التي أوجدها المستعمرون بتدخلاتهم، والتي عطلت ولادات خير كثيرة في العالم .

الفنان – وليد شيت – يعرف إن ما يبدعه الإنسان من رسم ، وتشكيل يستهدف توظيف عنصر الفراغ بالمقام الأول عن طريق توظيف الشكل والجسم وظله . ويقول إن أعماله حسية وجدانية من حيث التنفيذ والأداء . وأخيرا يرى الفنان – وليد شيت – إن الآلة العسكرية العدوانية الغربية هي عدو للطبيعة والإنسان ؛ فهي تلوث البيئة، وتنسف الحضارة ، وتقتل الرجال ، وترمل النساء ، وتيتم الاطفال وتدمر المدن ، ولا مهرب منها إلا إلى الطفولة .. إلى البساطة إلى الأصل والعفوية إلى الإنسان . لذلك نستنتج من خلال قراءتنا التأملية لأعمال الفنان التشكيلي – وليد شيت – هو تجسيد للروح الجمالية بجوانبها الإيجابية لمتضادات للحياة. . والتي تقتضيها مفاهيم خاطئة يتم تشويهها من خلال الصراعات النفعية والتنافس بين الكتل البشرية. . تلك المفاهيم، يقوم بأدحاضها من خلال الوجه الآخر للجمال والأمل والنقاء والإيمان بحيوية القيم الجمالية للحياة .

الفنان ” وليد شيت طه ” من مواليد مدينة الموصل 19477، تخرّج من أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد 1969 درس الماجستير في ألفن وحصل عليه من جامعة هارتفورد بالولايات المتحدة الأمريكية وعمل كمدرس للفن بغداد، له العديد من المشاركات في المحافل والمعارض الوطنية داخل العراق وخارجه، وهو عضو مؤسس لجماعة الأكاديميين العراقيين وجمعية التشكيليين العراقيين، وعضو نقابة الفنانين العراقيين .

شارك
المقال السابقذات اتقاد
المقال التالىاحكام الطعن بقرار امر القبض

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد