الاعلام والارهاب – ج3

 

الاعلام وموضوعة الدين

كانت ثورة الاتصالات وانتشار القنوات الفضائية فرصة للأديان ودعاتها في توسعة الحوار وإيصال الرسائل الدينية إلى أكبر رقعة من المشاهدين في دول أخرى، فضلا عن فضاء الدولة الواحدة لبث قيم الإنسانية من العدل والتسامح وتثقيف البشرية على المشتركات بين الشعوب. حيث وفر الإنترنت والفضائيات وغيرها من وسائل الاتصالات على المسلمين المال والجهد بدلاً من إنتقال الداعية إلى بلاد أخرى للقيام بمهمة الدعوة، كما أعطت ثورة الاتصالات فرصة للاطلاع على طبيعة الشعوب الأخرى بما يسهّل عملية التعامل والحوار والتواصل معها .

لكن ذلك يتطلب حذرا وتحكما شديدين في تقدير ايجابيات الاعلام الجديد من مساوئه على الرسالة الدينية حيث ان سرعة ايصال الرسالة الصحيحة هي ذاتها سرعة ايصال الخلل والتناقضات والضعف والقراءات الخاطئة. فقد شهدت مرحلة التحولات السياسية بعد ما سمّي بالربيع العربي تغيرا في الإعلام الديني، بتحول عدد كبير من القنوات الدينية إلى قنوات سياسية / دينية تحريضية، فكثير من الدعاة والرموز الذين قضوا سنوات ينشرون أفكارهم على هذه القنوات وملتزمين بعدم العمل في السياسة، تحولوا فجأة إلى قادة سياسيين وترشحوا إلى الانتخابات، موظفين الخطاب الديني والرواية والاعتقادات المختلفة في الدعاية الانتخابية، عبر تقديم بعض القنوات لقصص وأوهام ومحددات عشوائية في الدعاية الانتخابية للتعاطي مع مناخ (الديمقراطية الجديدة) التي فرضتها الثورات.
فلم يعد البرنامج الانتخابي أو مؤهلات المرشح أو تاريخه السياسي هو الحكم بين السياسيين أو المرشحين للرئاسة مادام هذا الشارع يموج بالعواطف الدينية، فكان (الحلم المقدس) هو الدعاية الانتخابية الأكثر تأثيرا في الشارع. وفي لقاء لأحد المرشحين المحتملين للرئاسة المصرية بدل أن يقدم برنامجه الانتخابي قال: إن الرسول (ص) زاره في المنام وقال له: أنت ستصبح الرئيس، أو الدعوة في القنوات الفضائية إلى (المبايعة) .() هذا وغيره من الأداء السياسي والإعلامي والمشاكل التي تراكمت هو ما أنتج قطيعة بين شباب ثورة المعلومات وبين خطاب تقليدي غير مناسب لمفاهيم الإعلام الحديث ووسائله سواء في أصول الدعوة الدينية أو أصول العمل السياسي . فجيل تكنولوجيا المعلومات لا معنى لمفهوم البيعة في تفكيره، بمعنى أنها لا تحيل في ذاكرته إلى ما ينشده ويتطلع إليه من أحلام، في تأسيس نموذج للحياة السياسية يستوعب ما يحفل به المجتمع من تنوع، ويضمن حق الاختلاف والتعددية والتداول السلمي للسلطة. فنموذج الشباب السياسي ودولتهم التي يهتفون لها في ساحة التحرير في القاهرة وغيرها ليسا في الماضي، إنما نموذجهم ومثالهم الديمقراطية بكل فلسفتها وحمولاتها ودلالاتها وآفاقها ووعودها في الحريات والحقوق. وهذا يتطلب سياسة إعلامية طويلة الأمد تعتمد على قراءة المشهد وعناصر التواصل وكيفية التأثير().

كثافة القنوات الدينية
تحتل القنوات الدينية المرتبة الرابعة من بين القنوات المتخصصة التي تبث إلى المنطقة العربية بواقع 95 قناة حسب التقرير السنوي حول البث الفضائي العربي للعام 2014 الذي أصدره اتحاد إذاعات الدول العربية، حيث تحتل القنوات الرياضية المرتبة الأولى بواقع 170 قناة ثم الدراما والأفلام والمسلسلات بواقع 152 قناة والقنوات الغنائية بواقع 124 قناة، من أصل 1300 قناة موجهة إلى المنطقة().

وتظهر الأرقام تنامي القنوات الدينية المختلفة إسلامية (سنية وشيعية، صوفية وغيرها) ومسيحية (مارونية أو قبطية وبابوية وأرثوذكسية ..والخ). وهناك أيضا قناة “حيدربوت” اليهودية. غير أن القنوات الإسلامية احتلت المساحة الأكبر من هذا الطيف، منها قنوات دينية عامة، ومنها قنوات متخصصة في القرآن أو الحديث أو الأطفال أو في الأناشيد أو في الدفاع عن الرسول (ص)، ومنها قنوات تهتم الرقية من السحر والعين والمس، والطب النبوي، والأعشاب. وإذا كان بعض هذه القنوات جادا ومحايدا، فان الكثير منها ما لا نستطيع أن نعد عملها هذا(إعلاماً) حيث تتوقف عند الخيارات السهلة والمباشرة والبرامج الحوارية السطحية، أو التسجيلية أو المحاضرات التي يعتبرها البعض مملة. وبعضها شكّل خطرا بتعمدها التحريض الطائفي والديني ونقل الصراع الديني والخلافات الفقهية والمجتمعية وتسييس الدين والمقدس إلى البرامج التلفزيونية، فيما تحوّل بعضها الآخر إلى واجهة لجني الأرباح باسم الدين.

حيث تفنّنت هذه القنوات في تثبيت أكثر من شريط على الشاشة أو من خلال التليفون المحمول، وعن طريق تقديم خدمات ما تدعيه بالرنات الإسلامية، والهاتف الإسلامي، والشعارات، والخطب على التليفون المحمول وغير ذلك من الوسائل والادعاءات. وكل هذه القنوات الدينية وبغض النظر عن أغطيتها الطائفية أو الدينية أصبحت تتسول المزيد من الأموال، عبر أرقام التليفونات أو حسابات البنوك للتبرع، وبذلك تحولت عشرات الفضائيات الدينية إلى وقود لإشعال الحروب والفتن والحصول على الغنائم.

البرامج الموجهة
في الوقت الذي حافظت فيه بعض القنوات الدينية على رصانتها لاسيما التي تبث أحاديثَ وآياتٍ وقصصاً دينيةً وعظية تربوية فقط، كرست قنوات أخرى خطابات متشنجة عدائية تثير الكراهية والتحريض وتهدد نسيج العالم الإسلامي بالتفكك والنزاعات من خلال برامج موجهة لهذا الغرض. ويمكننا الآن الاطلاع على خارطة القنوات الإسلامية حيث شملت السنية منها القنوات التالية: ابن عثيمين ـ الأثر ـ أخبار اليوم ـ أزهري ـ الأسرة ـ الإسلام اليوم ـ اقرأ ـ أوتار ـ أوطان ـ أول الطريق ـ الإيمان ـ بداية ـ بداية النسائية ـ البدر ـ بيوت مطمئنة ـ التواصل ـ الحافظ ـ الحقيقة ـ الحكمة ـ حياتنا ـ الخليجية ـ دليل ـ ديوان العرب ـ الراية ـ الرحمة ـ الرسالة ـ روائع ـ السنة النبوية (السعودية) ـ السيوف ـ شاعر الرسول ـ ريحانة ـ زايد ـ شدا ـ شفاء ــ صفا ـ صوفية ـ الصوفية ـ الطب النبوي ـ طيبة ـ العفاسي1 ـ العفاسي2 ـ الفجر ـ فور شباب ـ ـ كيف ـ القدس ـ القرآن الكريم (الجزائر) ـ القرآن الكريم (السعودية) ـ القوس ـ المجد للأطفال ـ المجد للحديث الشريف ـ المجد الطبيعية ـ المجد العامةـ المجد العلميةـ المجد للقرآن الكريم ـ المجد الوثائقيةـ المعالي ـ مكة ـ المنبر ـ مسك ـ الناس ـ نسائم الرحمة ـ نور الخليجية ـ نور دبي ـ الهداية ـ وصال ـ ياسين.. كما يمكن حصر أشهر القنوات الشيعية: أهل البيت الفضائية. الأنوار، الأولى والثانية. المعارف. الزهراء. الكوثر. أبا فضل العباس. الإمام الحسين. العقيلة. القمر. فدك. صوت العترة.

وهذه القوائم تتغير حيث تظهر قنوات جديدة وتختفي أخرى. ولا تقتصر المواجهات على (بعض )هذه القنوات الإسلامية فيما بينها، بل إن قنوات مسيحية أيضا كرست برامجها للصراعات الدينية والتشكيك بالقرآن والسنة، مثل قناة “الحياة” و”الروح” ( سات 7 ) “الشفاء”: “الكرمـة” “المحبة”” نور سات” و”معجزة” و”ملكوت” و”سبريت – spirit “.

لقد استُغل البث الفضائي من قبل بعض القنوات الدينية بصورة لاتدعم السلم المجتمعي العربي، بل تزيده تفتيتا وتشجع الشباب على الانحراف والتطرف في العداء استنادا إلى ثقافة الكراهية، بحيث لم يعد المشاهد منتبها إلى الرسائل الفقهية والوضعية والإنسانية التي تتضمنها خطابات هذه القنوات بقدر ما يركز على لغة العداء التي تبث من شاشاتها. فقد أصبح الفضاء التلفزيوني ساحة مواجهات بين الطوائف والمذاهب لبرامج موجهة مكرسة لذلك، مثل (كلمة سواء) و(أحاديث تفند ادعاءات كل طائفة) و(شمائل المصطفى). لدرجة أن احد الشيوخ أفتى بحرمة مشاهدة الفضائيات الدينية الأخرى واتهمها بالترويج للبدع مثل قناة (اقرأ) و(الرسالة) و(صفا)، بينما اتجهت فضائيات أخرى لإطلاق شعارات دينية لأجل تحقيق الإرباح ولو على حساب القيمة مثل شعار (قناة تأخذك إلى الجنة) وشعار (ليطمئن قلبي) و(إن تطيعوا تهتدوا) و(معين لا ينضب)، حيث تحقق اغلب هذه القنوات أرباحا خيالية من الإعلانات وطلب المساهمات والعائد من رسائل sms…. التي إحتلّت أغلب الشاشات

الفتاوى والتفسير
الفتوى هي إصدار حكم شرعي من قبل المفتي أو المرجع الديني، والحكم الشرعي هذا يستنبط من القرآن أو السنة أو فكر الأئمة ، ويأتي في حال حاجة الأمة لهذا الحكم الشرعي نتيجة لحدث تعيشه أو تغيرٍ خطرٍ حاصل على الأرض. ومن المعتاد إن العالم أو المفتي أو المرجع دائما ما تكون فتواه متزنة ومحترفة ورصينة وتتبعها بعد ذلك من المكتب أو العلماء المقربين له وبإيعاز منه تعليمات لتلك الفتوى ولا يُبقي ذلك العالم الباب مفتوحاً للتأويل والتفسير والتنظير، حيث تراعي جميع التداعيات وتطوق التوقعات التي تعقب وتأتي بعد العمل بتلك الفتوى. ()والملاحظ أن الفتوى لم يصل تأثيرها إلى حد استبدال واقع بآخر, بقدر ما كانت في هز الواقع القائم.
وللفتوى وجهان أساسيان هما: الفتوى كحكم شرعي, والفتوى كسلطة سياسية واجتماعية، ركائزها:
1- مركزية الدين في الحياة: لا قيمة للفتوى لو لم تكن للدين مركزية في الحياة.
2- الأولوية في الدين: إيجاد رؤية للحياة ورعاية مصالح الناس وتطبيق العدل في حياتهم ومصالحهم.
3- مجال الفتوى: كلما كانت الفتوى مطلقة المجال لكل مناحي الحياة كلما كانت قوتها أكثر
4- دور العلماء: فهم مبينو أحكام الله, وهذا الدور يكاد يكون حقاً حصرياً عليهم, مما يعطيهم سلطة روحية قوية من حيث إدّعاء شرعية كلامهم عن الله تعالى.
5- مشروعية وقوة الدولة: بقدر ما يكون للدولة مشروعية وقوة تامة في نفوس أبنائها, بقدر ما يضعف تأثير ونفوذ الفتوى, والعكس بالعكس, فبقدر ما تضعف مشروعية الدولة بقدر ما تزيد سلطة الفتوى.

أما برامج الفتاوى التلفزيونية، فهي تلك البرامجُ القائمةُ على استضافةِ صفوةٍ من العلماء أو طلاب العلم في مجال الشريعة الإسلاميَّة والفقه الإسلامي، التي تتناول المعرفة الدينيَّة المتخصِّصة في قضايا العبادات والمعاملات، ويتولَّى فيها أحد العلماء أو طلاب العلم الإجابةَ عن أسئلة المشاهدين واستفساراتهم، كما يناقشُ مختلفَ القضايا المعاصرة التي تهمُّ المجتمع الإسلاميَّ من منظور فقهي.
وفي خضم الارتجال وعمل التلفزيون وغياب الضوابط وتوفير الحماية السياسية، غابت شروط الإفتاء والتفسير وتركت للصغار والمبتدئين ومقدمي البرامج الدينية تتلى عبر شاشات التلفزيون وفي مواقع التواصل الاجتماعي، يصل بعضها إلى التكفير والقتل وإبادة أتباع الدين الآخر والمذهب الآخر والتدخل في شؤون العلاقات الخارجية بين الدول .

كما استخدمت الفتوى سلاحا سياسيا، لاسيما من قبل الجماعات التكفيرية المتطرفة، حيث شهد العالم الإسلامي فتاوى التكفير وإلغاء الآخر بناء على نبش النصوص والحوادث ونشر الكراهية والتفسير والتأويل القمعي للنص القرآني . وقد استند المتطرفون إلى هذا التفسير كمرجعية تبرر رغبتهم في الانتقام من الآخر، وتسوغ لهم كراهية كل من لا يتعبد بفقههم ولا يدين بمذهبهم، بل حكموا عليهم بالخروج من الملة والكفر وبالتالي الموت.

وبذلك انتقلت فوضى الفتاوى من الاجتماعي إلى السياسي لتهدد وتروع وتحرض وتشعل الفتن وتدعو إلى القتل وتُبيحه، بما يضع المجتمعات كلها دون استثناء فوق بركان يتطاير شرره بالفعل في خضم الواقع السياسي المتصارع. فأصبحت الفتاوى اليوم مسخّرة لخدمة أهداف سياسية وحزبية معينة، وتوظف الدين لاستقطاب الأتباع، واستغلال شغف الناس بالدين من أجل سحب البساط من تحت أقدام منافسيهم بإطلاق فتاوى تكفير المعارضين والمثقفين .

لقد لعب الاعلام العربي عامة والمحلي بصورة خاصة دورا في احداث الشرخ المجتمعي في عدد من الدول العربية بل ان التقدم التقني الذي شهده الاعلام العالمي ودخل بفضل الاموال الداعمة الى المؤسسات العربية وتحديدا الخليجية كان مردوده انتاج ازمات خطيرة واشعال اكثر من بلد عربي بلهيب الاحتراب والطائفية والفساد والتفريط بالمصالح الحصرية لشعوبها. .

لا تعليقات

اترك رد